التمارين الرياضية تغيّر أعضاء الجسم حتى دون فقدان الوزن

الرياضة تغيّر نشاط آلاف الجينات في أعضاء الجسم.. تأثيرها يتجاوز العضلات

قد لا تعكس الأرقام التي يظهرها الميزان جميع التغيرات التي تحدث داخل الجسم نتيجة ممارسة الرياضة؛ إذ كشفت دراسة جديدة على الفئران أن ثمانية أسابيع من الجري ارتبطت بتغيرات جزيئية واسعة في أعضاء وأنسجة متعددة، رغم عدم تسجيل اختلاف يُذكر في وزن الحيوانات أو التوازن العام بين الدهون والأنسجة الخالية من الدهون.

وأعد الباحثون أطلسًا جزيئيًا شمل 22 نسيجًا، وأظهر أن استجابة الجسم للتمارين تختلف من عضو إلى آخر، كما تتباين بحسب نوع الخلايا والجنس وتوقيت القياس ومدة التدريب.

وتوفر النتائج صورة أكثر تفصيلًا عن كيفية استجابة الجسم للنشاط البدني، بما يتجاوز التغيرات الظاهرة في العضلات أو الوزن، لكنها لا تعني أن جميع التغيرات المرصودة مفيدة بالضرورة للصحة، ولا تثبت أن النتائج نفسها تحدث بالطريقة ذاتها لدى البشر.

ونُشرت الدراسة في دورية «سيل» (Cell) ، وقالت جيرالدين ماير، العالمة في معهد سالك بكاليفورنيا والمشاركة في قيادة الدراسة، إن التمارين لا تغيّر العضلات وحدها، بل تؤثر في العديد من الأعضاء والخلايا على مستويات مختلفة، بعضها قصير الأجل وبعضها الآخر يتطور مع استمرار التدريب.

التمارين الرياضية

فحص 22 نسيجًا للكشف عن تأثير الرياضة

وزع الباحثون الفئران الصغيرة، من الذكور والإناث، عشوائيًا على مجموعات أتيح لبعضها استخدام عجلات للجري، بينما لم تتوفر العجلات للمجموعات الأخرى.

وكانت الفئران التي امتلكت عجلات قادرة على الجري متى شاءت، وغالبًا ما مارست النشاط على فترات قصيرة خلال الليل، وهو وقت نشاطها الطبيعي.

وبعد ثمانية أسابيع، جمع الفريق عينات من 22 نسيجًا، شملت القلب والكبد والرئتين والدماغ وعضلات الساق، وأخذ العينات خلال فترات نشاط الحيوانات وأوقات راحتها.

وركز التحليل بدرجة كبيرة على نشاط الجينات، الذي يعكس مدى استخدام الخلايا للتعليمات الوراثية الموجودة فيها.
ويمكن لارتفاع نشاط جين أو انخفاضه أن يقدم مؤشرات على كيفية استجابة الخلية للتغيرات التي يفرضها النشاط البدني.

وأظهرت النتائج أن الجري غيّر نشاط نحو نصف الجينات التي رصدها الباحثون في نسيج واحد على الأقل.

لكن لم يتغير أي جين بالطريقة نفسها في جميع الأنسجة، ما يشير إلى أن لكل جزء من الجسم استجابة جزيئية خاصة به.

استجابة الجسم تختلف بين التدريب المبكر والمستمر

لم يكتف الباحثون بدراسة آثار التدريب الممتد، بل سعوا أيضًا إلى التمييز بين الاستجابة الأولية للنشاط البدني والتكيفات التي تتطور مع مرور الوقت.

ولذلك، فحصوا مجموعة أخرى من الفئران بعد ثلاثة أيام فقط من استخدام عجلات الجري.

وأظهرت هذه الحيوانات استجابة أقوى في نشاط الجينات داخل العضلات، وارتبطت كثير من التغيرات المبكرة بعمليات الالتهاب والإجهاد، في نمط يختلف عن التغيرات التي ظهرت بعد أسابيع من التدريب.

