تقنية جديدة تسجل تاريخ انقسام الخلايا داخل الحمض النووي، وتكشف كيف تتوزع الأنساب الخلوية بين الأنسجة والأعضاء، من الدم والدماغ إلى الرئتين والأمعاء.
نجح فريق دولي من الباحثين في إعادة بناء شجرة نسب خلوية تربط نحو 1.28 مليون خلية داخل جنين فأر، وصولًا إلى اللحظات الأولى بعد انقسام البويضة المخصبة إلى خليتين. وتقدم الدراسة، المنشورة في مجلة Science، خريطة زمنية لكيفية تفرع الخلايا وتمايزها إلى أنواع مختلفة تسهم في بناء أنسجة الجسم وأعضائه.
ولا تتمثل أهمية الإنجاز في العدد الكبير من الخلايا التي جرى تتبعها فحسب، بل في استخدام الحمض النووي نفسه بوصفه سجلًا تاريخيًا لانقسامات الخلايا، ما أتاح للباحثين استنتاج الروابط بين الخلايا وأصولها المشتركة، وتقدير توقيت ظهور بعض الفروق بين أنواعها.
ومع ذلك، فإن الدراسة لا تمثل خريطة كاملة لكل خلايا الجنين؛ إذ شملت نحو 10% فقط من خلاياه، واعتمدت على جنين واحد، ولذلك لا تزال النتائج بحاجة إلى التحقق من خلال دراسات على أجنة أخرى.
«آلة كاتبة للحمض النووي» تسجل تاريخ الخلايا
قاد الدراسة جاي شندور، الأستاذ بقسم علوم الجينوم في جامعة واشنطن والمدير العلمي لمركز سياتل لعلم الأحياء التركيبي، بالتعاون مع فريق بحثي طوّر أداة أطلق عليها اسم «DNA Typewriter»، أو «آلة كاتبة الحمض النووي».
تعتمد التقنية على مبدأ بسيط في جوهره: كلما انقسمت الخلية، تنقل إلى الخلايا الناتجة معلومات وراثية، ويمكن استغلال ذلك لإنشاء سجل متراكم عن تاريخها.
وتضيف الأداة مقاطع قصيرة من الحمض النووي تحتوي على خانات فارغة، ثم تستخدم أداة لتحرير الجينات لكتابة علامات وراثية صغيرة في هذه الخانات، بالتتابع وبترتيب محدد.
وعندما تنقسم الخلية، ترث الخلايا الناتجة العلامات السابقة، ثم تواصل إضافة علامات جديدة. وبذلك تصبح الخلايا التي تنحدر من أصل مشترك أكثر تشابهًا في سجلها الوراثي، بينما تظهر الاختلافات المتراكمة مسارات تفرعها بمرور الوقت.
وتتيح هذه الطريقة للباحثين استنتاج شجرة النسب الخلوية بدلًا من الاعتماد على الملاحظة المباشرة لكل انقسام، وهي مهمة بالغة الصعوبة في الأجنة الثديية التي تتكون بسرعة وتتطور داخل الرحم.
من البويضة المخصبة إلى 138 نوعًا من الخلايا
حقن الباحثون الأداة في بويضات فئران مخصبة، ثم جمعوا الجنين الذي ركزت عليه الدراسة بعد 13.5 يومًا من التطور، أي بعد مرور نحو ثلثي مدة الحمل لدى الفأر.
وبدأ الفريق بتحليل نحو 1.58 مليون نواة خلوية، وقرأ العلامات المسجلة في الحمض النووي، ثم صنّف الخلايا إلى 138 نوعًا وفقًا للجينات النشطة داخلها.
ومن هذه البيانات، أعاد الباحثون بناء شجرة تربط نحو 1.28 مليون خلية بمساراتها التطورية السابقة، حتى الانقسام الأول للبويضة المخصبة.
وتكمن القيمة العلمية في أن الشجرة لا تحدد فقط الخلايا المتشابهة، بل تساعد أيضًا على تقدير توقيت انفصال مجموعات خلوية عن أسلاف مشتركة، وربط ذلك بالمراحل التي تبدأ خلالها الأنسجة والأعضاء في التكون.
الانقسام الأول ترك بصمة واضحة
أظهرت الدراسة أن التسجيل الوراثي كان نشطًا بصورة لافتة خلال المراحل الأولى جدًا من التطور. فعند الانقسام الأول للبويضة، سجلت الأداة نحو 20 علامة في كل واحدة من الخليتين الناتجتين، ما منح كل خلية بصمة مميزة يمكن تتبعها لاحقًا.
