كشفت دراسة علمية أن الأطفال الذين تناولت أمهاتهم مكملات إضافية من عنصر الكولين خلال الحمل سجلوا درجات أعلى في اختبارات الذكاء عند بلوغهم الرابعة من العمر، كما أظهروا مؤشرات أقل للانسحاب الاجتماعي مقارنة بأطفال أمهاتهم اللاتي تلقين دواءً وهميًا.
وتشير النتائج إلى أن التغذية خلال الحمل قد ترتبط بتطور القدرات المعرفية والسلوكية للأطفال بعد سنوات من الولادة، لكنها لا تزال بحاجة إلى التأكيد من خلال دراسات أكبر وأكثر تنوعًا، ولا تثبت أن مكملات الكولين تضمن ارتفاع ذكاء الطفل أو تمنع اضطرابات النمو.
وركزت الدراسة على الكولين، وهو عنصر غذائي يوجد بصورة طبيعية في البيض واللحوم والأسماك، ويؤدي أدوارًا مهمة في بناء أغشية الخلايا ودعم التواصل بين الخلايا العصبية.
وتابع الباحثون مجموعة من النساء الحوامل وأطفالهن، لمقارنة التطور المعرفي والسلوكي للأطفال وفقًا لما إذا كانت أمهاتهم قد تناولن مكملات إضافية من الكولين خلال الحمل أم لا.
لماذا يحتاج دماغ الجنين إلى الكولين؟
يحتاج الدماغ النامي إلى خلايا عصبية قادرة على التواصل فيما بينها، بما يسمح بتطور الوظائف المعرفية، مثل الذاكرة والانتباه والتعلم وحل المشكلات.
ويسهم الكولين في تكوين أغشية الخلايا، كما يدخل في إنتاج مادة الأستيل كولين، وهي ناقل عصبي يساعد الخلايا العصبية على إرسال الإشارات واستقبالها.
ويحصل الجنين على الكولين من أمه، الأمر الذي دفع الباحثين إلى دراسة ما إذا كانت زيادة الكمية التي تتناولها المرأة الحامل يمكن أن تدعم نمو دماغ الطفل وتؤثر في قدراته بعد الولادة.
وكانت دراسات سابقة قد قدمت نتائج متفاوتة بشأن هذه الفرضية؛ إذ وجدت تجربة أصغر أُجريت في ولاية كولورادو الأمريكية انخفاضًا في بعض مشكلات الانتباه والانسحاب الاجتماعي لدى الأطفال الذين تناولت أمهاتهم الكولين خلال الحمل، بينما لم تجد تجربة أخرى تحسنًا واضحًا في المهارات المعرفية.
تجربة علمية تابعت الأمهات والأطفال لمدة أربع سنوات
شملت التجربة الجديدة 206 نساء حوامل التحقن بالدراسة من خلال عيادات متابعة الحمل والمستشفيات المرتبطة بجامعة كولورادو.
وعند الأسبوع السادس عشر من الحمل، وزع الباحثون المشاركات عشوائيًا على مجموعتين؛ تناولت الأولى مكملات الكولين حتى الولادة، بينما تناولت الثانية كبسولات دواء وهمي مماثلة لا تحتوي على الكولين الإضافي.
واستخدمت المجموعة الأولى مكملات تحتوي على الفوسفاتيديل كولين، وهو أحد الأشكال التي يوجد بها الكولين في الأغذية الطبيعية، وكانت الجرعة اليومية موزعة على 10 كبسولات كبيرة.
وكانت جميع المشاركات تقريبًا يتناولن بالفعل فيتامينات مخصصة للحمل تحتوي على حمض الفوليك، كما تلقت النساء إرشادات بشأن تناول الأغذية الغنية بالكولين.
وبذلك، سعى الباحثون إلى تحديد ما إذا كانت زيادة الكولين من خلال المكملات الغذائية يمكن أن تحقق فوائد إضافية إلى جانب الرعاية الغذائية المعتادة خلال الحمل.
وللحد من تأثير التوقعات على النتائج، لم تكن المشاركات أو الباحثون يعرفون المجموعة التي تلقت المكملات الفعلية حتى بلغ الأطفال الرابعة من العمر.
تراجع مؤشرات الانسحاب الاجتماعي لدى الأطفال
يظهر التطور الاجتماعي للطفل في تفاعلاته اليومية، مثل اهتمامه بالآخرين واستجابته لهم وتواصله البصري معهم.
وفي هذه التجربة، ركز الباحثون على مؤشرات الانسحاب الاجتماعي، بما في ذلك محدودية التواصل البصري وضعف الاهتمام بالتفاعل مع الآخرين.
