تتزايد المخاوف من اتساع تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة إلى مضيق باب المندب، بعدما أعلنت جماعة “أنصار الله” استهداف ناقلتين تحملان نفطًا سعوديًا، في تطور يهدد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ويثير مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط.
واستهداف الناقلتين وقع –وفق المنظمة البحرية البريطانية– غرب ميناء “الشقيق” السعودي، من دون تحديد وجهتهما النهائية، سواء نحو الأسواق الآسيوية عبر باب المندب وبحر العرب، أو إلى وجهات أخرى.
وخطورة هذا التطور تكمن في احتمال تحول باب المندب إلى نقطة اختناق جديدة لصادرات الطاقة العالمية، بعد التوترات التي شهدها مضيق هرمز، لافتة إلى أن الأسواق الآسيوية، ولا سيما في الهند والصين ودول جنوب شرق آسيا، تعتمد بشكل كبير على النفط السعودي الذي يمر عبر هذا الممر البحري.
وأهمية باب المندب لا تقتصر على النفط السعودي، إذ تعبره أيضًا صادرات النفط الروسية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية عبر البحر الأسود وقناة السويس، مشيرة إلى أن استمرار الاضطرابات قد ينعكس على توافر المنتجات النفطية في الأسواق العالمية.
والسعودية أعادت تنظيم مسارات تصدير نفطها مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، معتمدة بشكل أكبر على موانئ ينبع والشقيق، إلا أن استهداف الناقلات في محيط هذه الموانئ يهدد بإعادة خلط مسارات الإمداد ورفع المخاطر أمام حركة التجارة.
ودول رابطة آسيان شددت، خلال اجتماعها الأخير، على ضرورة ضمان حرية وأمن عبور شحنات الطاقة المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، في ظل تزايد المخاوف من اتساع نطاق التهديدات البحرية.
هل دخل باب المندب مرحلة الخطر؟
أظهرت بيانات تتبع السفن، التي نقلتها وكالة رويترز، أن التهديدات بدأت تتحول إلى واقع تشغيلي يؤثر في حركة الشحن، بعدما غيّرت 8 ناقلات مسارها خلال اليومين الماضيين، فيما تراجعت سفينة مخصصة لنقل السيارات عن التوجه إلى ميناء جدة.
وبحسب البيانات، تبلغ الحمولة المعلنة للسفن التي غيرت مسارها ما لا يقل عن 2.5 مليون برميل من النفط كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية، فيما أعلنت جماعة “أنصار الله” إصابة ناقلتين تبلغ سعتهما التخزينية نحو 1.8 مليون برميل، وهو ما دفع أسواق النفط إلى التعامل مع باب المندب باعتباره نقطة اضطراب فعلية في حركة الشحن، وليس مجرد مصدر تهديد محتمل.
وأشارت رويترز إلى أن إعادة توجيه شحنات النفط المنطلقة من ميناء ينبع عبر رأس الرجاء الصالح، بدلًا من المسار المعتاد، تضيف نحو 10 آلاف ميل بحري إلى الرحلة، بما يعادل نحو 34 يومًا من الإبحار، وتزيد تكلفة الشحن بأكثر من 5 ملايين دولار، فضلًا عن نحو مليون دولار رسوم عبور قناة السويس للسفينة الواحدة، من دون احتساب تكاليف الوقود أو علاوات التأمين ومخاطر الحرب.
ورغم تصاعد المخاطر، أظهرت بيانات تتبع السفن استمرار بعض الناقلات في عبور المنطقة، إذ تواصل ناقلتان صينيتان، تحمل كل منهما نحو مليوني برميل من الخام السعودي، الإبحار من ميناء ينبع باتجاه الصين، في مؤشر على استمرار بعض المشترين في تحمل مخاطر العبور.
أسعار النفط؟
قال استشاري الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، إن شركات النقل والتأمين كانت تراقب منذ بداية المواجهة الأمريكية الإيرانية تطورات مضيقي هرمز وباب المندب معًا، مؤكدًا أن انتقال التوتر إلى باب المندب زاد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية ورفع مستويات المخاطر أمام شركات الشحن والتأمين.
وأوضح أن المخاطر لا تزال حتى الآن ضمن حدود يمكن إدارتها، مشيرًا إلى أن نحو 27 سفينة، بينها ناقلات نفط وسفن تجارية، عبرت باب المندب في اليوم السابق رغم التهديدات، وهو ما يعكس استمرار الثقة النسبية بإمكانية مواصلة الملاحة.
وعزا ذلك إلى اتساع باب المندب مقارنة بمضيق هرمز، إضافة إلى محدودية قدرة جماعة “أنصار الله” على فرض سيطرة كاملة على الممر البحري، معتبرًا أن هذا يتيح للسفن هامشًا أكبر للمناورة والاستمرار في العبور.
وأشار إلى أن السيناريو الأسوأ يتمثل في تحول الإغلاق إلى إغلاق تجاري، إذا قررت شركات النقل إعادة توجيه سفنها وامتنعت شركات التأمين عن إصدار وثائق تغطي السفن العابرة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب كبير في سلاسل إمداد الطاقة وارتفاع حاد في أسعار النفط.
وأضاف أن أسعار النفط ارتفعت بالفعل بنحو 4% لتصل إلى قرابة 98 دولارًا للبرميل، محذرًا من أنها قد تتجاوز 110 دولارات، وربما تبلغ 120 دولارًا إذا توسعت الأزمة واستهدفت مرافق تحميل النفط في ميناء ينبع السعودي.
وأوضح أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على آسيا، بل ستمتد إلى أوروبا أيضًا، إذ تتجه نحو 1.5 مليون برميل يوميًا من النفط السعودي إلى الأسواق الأوروبية، مقابل نحو 3 ملايين برميل إلى آسيا، متوقعًا أن يؤدي انخفاض الإمدادات إلى تصاعد المنافسة بين الجانبين للحصول على الشحنات المتاحة، وهو ما بدأ يظهر بالفعل مع تقديم مصافٍ آسيوية في الصين والهند عروضًا سعرية أعلى لضمان الحصول على النفط قبل أي ارتفاعات جديدة في الأسعار.