وقال الباحث المشارك هايدونج كيم إن قوة تسجيل العلامات منذ الانقسام الأول كانت مفاجئة للفريق، موضحًا أن الخليتين الأوليين أتاحتا للباحثين مقارنة مسارين مستقلين نسبيًا داخل الجنين نفسه، واستخدامهما للتحقق من النتائج.
وكشفت عملية التتبع أن نحو 57% من الخلايا التي أمكن إرجاعها إلى أصولها انحدرت من إحدى الخليتين الأوليين، مقابل نحو 42% من الأخرى، مع اختلاف طفيف في النسبة بسبب التقريب والبيانات التي أمكن تتبعها.
لكن المفاجأة أن الخليتين أسهمتا في تكوين مزيج متقارب للغاية من أنواع الخلايا. ورغم أن إحداهما أنتجت عددًا أكبر من الخلايا التي جرى تتبعها، لم تظهر إحداهما ميلًا واضحًا إلى تكوين أنسجة بعينها دون الأخرى.
ولا تزال مساهمة الخليتين في تكوين المشيمة والأنسجة الأخرى خارج الجنين غير معروفة، لأن هذه الأنسجة لم تكن ضمن العينات التي تناولتها الدراسة.
170 خلية سلفية أسهمت في تكوين نصف الخلايا المتتبعة
عندما انتقل الباحثون إلى مرحلة أسبق من التطور، تتبعوا نحو 3850 خلية سلفية قدّروا أنها تعود إلى اليوم السابع من نمو الجنين، وهي مرحلة تبدأ خلالها الخلايا في الانتظام ضمن طبقات أساسية ستسهم لاحقًا في تكوين الأعضاء.
وأظهرت النتائج تفاوتًا كبيرًا في عدد الخلايا الناتجة عن كل خلية سلفية. فقد أسهمت 170 خلية سلفية فقط في تكوين نصف الخلايا التي أمكن تتبعها عند اليوم 13.5.
وللمقارنة، كان الوصول إلى النسبة نفسها سيتطلب نحو 720 خلية سلفية لو أن جميع العائلات الخلوية نمت بالمعدل نفسه.
وظهرت هذه الفوارق سريعًا خلال التطور، ثم استقر حجم التفاوت تقريبًا بحلول اليوم التاسع، وفقًا لتحليل الباحثين.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن بعض الخلايا كانت مبرمجة منذ البداية لإنتاج أعداد أكبر بالضرورة؛ إذ لا تستطيع الشجرة وحدها تحديد ما إذا كان اتساع بعض العائلات الخلوية يرجع إلى سرعة الانقسام، أو ارتفاع فرص البقاء، أو مزيج من العوامل المختلفة.
هل تحدد أصول الخلايا الأنسجة التي ستكوّنها؟
وجد الباحثون أن بعض العائلات الخلوية أسهمت بصورة غير متناسبة في تكوين أنواع معينة من الخلايا. ومن أبرز الأمثلة 20 عائلة خلوية شكّلت نحو 5% من الجنين، لكنها أسهمت في نحو 51% من مجموعة تضم 4178 خلية عصبية مسؤولة عن استشعار الروائح.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه النتيجة دليلًا قاطعًا على أن مصير الخلية تحدد منذ انقسامها الأول. فقد كانت الخلايا التي انتهت إلى تكوين هذه المجموعة العصبية موجودة بالفعل في مناطق مختلفة من الجنين بحلول اليوم السابع.
ويرجح الباحثون أن الموقع الذي توجد فيه الخلية خلال التطور قد يؤدي دورًا في تحديد مسارها، إلى جانب تاريخها الانقسامي والعوامل الجينية والإشارات المحيطة بها.
وهنا تبرز إحدى أهم النقاط العلمية في الدراسة: معرفة أصل الخلية لا تعني بالضرورة أن مصيرها كان محددًا بالكامل منذ البداية؛ فالتطور عملية تتفاعل فيها الوراثة مع البيئة الخلوية والإشارات التي تتلقاها الخلايا.
الأقارب الخلويون يميلون إلى أداء الوظائف نفسها
أظهرت الشجرة أن الخلية وأقرب خلية مرتبطة بها ضمن العينات كانتا تنتميان إلى النوع الخلوي نفسه في 51% من الحالات، وهي نسبة تبلغ 9.4 أضعاف ما يمكن توقعه عند اختيار أزواج من الخلايا بصورة عشوائية.
وكان الارتباط أقوى بكثير في الخلايا التي تتطور لاحقًا لتكوين الرئتين، إذ بلغ 145 ضعفًا مقارنة بالتوقع العشوائي.
