بكتيريا التسمم الغذائي تتحول إلى لقاح ضد سرطان القولون

لقاح جديد للسرطان يعتمد على بكتيريا معدلة يعزز فعالية العلاج المناعي

في خطوة علمية لافتة قد تغيّر مستقبل علاج بعض أنواع السرطان، نجح فريق من الباحثين في تحويل بكتيريا معروفة بتسببها في التسمم الغذائي إلى أداة علاجية تعمل كلقاح يحفّز الجهاز المناعي لمهاجمة سرطان القولون والمستقيم.

وتكشف الدراسة عن استراتيجية مبتكرة تستغل قدرة بعض الميكروبات على تنشيط المناعة، لكن بعد تعديلها وراثيًا لتصبح آمنة وقادرة على توجيه دفاعات الجسم نحو الخلايا السرطانية.

ويُعد سرطان القولون والمستقيم أحد أكثر أنواع السرطان انتشارًا وفتكًا في العالم، إذ يصيب مئات الآلاف سنويًا، وغالبًا ما يتم اكتشافه في مراحل متقدمة.

وعلى الرغم من التقدم الكبير في الجراحة والعلاج الكيميائي والعلاج المناعي، فإن نسبة مهمة من المرضى لا تستجيب للعلاجات الحالية، وهو ما يدفع العلماء إلى البحث عن طرق جديدة لتحفيز الجهاز المناعي للتعرف على الأورام ومهاجمتها بفاعلية أكبر.

بكتيريا التسمم الغذائي تتحول إلى لقاح ضد سرطان القولون

بكتيريا التسمم الغذائي تتحول إلى سلاح علاجي

ركزت الدراسة على بكتيريا Listeria monocytogenes، وهي بكتيريا معروفة بأنها تسبب التسمم الغذائي لدى البشر.

لكن هذه البكتيريا تمتلك في الوقت نفسه خاصية فريدة؛ إذ إنها تثير استجابة قوية وسريعة من الجهاز المناعي عند دخولها الجسم.

وقد أدرك العلماء أن هذه القدرة الطبيعية على تنشيط المناعة يمكن توظيفها في مكافحة السرطان.
فبدلًا من التسبب في المرض، يمكن تعديل البكتيريا وراثيًا لتعمل كناقل بيولوجي ينبه الجهاز المناعي ويعرّفه على الخلايا السرطانية.

لتحقيق ذلك، قام الباحثون بإزالة مجموعة من الجينات المسؤولة عن قدرة البكتيريا على الانتشار داخل الجسم وإحداث العدوى، وبذلك تحولت البكتيريا إلى نسخة ضعيفة وآمنة لا تسبب المرض، لكنها تحتفظ بقدرتها على تحفيز الجهاز المناعي بقوة.

كما أضاف العلماء إلى هذه البكتيريا إشارات جزيئية تساعد الخلايا المناعية على التعرف على خلايا سرطان القولون واستهدافها بدقة.

لقاح فموي يستهدف المناعة في الأمعاء

على خلاف كثير من لقاحات السرطان التي تُعطى عبر الحقن، اختار الباحثون نهجًا مختلفًا يعتمد على لقاح فموي، والهدف من ذلك هو تنشيط الجهاز المناعي مباشرة داخل الجهاز الهضمي، حيث ينشأ سرطان القولون في معظم الحالات.

فالأمعاء تحتوي على شبكة معقدة من الخلايا المناعية تُعرف باسم المناعة المخاطية، وهي مسؤولة عن مراقبة ما يدخل الجسم عبر الغذاء والميكروبات.

ومن خلال إيصال اللقاح إلى هذه المنطقة مباشرة، يمكن تدريب هذه الخلايا على التعرف المبكر على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

في التجارب التي أُجريت على الفئران، قام العلماء بإضافة البكتيريا المعدلة إلى الطعام، بحيث يتم تناولها بطريقة طبيعية.

وبعد دخولها الأمعاء، بدأت البكتيريا بتنشيط خلايا مناعية رئيسية مثل الخلايا التائية، وهي خلايا متخصصة في اكتشاف الخلايا غير الطبيعية والقضاء عليها.

بكتيريا التسمم الغذائي تتحول إلى لقاح ضد سرطان القولون

تكوين ذاكرة مناعية طويلة الأمد

أظهرت التجارب أن اللقاح لا يقتصر تأثيره على تنشيط المناعة مؤقتًا، بل يؤدي أيضًا إلى تكوين خلايا مناعية ذاكرية تستقر داخل أنسجة الأمعاء.

