مع عودة مصر للتوقيت الشتوي الجمعة.. هل ما زال التوقيت الصيفي يوفر الطاقة في عصر LED؟

هل يستحق التوقيت الصيفي الاستمرار؟ دراسة تكشف محدودية وفورات الطاقة

مع اقتراب انتهاء العمل بالتوقيت الصيفي في مصر والعودة إلى التوقيت الشتوي في نهاية أكتوبر، يتجدد التساؤل حول مدى قدرة تقديم الساعة وتأخيرها على تحقيق وفورات حقيقية في استهلاك الكهرباء، خاصة بعد الانتشار الواسع لمصابيح LED الموفرة للطاقة، التي قللت بصورة كبيرة الكهرباء اللازمة للإضاءة مقارنة بالمصابيح التقليدية.

ويستند أحد المبررات التاريخية للتوقيت الصيفي إلى الاستفادة من ضوء النهار لفترة أطول خلال المساء، بما يقلل الحاجة إلى تشغيل المصابيح.

لكن التطور في تقنيات الإضاءة، إلى جانب التغير في أنماط استهلاك الطاقة داخل المنازل والمباني، أعاد فتح النقاش حول ما إذا كان هذا النظام لا يزال يحقق الوفورات التي استهدفها عند تطبيقه لأول مرة.

ولا تقتصر المسألة على الإضاءة وحدها؛ إذ يمكن أن تتأثر احتياجات التدفئة والتبريد بمواعيد شروق الشمس وغروبها وتوقيت ممارسة الأنشطة اليومية، ما يجعل الحصيلة النهائية لتغيير الساعة أكثر تعقيدًا من مجرد تقليل ساعات تشغيل المصابيح.

لماذا بدأت الدول تطبيق التوقيت الصيفي؟

اعتمدت المملكة المتحدة تغيير الساعة عام 1916، خلال الحرب العالمية الأولى، بهدف ترشيد استهلاك الوقود وتعزيز الإنتاجية.

وكانت الفكرة تقوم على تقديم الساعة في الربيع للاستفادة من ضوء النهار في ساعات المساء، ثم العودة إلى التوقيت القياسي في الخريف.

وبعد تعديلات على النظام خلال العقود التالية، استقر النظام البريطاني الحالي منذ عام 1980، مع تقديم الساعة في الأحد الأخير من مارس وإعادتها إلى توقيت جرينتش في الأحد الأخير من أكتوبر.

كما وُحّدت مواعيد تغيير الساعة بين دول الاتحاد الأوروبي منذ منتصف التسعينيات للحد من الاضطرابات التي قد تؤثر في السفر والأنشطة التجارية.

وفي مصر، يرتبط تطبيق التوقيت الصيفي بتقديم الساعة خلال أشهر السنة الأكثر ملاءمة للاستفادة من ضوء النهار، ثم إعادتها إلى التوقيت الشتوي في نهاية أكتوبر.

لكن استمرار تطبيق النظام لا يعني بالضرورة أن حجم الوفورات الناتجة عنه يظل ثابتًا، خصوصًا مع تغير تقنيات الإضاءة ومصادر استهلاك الكهرباء.

مصابيح LED تقلل استهلاك كهرباء الإضاءة بنحو 86%

مصابيح LED

تُظهر التحولات في تقنيات الإضاءة مدى تغير الظروف منذ ظهور التوقيت الصيفي، فالمصابيح المتوهجة التقليدية، التي تعتمد على تسخين فتيلة من التنجستن لإنتاج الضوء، كانت منخفضة الكفاءة؛ إذ يتحول نحو 5 إلى 10% فقط من الكهرباء التي تستهلكها إلى ضوء، بينما يتحول معظم الباقي إلى حرارة.

أما مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء (LED)، فقد أصبحت من أكثر تقنيات الإضاءة كفاءة وانتشارًا، ويمكن لمصباح LED يستهلك نحو 13.5 واط أن ينتج كمية الضوء نفسها التي يوفرها مصباح متوهج بقدرة 100 واط، أي نحو 1520 لومنًا.

ويعني ذلك انخفاض استهلاك الكهرباء اللازمة لإنتاج كمية الإضاءة نفسها بنحو 86%، وهو تطور يضعف أحد المبررات التقليدية للتوقيت الصيفي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على إجمالي الطاقة التي يمكن توفيرها من خلال تغيير الساعة.

فالوفورات الفعلية تتوقف أيضًا على عدد ساعات الإضاءة المستخدمة، وسلوك المستهلكين، ومقدار استهلاك الكهرباء في الأنشطة الأخرى التي قد تتأثر بتغيير مواعيد النهار والليل.

هل أصبحت وفورات التوقيت الصيفي محدودة؟

التوقيت الصيفي

وفقًا لتقرير صادر عن مكتبة مجلس العموم البريطاني عام 2026، لا تقدم الأدلة المتاحة نتيجة حاسمة بشأن تأثير تغيير الساعة في الطلب على الطاقة، فخفض استهلاك الكهرباء للإضاءة قد يقابله ارتفاع في استهلاك الطاقة اللازمة للتدفئة أو التبريد، بحسب الظروف المناخية وأنماط الاستخدام.