واستكمل أولياء أمور 142 طفلًا قوائم تقييم سلوكي معيارية خلال الفترة الممتدة من عمر 18 شهرًا إلى أربع سنوات، بواقع 71 طفلًا في كل مجموعة.
وأظهرت النتائج أن 17 طفلًا في مجموعة الدواء الوهمي سجلوا درجات تجاوزت الحد الذي حدده الباحثون للإشارة إلى ارتفاع مؤشرات مشكلات الانسحاب الاجتماعي، مقارنة بثلاثة أطفال فقط في مجموعة الكولين.
وبالنسب المئوية، بلغت هذه النسبة نحو 24% في مجموعة الدواء الوهمي، مقابل 4% في مجموعة الكولين.
واعتمد الباحثون في هذا التقييم على درجات محددة في قوائم سلوكية أجاب عنها أولياء الأمور، وليس على الانطباعات العامة بشأن مدى اجتماعية الأطفال.
ومع ذلك، يظل لهذا الأسلوب حدود؛ إذ استندت النتائج إلى تقارير الوالدين، ولم يخضع الأطفال لتقييم مستقل من متخصصين سريريين للسلوك الاجتماعي ضمن هذا القياس.
فارق يصل إلى 8 نقاط في اختبار الذكاء
عندما بلغ الأطفال الرابعة من العمر، خضع 103 منهم لاختبار ذكاء مصمم للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة.
وسجل الأطفال في مجموعة الكولين متوسطًا بلغ 106 نقاط، مقارنة بمتوسط قدره 98 نقطة لدى الأطفال في مجموعة الدواء الوهمي، بفارق بلغ ثماني نقاط.
وشملت الفروق جوانب من الذاكرة العاملة، وهي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات في الذهن لفترة قصيرة واستخدامها لإنجاز مهمة معينة، مثل تذكر التعليمات أثناء تنفيذها.
كما ظهرت اختلافات في المهارات البصرية المكانية، التي تساعد الأطفال على إدراك الأشكال والعلاقات بينها وتحديد المواقع المناسبة للأشياء، مثل اختيار المكان الصحيح لقطعة من أحجية الصور.
وقال روبرت فريدمان، الباحث الرئيسي المشارك في الدراسة وأستاذ الطب النفسي بجامعة كولورادو أنشوتز، إن من أبرز النتائج التي رصدتها التجربة ارتفاع متوسط معدل الذكاء بنحو ثماني نقاط عند قياسه في سن الرابعة، وهو فارق لم يلاحظه الفريق بهذه الصورة في دراساته السابقة.
وأضاف أن هذا الفارق وضع عددًا أكبر من الأطفال في المجموعة التي تناولت أمهاتها الكولين ضمن الشرائح الأعلى في اختبار الذكاء المستخدم.
لكن هذه النتيجة تستند إلى 103 أطفال فقط، من أصل 206 نساء بدأن المشاركة في التجربة، وهو ما يجعل التحقق منها في دراسات أكبر أمرًا ضروريًا قبل استخلاص استنتاجات عامة.
هل يمنع الكولين اضطرابات النمو؟
لم تحقق مكملات الكولين تحسنًا واضحًا في جميع المؤشرات التي درسها الباحثون. فعلى الرغم من أن مشكلات الانتباه كانت من النتائج الأساسية التي استهدفت التجربة تقييمها، لم يجد الفريق انخفاضًا واضحًا فيها.
وفي تحليل إضافي، رصد الباحثون 11 طفلًا سجلوا درجات على قوائم تقييم السلوك ضمن نطاق يستدعي إجراء تقييم متخصص لاحتمال وجود اضطراب طيف التوحد، كما ظهرت لديهم صعوبات لغوية تُلاحظ كثيرًا لدى الأطفال المصابين بهذا الاضطراب.
وكان عشرة من هؤلاء الأطفال ضمن مجموعة الدواء الوهمي، مقابل طفل واحد في مجموعة الكولين.
لكن هذا التحليل لم يكن مخططًا له مسبقًا ضمن تصميم الدراسة، كما أن قوائم التقييم السلوكي لا تكفي لتشخيص اضطراب طيف التوحد.
ولذلك، تعامل الباحثون مع هذه النتيجة باعتبارها أولية، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على أن تناول الكولين خلال الحمل يمنع الإصابة بالتوحد.
الانسحاب من الدراسة يثير تساؤلات حول النتائج
مثلت متابعة الأسر على مدى أربع سنوات تحديًا للباحثين، إذ انسحبت نحو ثلث النساء اللاتي بدأن المشاركة قبل إجراء تقييمات السنة الرابعة.