وهذه الخلايا تبقى في حالة استعداد دائم، بحيث يمكنها الاستجابة بسرعة إذا ظهرت خلايا سرطانية جديدة.

وجود هذه الخلايا داخل الجهاز الهضمي يمنح الجسم نوعًا من الحماية الموضعية طويلة الأمد، وهو ما قد يساعد على منع تطور الأورام أو اكتشافها في مراحل مبكرة جدًا.

كما لاحظ الباحثون أن البكتيريا المعدلة بقيت في الغالب داخل الأمعاء ولم تنتشر في باقي أعضاء الجسم، وهو ما يعزز من سلامة هذا النهج العلاجي ويقلل خطر الآثار الجانبية.

قدرة على منع الأورام قبل ظهورها

لم يكتف العلماء بدراسة تأثير اللقاح على الأورام الموجودة بالفعل، بل اختبروا أيضًا قدرته على الوقاية من السرطان.

في هذه التجارب، تم إعطاء اللقاح للفئران قبل إدخال خلايا سرطانية إلى أجسامها.

وكانت النتائج لافتة؛ إذ أظهرت معظم الحيوانات الملقحة إما عدم تشكل أورام أو ظهور أورام صغيرة جدًا مقارنة بالفئران التي لم تتلق اللقاح.

ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى أن الجهاز المناعي لدى الحيوانات الملقحة كان قادرًا على التعرف على الخلايا السرطانية مبكرًا جدًا والقضاء عليها قبل أن تتمكن من تشكيل ورم كامل.

بكتيريا التسمم الغذائي تتحول إلى لقاح ضد سرطان القولون

تعزيز فعالية العلاج المناعي

كما اختبر الباحثون قدرة اللقاح على العمل جنبًا إلى جنب مع العلاجات المناعية الحديثة، خاصة الأدوية المعروفة باسم مثبطات نقاط التفتيش المناعية (immune checkpoint inhibitors).

هذه الأدوية تعمل على إزالة القيود التي تستخدمها الأورام لتجنب هجوم الجهاز المناعي. لكن العديد من أورام القولون تبقى غير حساسة لهذه الأدوية.

وأظهرت النتائج أن الجمع بين اللقاح البكتيري وهذه الأدوية أدى إلى تحسن كبير في السيطرة على الأورام مقارنة باستخدام أي منهما بمفرده.

ويرى العلماء أن اللقاح يعمل كعامل “تشغيل” للجهاز المناعي داخل الورم، ما يجعل العلاجات المناعية التقليدية أكثر فعالية.

آفاق جديدة في تطوير لقاحات السرطان

تشير نتائج الدراسة إلى أن استخدام البكتيريا المعدلة قد يمثل اتجاهًا جديدًا في تطوير لقاحات السرطان، خاصة تلك التي تستهدف الأورام المرتبطة بالجهاز الهضمي.

فإيصال اللقاح عبر الفم وتنشيط المناعة مباشرة في الأمعاء قد يفتح الباب أمام استراتيجيات وقائية وعلاجية جديدة لعدد من السرطانات.

كما أن استخدام الميكروبات كناقلات مناعية قد يسمح للعلماء بتصميم لقاحات مخصصة تستهدف أنواعًا مختلفة من الأورام.

بكتيريا التسمم الغذائي تتحول إلى لقاح ضد سرطان القولون

الطريق لا يزال طويلًا

ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن هذه التجارب ما تزال في مراحلها المبكرة، إذ أجريت حتى الآن على الحيوانات فقط.
وسيحتاج العلماء إلى مزيد من الدراسات للتأكد من سلامة وفعالية اللقاح قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر.

لكن الدراسة تقدم دليلًا قويًا على أن كائنات دقيقة كانت تُعرف سابقًا بأنها مسببة للأمراض قد تتحول، بفضل الهندسة الوراثية، إلى أدوات طبية قوية تساعد الجهاز المناعي في معركته ضد السرطان.

وفي حال نجاح هذه الاستراتيجية في التجارب البشرية مستقبلًا، فقد تمهد الطريق لجيل جديد من اللقاحات العلاجية القادرة ليس فقط على علاج السرطان، بل ربما أيضًا منع ظهوره من الأساس.

Exit mobile version