وفي دراسة نُشرت عام 2018، جمع الباحثون 162 تقديرًا مستمدًا من 44 دراسة، ووجدوا أن متوسط الوفورات في استهلاك الطاقة خلال فترة التوقيت الصيفي بلغ نحو 0.34%.

كما أشارت دراسة أخرى نُشرت عام 2025 إلى أن المبررات الأصلية للتوقيت الصيفي باعتباره وسيلة لتوفير الطاقة أصبحت أقل يقينًا.

وتعني هذه النتائج أن أثر تغيير الساعة قد يكون محدودًا، وأنه لا يمكن تعميم مقدار ثابت من الوفورات على جميع البلدان؛ فالنتيجة تتأثر بالمناخ، وأنماط استخدام الكهرباء، ومواعيد العمل والنشاط، واحتياجات التدفئة والتبريد.

وبالنسبة إلى مصر، فإن تحديد الأثر الفعلي للتوقيت الصيفي يتطلب بيانات محلية تقارن استهلاك الكهرباء قبل تغيير الساعة وبعده، مع مراعاة درجات الحرارة، وأحمال التكييف، ومواعيد الذروة، وطبيعة الاستهلاك المنزلي والتجاري، ولا تكفي نتائج الدراسات البريطانية وحدها لتحديد حجم الوفر في مصر، لاختلاف المناخ وأنماط استخدام الطاقة.

الإضاءة ليست سوى جزء من استهلاك الطاقة

لا تتوقف جدوى التوقيت الصيفي على كفاءة المصابيح فقط، بل تتطلب النظر إلى منظومة استهلاك الطاقة كاملة، فالإضاءة تمثل نحو 4% من استهلاك الكهرباء المنزلية في المملكة المتحدة، وفقًا لتقديرات حكومية لعام 2025، أو قرابة 1% من إجمالي استهلاك الطاقة المنزلية عند احتساب الغاز المستخدم في التدفئة.

كما يمكن أن يؤدي انخفاض تكلفة تشغيل مصابيح LED إلى زيادة استخدامها، سواء لأغراض الزينة أو بسبب تركها مضاءة لفترات أطول.

ويُعرف هذا السلوك باسم «تأثير الارتداد»، حيث يؤدي تحسن كفاءة استخدام الطاقة أحيانًا إلى زيادة الاستهلاك، بما يقلل من الوفورات المتوقعة.

وفي المقابل، قد يؤثر تغيير الساعة في توقيت تشغيل أجهزة التكييف والتدفئة وفي أنماط النشاط اليومي، ما يجعل حساب المكاسب أو الخسائر بحاجة إلى تقييم شامل، لا إلى قياس استهلاك الإضاءة وحده.

لماذا لا يزال الجدل مستمرًا؟

صوّت البرلمان الأوروبي عام 2019 لصالح إلغاء تغيير الساعة مرتين سنويًا، لكن تنفيذ القرار تعثر بسبب عدم اتفاق الدول الأعضاء على ما إذا كان ينبغي الإبقاء بصورة دائمة على التوقيت الصيفي أو التوقيت القياسي.

ويعكس هذا الخلاف صعوبة اتخاذ قرار موحد استنادًا إلى هدف توفير الطاقة وحده، في ظل اختلاف الظروف المناخية وأنماط الحياة واستهلاك الكهرباء بين البلدان.

ومع الانتقال من المصابيح المتوهجة إلى مصابيح LED، انخفضت الكهرباء اللازمة للإضاءة بصورة كبيرة، وأصبحت الوفورات المحتملة من تقديم الساعة أقل مما كانت عليه في الماضي، ومع ذلك، لا تقدم الأبحاث المتاحة حسابًا قاطعًا يحدد مقدار الطاقة التي يمكن توفيرها أو استهلاكها إذا أُلغي النظام.

التوقيت الشتوي

ماذا تعني هذه النتائج لمصر؟

مع عودة مصر إلى التوقيت الشتوي في نهاية أكتوبر، لا يعني انخفاض استهلاك الإضاءة بفضل مصابيح LED أن التوقيت الصيفي فقد جدواه بالكامل، كما لا يعني استمرار تطبيقه أنه يحقق بالضرورة وفورات كبيرة في الطاقة.

والحكم الدقيق على التجربة المصرية يحتاج إلى تحليل بيانات استهلاك الكهرباء خلال فترات متقاربة قبل تغيير الساعة وبعده، مع فصل أثر التوقيت عن التغيرات في درجات الحرارة وأحمال التكييف والتدفئة ومواعيد النشاط الاقتصادي.

الخلاصة أن كفاءة مصابيح LED قللت أحد مصادر الوفر المرتبطة بالتوقيت الصيفي، لكن الحصيلة النهائية لتغيير الساعة ما زالت غير محسومة علميًا.

ويتوقف تحديد جدوى النظام في مصر على قياس أثره الفعلي في استهلاك الكهرباء والطلب خلال ساعات الذروة، بدلًا من الاعتماد على المبررات التاريخية وحدها.

↑
Exit mobile version