ولفتت الدراسة إلى أن الباحثين بنوا شجرة النسب اعتمادًا على العلامات الوراثية وحدها، من دون إخبار الخوارزمية بهوية كل خلية أو نوعها. ومع ذلك، أمكن تجميع الخلايا وفقًا لأسلافها المشتركة في مجموعات تتوافق مع أنسجة وأنظمة معروفة، تشمل الدم والدماغ والحبل الشوكي والأمعاء وأعضائها والطبقة الخارجية للجلد.
كما قدّر الفريق توقيت انفصال بعض أنواع الخلايا عن أسلافها المشتركة، ضمن نطاق يمتد تقريبًا من اليوم الثامن إلى اليوم الثالث عشر من تطور الجنين.
وتوافقت الأنماط الزمنية العامة مع ما توصل إليه علماء الأجنة على مدى عقود من الملاحظات والتجارب، وهو ما يدعم إمكان استخدام التقنية لفهم مراحل التطور بمزيد من التفصيل.
كيف تساعد التقنية في فهم الأمراض الوراثية؟
تنشأ بعض الاضطرابات الوراثية خلال مراحل التطور الجنيني، وقد تؤثر في تكوين الأنسجة أو الأعضاء أو في طريقة عملها لاحقًا. ويمكن لخرائط النسب الخلوية أن تساعد الباحثين مستقبلًا على تحديد المراحل التي تظهر فيها بعض الاختلالات، والخلايا التي تنتقل عبرها التغيرات إلى الأنسجة المختلفة.
ويرى شندور أن هذه الخرائط قد تفتح مسارات جديدة لدراسة آلاف الاضطرابات الجينية المرتبطة بعملية التطور.
لكن الدراسة الحالية لا تثبت أن التقنية تستطيع تشخيص الأمراض أو التنبؤ بها سريريًا في الوقت الراهن؛ فقيمتها المباشرة تكمن في توفير أداة بحثية لفهم أصول الخلايا ومسارات تمايزها، وقد تمهد هذه المعرفة لدراسات أكثر تخصصًا في المستقبل.
حدود الدراسة: جنين واحد وأسئلة لم تُحسم
رغم أهمية النتائج، وضع الباحثون عدة قيود يجب مراعاتها عند تفسيرها.
أولًا، اعتمد التحليل على جنين واحد، وهو ما يجعل النتائج أولية إلى أن تتكرر في أجنة أخرى. وثانيًا، لم تشمل الشجرة جميع خلايا الجنين، بل نحو 10% منها فقط.
كذلك، فإن التقديرات الزمنية ليست متساوية الدقة في جميع المراحل؛ إذ تباطأ تسجيل العلامات خلال بعض الانقسامات المبكرة، كما كان التسجيل أبطأ في خلايا الدم، ما يؤثر في دقة إعادة بناء بعض المسارات.
وتوجد أيضًا مسألة تتعلق بسلامة التقنية نفسها: فقد اندمجت بعض المقاطع المسجلة داخل جينات الجنين، وأدى ذلك إلى انخفاض نشاط أحد الجينات، المعروف باسم Chd3. ولم يتضح بعد مدى تأثير هذا التغير في شجرة النسب التي أعاد الباحثون بناءها.
كما أن سعة التسجيل الحالية محدودة؛ فقد امتلأت خانات كثير من المقاطع الوراثية بحلول اليوم 13.5. ويقدّر الباحثون أن استخدام 50 مقطعًا، يحتوي كل منها على 20 خانة، قد يتيح استمرار التسجيل حتى مراحل البلوغ.
وأعلنت جامعة واشنطن تقديم طلب براءة اختراع للتقنية، التي شارك في ابتكارها شندور والباحث جونهونغ تشوي.
ويمكن للمهتمين استكشاف شجرة الخلايا التي أعاد الفريق بناءها عبر منصة NextCell الإلكترونية التي طورها الباحثون.
خطوة نحو فهم أدق لتاريخ الحياة داخل الخلايا
تقدم الدراسة وسيلة جديدة لدراسة التطور الجنيني، عبر تحويل الحمض النووي إلى سجل يمكن قراءته لاستنتاج تاريخ انقسام الخلايا وعلاقاتها ببعضها.
والأهمية المستقبلية لا تقتصر على معرفة أي الخلايا تنحدر من أي أصل، بل تمتد إلى دراسة توقيت تمايز الأنسجة، وفهم أسباب اختلاف أعداد الخلايا الناتجة عن أسلافها، والكشف عن مراحل قد تنشأ خلالها اضطرابات النمو.
ومع ذلك، فإن الانتقال من خريطة جنين واحد إلى فهم عام لتطور الثدييات يتطلب تكرار التجربة على عينات متعددة، وتحسين دقة التسجيل، والتحقق من أن التقنية نفسها لا تغير المسارات البيولوجية التي تحاول رصدها.
نُشرت الدراسة في مجلة Science العلمية.