في المقابل، لم تظهر تغيرات واضحة في الرئتين والكبد بعد ثلاثة أيام، بينما رُصدت تغيرات في هذين العضوين بعد ثمانية أسابيع، ما يرجح ارتباط عدد منها باستمرار التدريب فترة أطول.

وتوضح هذه المقارنة أن الاستجابة للنشاط البدني خلال الأيام الأولى قد تختلف عن التكيفات التي تتشكل تدريجيًا مع ممارسة الرياضة بانتظام، وأن توقيت القياس عامل مهم عند دراسة آثارها البيولوجية.

التمارين الرياضية

العضلات تتكيف مع التحمل

تحتوي العضلات على أنواع مختلفة من الألياف، يؤدي كل منها وظائف تتناسب مع طبيعة الجهد المبذول، فبعض الألياف يوفر القوة السريعة لفترات قصيرة، بينما يعتمد بعضها الآخر بدرجة أكبر على الأكسجين لإنتاج الطاقة، ما يسمح باستمرار العمل مدة أطول قبل الشعور بالإجهاد.

وبعد ثمانية أسابيع من الجري، أظهرت ثلاث عضلات في الساق مؤشرات على التحول بعيدًا عن أكثر أنواع الألياف سرعة، باتجاه ألياف تناسب الجهد المستمر والتحمل.

وظهر هذا التحول لدى الذكور والإناث، لكنه كان أكبر لدى الإناث.

كما فحص الباحثون علامات كيميائية دقيقة ترتبط بالحمض النووي (DNA)، وتساعد على تنظيم نشاط الجينات.

ورافقت بعض التغيرات في هذه العلامات تغيرات في نشاط جينات مرتبطة بالتحول في أنواع الألياف العضلية.

وتقدم هذه النتائج تفسيرًا جزيئيًا أكثر تفصيلًا لكيفية تكيف العضلات مع الاستخدام المتكرر، وتوضح في الوقت نفسه لماذا لا يكفي قياس الوزن وحده لرصد جميع التغيرات التي تحدث استجابة للتدريب.

تأثيرات تمتد إلى أوقات الراحة

لم تقتصر التغيرات على فترات نشاط الحيوانات؛ إذ أظهرت معظم الأنسجة تغيرات أكبر في نشاط الجينات خلال ساعات نشاط الفئران، بينما سجلت الرئتان والكليتان ومنطقة في الدماغ تُعرف باسم تحت المهاد، أو الوطاء، تغيرات أكبر خلال أوقات الراحة المعتادة.

وفي تحت المهاد، شملت الجينات التي تغير نشاطها جينات تشارك في تنظيم النوم واليقظة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد في استكشاف العلاقة بين التمارين الرياضية والنوم، لكنها لا تثبت أن الفئران التي مارست الجري حصلت بالفعل على نوم أفضل.

وفي الرئتين، انخفض نشاط عدد من الجينات المرتبطة بوظائف الجهاز المناعي.
واقترح الباحثون أن هذا الانخفاض قد يساعد في تفسير بعض التأثيرات المضادة للالتهاب التي ترتبط عادة بممارسة الرياضة بانتظام.

لكن الفريق شدد على أن التغير في نشاط الجينات لا يكشف وحده عن النتيجة الوظيفية النهائية، كما أن بعض التغيرات قد لا تكون مفيدة بالضرورة.

ولا تزال هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتحديد ما تفعله هذه الجينات وكيف تنعكس التغيرات في نشاطها على صحة الأعضاء.

استجابة أوسع لدى الإناث

التمارين الرياضية

أظهر تحليل نشاط الجينات أن استجابة الإناث للتمارين كانت أوسع نطاقًا من استجابة الذكور في عدد من الأنسجة، وبرزت الفروق بصورة خاصة في الدهون البنية، وهي نوع من الدهون يستهلك الطاقة لإنتاج الحرارة.

