تغير المناخ يتحول إلى طوارئ صحية عالمية.. 710 آلاف وفاة بسبب الحر في عام واحد

3 ملايين وفاة مرتبطة بالاحترار العالمي بين 2016 و2023.. وتقرير يدعو لإعلان طوارئ صحية

أفريقيا الأكثر تضررًا من خسائر الحرارة.. الزراعة تتحمل 71% من الدخل المحتمل المفقود

حذّر تقرير دولي جديد من تسارع التأثيرات الصحية لتغير المناخ بوتيرة تفوق سرعة الاستجابة العالمية، مع ارتفاع الوفيات المرتبطة بالحرارة، وتفاقم الجفاف وندرة المياه، وزيادة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة، داعيًا إلى الاعتراف رسميًا بتغير المناخ باعتباره حالة طوارئ صحية عالمية.

ويكشف تقرير «لانسيت» لعام 2026 بشأن الصحة وتغير المناخ، الصادر بالتعاون الاستراتيجي مع منظمة الصحة العالمية، أن المخاطر الصحية المرتبطة بالاحترار العالمي تصاعدت خلال العقد الماضي، رغم التقدم المحرز في الاستثمار بالطاقة النظيفة وتطوير أنظمة صحية أكثر قدرة على مواجهة تداعيات المناخ.

ويجمع التقرير نتائج أبحاث 146 باحثًا من أكثر من 100 مؤسسة في أكثر من 30 دولة، ويرصد 54 مؤشرًا لقياس العلاقة بين تغير المناخ وصحة الإنسان.

موجات الحر

710 آلاف وفاة مرتبطة بالحرارة في عام واحد

وفقًا للتقرير، ارتفع متوسط الوفيات السنوية المرتبطة بالحرارة بنحو 36% في السنوات التالية لدخول اتفاق باريس للمناخ حيز التنفيذ، مقارنة بالعقد السابق. وفي عام 2023 وحده، ارتبط التعرض للحرارة بوفاة نحو 710 آلاف شخص حول العالم، مع تقدير أن أكثر من 70% من هذه الوفيات يُعزى إلى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

ويشير التقرير إلى أن نحو 3 ملايين وفاة خلال الفترة من 2016 إلى 2023 يمكن نسبتها إلى الاحترار العالمي، وفقًا للبيانات التي أوردها التقرير في عرضه لمخاطر المناخ الصحية.

ولا تقتصر تداعيات الحرارة الشديدة على الوفيات، بل تمتد إلى زيادة الأمراض والإجهاد الحراري، والضغط على أنظمة الرعاية الصحية، خصوصًا بين العاملين في الأنشطة البدنية المكشوفة، مثل الزراعة والبناء.

وتؤدي هذه الآثار إلى تراجع الإنتاجية وتعطيل النشاط الاقتصادي، إذ قدّر التقرير خسائر الدخل العالمي المرتبطة بالتعرض للحرارة بأكثر من تريليون دولار خلال عام 2025، توزعت بنحو 40% في قطاع الزراعة و30% في قطاع البناء.

وتبرز أفريقيا ضمن المناطق الأكثر تعرضًا لهذه الخسائر؛ إذ تمثل الزراعة 71% من خسائر الدخل المحتمل المرتبطة بالحرارة في القارة، وفقًا للتقرير.

كما تتحمل الدول الأقل مسؤولية عن الانبعاثات جزءًا غير متناسب من الأضرار الصحية الناجمة عن تغير المناخ.

الجفاف وندرة المياه يفاقمان المخاطر

يرصد التقرير تزايدًا ملحوظًا في المخاطر الصحية المرتبطة بالجفاف، مشيرًا إلى أن المساحة المتأثرة بندرة المياه ارتفعت بنسبة 700% خلال الفترة من 2016 إلى 2025، مقارنة بالعقد السابق.

وخلال عام 2025، تأثر أكثر من نصف مساحة اليابسة على مستوى العالم بالجفاف لمدة شهر واحد على الأقل، ما يزيد الضغوط على الأمن الغذائي والموارد المائية، ويهدد سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على الزراعة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الأمطار الغزيرة أكثر كثافة، مع هطول كميات أكبر خلال فترات أقصر، الأمر الذي يرفع مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية وما يصاحبها من تهديدات للصحة العامة.

كما تسهم درجات الحرارة المرتفعة والتغيرات في أنماط هطول الأمطار في توسيع الظروف البيئية الملائمة للبعوض الناقل لأمراض مثل حمى الضنك والملاريا وفيروس غرب النيل، بما يزيد الحاجة إلى أنظمة مراقبة صحية وإنذار مبكر قادرة على رصد المخاطر والاستجابة لها.