وكان عدد الأطفال الذين أكملوا اختبارات الذكاء أقل من ذلك، كما لم يحدث الانسحاب بصورة عشوائية تمامًا.
فقد ارتبط استمرار المشاركة بالمستوى التعليمي للأمهات؛ إذ أكملت 81% من النساء الحاصلات على درجات دراسات عليا المتابعة حتى السنة الرابعة، مقارنة بـ43% فقط من النساء اللاتي لم يكملن التعليم الثانوي.
ويكتسب هذا الاختلاف أهمية خاصة لأن المستوى التعليمي للأم يرتبط أيضًا بالنتائج المعرفية للأطفال، وهو ما قد يؤثر في تفسير الفروق المسجلة بين المجموعتين.
كما كانت غالبية الأسر التي أكملت الدراسة من ذوات البشرة البيضاء وذات المستوى التعليمي المرتفع، ما يعني أن نتائج التجربة قد لا تنطبق بالضرورة على جميع الفئات السكانية.
وتزيد محدودية عدد الأطفال الذين خضعوا لاختبارات الذكاء من الحاجة إلى إجراء دراسات أوسع لتحديد مدى ثبات الفارق المسجل، وما إذا كانت مجموعات أخرى من الأطفال ستحقق فوائد مماثلة.
جائحة كورونا أضافت عاملًا آخر لعدم اليقين
خلال جائحة كوفيد-19، تناولت 20 امرأة جرعات إضافية من الكولين بعد إصابتهن بالفيروس أو مخالطتهن لشخص مصاب، بواقع عشر نساء من كل مجموعة أصلية.
وأعاد الباحثون إجراء حساباتهم بعد استبعاد هذه الأسر، فظل الفارق في مؤشرات الانسحاب الاجتماعي قائمًا، كما بقي الفارق في متوسط درجات الذكاء قريبًا من حجمه الأصلي.
لكن نتيجة الذكاء لم تعد تحقق الحد المعتاد للدلالة الإحصائية في هذا التحليل الأصغر.
ويعني ذلك أن استبعاد هذه الحالات زاد من عدم اليقين بشأن مدى إمكانية إرجاع الفارق في درجات الذكاء إلى الكولين وحده، رغم استمرار التباين بين المتوسطات.
هل مكملات الكولين آمنة خلال الحمل؟
لم تسجل التجربة زيادة في الغثيان أو القيء أو الدوار أو ارتفاع ضغط الدم لدى النساء اللاتي تناولن مكملات الكولين.
كما خلص مجلس مختص بمراقبة سلامة الدراسة إلى أن ثلاث حالات خطيرة وقعت خلال التجربة لم تكن مرتبطة بالمكملات.
وفي تجربة سابقة للفريق البحثي، استخدمت النساء سبع كبسولات يوميًا، وسجل أطفالهن نتائج متقاربة في مؤشرات الانسحاب الاجتماعي، ما لا يقدم دليلًا واضحًا على أن زيادة عدد الكبسولات تحقق فوائد إضافية.
ولا تزال هناك حاجة إلى دراسات تحدد الجرعة الأكثر فاعلية، وتوضح العلاقة بين كمية الكولين التي تحصل عليها المرأة الحامل والنتائج المعرفية والسلوكية للأطفال.
ورغم أن الأمهات توقفن عن تناول كبسولات التجربة عند الولادة، فإن الفروق في بعض مؤشرات نمو الأطفال ظلت ظاهرة عند بلوغهم الرابعة من العمر. ويحتاج الباحثون إلى متابعة هؤلاء الأطفال خلال سنوات الدراسة وما بعدها لمعرفة ما إذا كانت هذه الفروق ستستمر وتنعكس على التعلم والتواصل والمشاركة في الحياة اليومية.
ونُشرت الدراسة في المجلة العلمية «American Journal of Obstetrics and Gynecology».
ماذا تعني النتائج للأمهات؟
تشير الدراسة إلى أهمية الكولين في الأبحاث المتعلقة بتغذية الحامل ونمو دماغ الجنين، لكنها لا تكفي وحدها لتوصية جميع الحوامل بتناول مكملات إضافية بهدف رفع ذكاء أطفالهن.
ويظل الحصول على العناصر الغذائية من نظام غذائي متوازن، ومراجعة الطبيب بشأن الاحتياجات الغذائية والمكملات المناسبة خلال الحمل، النهج الأكثر ملاءمة، خصوصًا أن الجرعة المستخدمة في التجربة كانت مرتفعة وموزعة على عدد كبير من الكبسولات يوميًا.