فقد تغير نشاط مئات الجينات في الدهون البنية لدى الإناث، بينما لم يرصد الفريق تغيرات مماثلة في هذا النسيج لدى الذكور.

وتوضح هذه النتيجة أن الاستجابة التي تُرصد في مجموعة من الحيوانات لا يمكن تعميمها تلقائيًا على المجموعة الأخرى.

وركضت الإناث مسافة تزيد بنحو 16% على المسافة التي قطعها الذكور، إلا أن هذا الفرق لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية.

وقال الباحثون إن اختلاف المسافات قد يفسر بعض الفروق بين الجنسين، لكن الدراسة لم تحسم ذلك.

كذلك، لم يتتبع الباحثون الدورة التناسلية لدى الإناث، ما يترك احتمال تأثير التغيرات الهرمونية في بعض النتائج دون حسم.

هل يمكن تطبيق النتائج على البشر؟

بحث الفريق عن نمط من نشاط الجينات يمكن استخدامه للتعرف على العضلات التي تكيفت مع التدريب.

وحدد تحليل حاسوبي مجموعة من الجينات التي ساعد نشاطها على التمييز بين عضلات الفئران التي مارست الجري وعضلات الحيوانات غير النشطة.

بعد ذلك، اختبر الباحثون هذا النمط بمقارنته بنتائج دراسات سابقة شملت القوارض والبشر.

وأظهر النمط قدرة على التمييز بين العضلات المدربة وغير المدربة بعد تمارين التحمل وتمارين القوة وبرامج تجمع بين أنواع مختلفة من النشاط البدني.

وقد يوفر ذلك أداة بحثية لدراسة استجابة العضلات للتمارين، وكذلك لفهم ما يحدث عندما يقل استخدامها أو تتوقف عن العمل المعتاد.

ومع ذلك، فإن التوافق مع بيانات بشرية سابقة لا يعني أن جميع الأعضاء البشرية تستجيب بالطريقة نفسها التي استجابت بها أعضاء الفئران.

فقد جاءت النتائج التفصيلية المتعلقة بالتغيرات في أنحاء الجسم من التجارب على الحيوانات، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات بشرية لتحديد مدى انطباقها على الإنسان.

أسئلة لم تحسمها الدراسة

التمارين الرياضية

أُجريت التجارب على فئران صغيرة وسليمة، أتيح لها تناول الغذاء المخصص للمختبرات دون قيود.

وقد تختلف الاستجابة لدى الحيوانات الأكبر سنًا أو المصابة بأمراض أو التي تتبع أنظمة غذائية مختلفة.

كما عاشَت الفئران التي مارست الجري منفردة حتى يتاح لكل منها استخدام عجلة خاصة بها، بينما عاشت الفئران غير النشطة في مجموعات لتجنب الضغوط الناتجة عن العزل.

ولا يستبعد الباحثون أن تكون هذه الاختلافات في ظروف الإقامة قد أسهمت في بعض الفروق بين المجموعتين.

ومن الأسئلة المفتوحة أيضًا مدة استمرار التغيرات بعد التوقف عن ممارسة الرياضة.

فقد ظلت عجلات الجري متاحة للفئران حتى موعد جمع عينات الأنسجة، ولذلك لم تختبر التجربة ما إذا كانت التغيرات الجزيئية ستستمر خلال فترة انقطاع طويلة.

وتشير الدراسة إلى أن ثبات الوزن لا يعني غياب الاستجابة البيولوجية للتمارين، لكنها تترك للبحوث المقبلة مهمة تحديد أي من التغيرات التي رُصدت يسهم بالفعل في الفوائد الصحية للنشاط البدني، ومدى استمرار هذه التغيرات بعد التوقف عن التدريب.

↑
Exit mobile version