تفشي حمى الضنك

الوقود الأحفوري يواصل فرض كلفة صحية مرتفعة

رغم التقدم في التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، لا تزال مصادر الوقود الأحفوري توفر نحو 80% من الطاقة العالمية، فيما ارتفعت الانبعاثات المرتبطة بالطاقة إلى مستوى قياسي في عام 2024، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.

ويقدّر التقرير أن تلوث الهواء الناتج عن الوقود الأحفوري تسبب في متوسط بلغ 2.78 مليون وفاة يمكن تجنبها سنويًا منذ عام 2016، ما يعكس استمرار العبء الصحي الناجم عن الاعتماد على مصادر الطاقة الملوثة.

في المقابل، وصلت الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة إلى مستوى قياسي بلغ 2.1 تريليون دولار في عام 2025.

وأسهم التوسع في مصادر الطاقة المتجددة في خفض الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري في 77 دولة منذ عام 2016، ويقدّر التقرير أن هذا التقدم ساعد على تجنب 323 ألف وفاة سنويًا في هذه الدول.

كما رصد التقرير زيادة في تمويل الأبحاث المتعلقة بالتأثيرات الصحية للمناخ، وتوسع السياسات المناخية التي تأخذ الصحة العامة في الاعتبار، إلى جانب إحراز تقدم في خطط التكيف الصحي وأنظمة الإنذار المبكر المستندة إلى المعلومات المناخية.

لكن هذه المكاسب، بحسب التقرير، لا تزال أبطأ من وتيرة تصاعد المخاطر، كما أن التقدم في الاستثمار بالتكيف والبحث العلمي لا يصل بالقدر نفسه إلى البلدان الأكثر احتياجًا إليه.

دعوات إلى استجابة صحية دولية منسقة

مع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «COP31»، يدعو معدّو التقرير إلى الاعتراف رسميًا بتغير المناخ باعتباره حالة طوارئ صحية عالمية، وإدماج الاعتبارات الصحية في قرارات خفض الانبعاثات والتكيف والتمويل المناخي.

وتشمل الأولويات تسريع خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وزيادة الدعم الموجه إلى الدول الأكثر تعرضًا للمخاطر، وتوسيع الاستثمارات التي تعزز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة موجات الحر والجفاف والفيضانات والأمراض المرتبطة بالمناخ.

وتعمل منظمة الصحة العالمية بالفعل من خلال آليات تشمل الترصد الصحي، وأنظمة الإنذار المبكر، والتخطيط للتكيف، والإرشادات الفنية والاستجابة للطوارئ.

كما تدعم المنظمة تحالف العمل التحويلي بشأن المناخ والصحة، الذي يجمع وزارات الصحة وشركاءها لتطوير أنظمة صحية أكثر قدرة على الصمود وأقل اعتمادًا على الكربون.

وفي ظل تداعيات ظاهرة «إل نينيو» الجارية، بدأت المنظمة منذ سبتمبر تنفيذ استجابة طارئة متدرجة، من خلال فريق عالمي لإدارة الحوادث، بهدف حشد الخبرات والمعلومات الصحية وتقديم الدعم إلى البلدان الأكثر عرضة للمخاطر المتوقعة.

ويوضح التقرير أن بعض الأحداث الصحية المرتبطة بالمناخ قد تستوفي معايير إعلان حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، وفق اللوائح الصحية الدولية، لكن ذلك يخضع لتقييم طبي وقانوني محدد، ولا يعني أن إعلانًا دوليًا من هذا النوع قد صدر بالفعل بشأن تغير المناخ.

وفي سياق متصل، ناقشت لجنة الأمن الصحي في الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعها في بروكسل يومي 27 و28 أكتوبر، الاستعداد للمخاطر الصحية العابرة للحدود، مع التركيز على موجات الحر والأمراض المنقولة بالبعوض والتنسيق بين الجهات الصحية والبيئية.

كما اعتمدت اللجنة آراء جديدة بشأن الأمراض المنقولة بالبعوض والجاهزية والقدرة على الصمود في البنية التحتية الصحية.

ويخلص تقرير «لانسيت» إلى أن التحرك المناخي يمكن أن يكون تدخلًا مباشرًا لحماية الصحة العامة، من خلال تقليل التلوث، وتوسيع الطاقة النظيفة، وتعزيز الاستعداد الصحي. لكنه يحذر من أن تجنب تفاقم الأضرار يتطلب استجابة أسرع وأكثر تنسيقًا، تضع صحة الإنسان في قلب السياسات المناخية.

↑
Exit mobile version