قد لا يقتصر تأثير اختيار الملابس على المظهر والراحة، إذ تشير دراسة أولية إلى أن نوع القماش الذي يرتديه الإنسان قد يؤثر أيضًا في كمية جسيمات البلاستيك الدقيقة الموجودة في الهواء المحيط به، بعدما رصد الباحثون مستويات أعلى بنحو 42% من هذه الجسيمات بالقرب من أشخاص ارتدوا قمصانًا تحتوي على البوليستر، مقارنة بمن ارتدوا قمصانًا مصنوعة بالكامل من القطن.
وأُجريت التجربة على 10 متطوعين، ووجدت أن متوسط عدد الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الهواء المحيط بأجسام المشاركين كان أعلى خلال ارتداء قمصان البوليستر، بينما اقتربت القراءات المسجلة أثناء ارتداء القطن من المستويات التي رُصدت داخل غرف نوم المشاركين خلال الليل.
وشارك في الدراسة تشونرونج جيا، أستاذ الصحة البيئية بجامعة ممفيس الأمريكية، الذي قال إن النتائج تشير إلى أن الملابس المصنوعة من الألياف الصناعية قد تكون مصدرًا للجسيمات البلاستيكية الدقيقة داخل نطاق التنفس القريب من الإنسان، أي الهواء المحيط بالأنف والفم.
لكن الدراسة نُشرت في صورة تقرير قصير، ولم تكن ورقة بحثية منشورة في دورية علمية محكمة، كما أن تمويلها جاء من جهة مرتبطة بصناعة القطن، وهو ما يستدعي التعامل مع نتائجها باعتبارها مؤشرات أولية تحتاج إلى مزيد من البحث والتحقق.
تتبع الجسيمات البلاستيكية من الملابس إلى الهواء
توصلت أبحاث سابقة إلى أن الألياف البلاستيكية المنبعثة من الملابس الصناعية يمكن أن تصل إلى مياه الغسالات، وعوادم مجففات الملابس، ثم إلى المحيطات والبيئة المائية.
لكن فريق الدراسة الجديدة سعى إلى الإجابة عن سؤال مختلف: هل يمكن للملابس التي يرتديها الإنسان أن تساهم في وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة في الهواء المحيط به مباشرة؟
وأجرى الباحث الرئيسي شيخ شريف حسن الدراسة بالتعاون مع جيا وعدد من الباحثين المتخصصين في الصحة العامة والهندسة، وجمع الفريق ثلاث عينات هواء مدة كل منها 12 ساعة من كل متطوع.
وخلال الاختبارات النهارية، ارتدى المشاركون جهازًا صغيرًا لجمع عينات الهواء، ثُبّت على الصدر أو الذراع، واستمروا في ممارسة أنشطتهم اليومية لمدة 12 ساعة.
وارتدى جميع المتطوعين قميصًا مصنوعًا بنسبة 100% من القطن خلال الاختبار الأول، ثم ارتدوا قميصًا يحتوي على البوليستر خلال الاختبار الثاني.
ولإجراء مقارنة مع الهواء الداخلي في المنازل، وضع الباحثون جهازًا آخر لجمع العينات على حامل ثلاثي في منتصف غرفة نوم كل متطوع، لمدة 12 ساعة خلال نومه.
وأتاح هذا التصميم مقارنة مستويات الجسيمات في الهواء المحيط بالأشخاص أثناء ارتداء نوعي القماش، بمستوياتها في غرف النوم خلال الليل.
كيف قاس الباحثون الجسيمات البلاستيكية؟
خلال كل اختبار، سحب جهاز جمع العينات نحو 25 قدمًا مكعبة من الهواء، بما يعادل 0.72 متر مكعب، ومررها عبر مرشح يبلغ قطره 1.5 بوصة، أو نحو 37 ملليمترًا، لالتقاط الجسيمات العالقة.
وبعد ذلك، فحص الباحثون المرشحات داخل المختبر باستخدام مجهر يعتمد على الأشعة تحت الحمراء للتعرف على المواد المكونة للجسيمات، إلى جانب قياس أحجامها وأشكالها.
واقتصر العد على الجسيمات الموجودة في 30% من مساحة كل مرشح، ثم استخدم الفريق النتائج لتقدير العدد الإجمالي للجسيمات التي احتجزها المرشح بالكامل.
البوليستر يرتبط بزيادة الجسيمات في الهواء
أظهرت النتائج أن أجهزة جمع العينات سجلت خلال أيام ارتداء البوليستر متوسطًا بلغ نحو 55 جسيمًا من البلاستيك الدقيق لكل قدم مكعبة من الهواء، بما يعادل 1957 جسيمًا لكل متر مكعب.
في المقابل، بلغ المتوسط خلال ارتداء قمصان القطن نحو 39 جسيمًا لكل قدم مكعبة، أو ما يعادل 1381 جسيمًا لكل متر مكعب، وهو ما يمثل فرقًا يقارب 42% لصالح ارتفاع القراءات المسجلة مع البوليستر.
وكانت العينات التي جُمعت أثناء ارتداء البوليستر وحدها هي التي سجلت أعدادًا أعلى من العينات المأخوذة داخل غرف النوم.
كما أظهرت قراءات البوليستر أكبر تفاوت بين المشاركين؛ إذ تراوح النصف الأوسط من القياسات بين نحو 28 و78 جسيمًا لكل قدم مكعبة من الهواء، بما يعادل 990 إلى 2772 جسيمًا لكل متر مكعب.
ويكتسب هذا التفاوت أهمية خاصة بالنظر إلى أن الدراسة اقتصرت على 10 متطوعين فقط، كما أن التقرير لم يقدم معلومات كافية لتحديد ما إذا كان الفرق بين مجموعتي القياسات يتمتع بدلالة إحصائية.
الجسيمات الأصغر سجلت الزيادة الأكبر
لم تقتصر الفروق بين القطن والبوليستر على العدد الإجمالي للجسيمات، بل ظهرت أيضًا في أحجامها؛ إذ تركزت غالبية الزيادة المسجلة خلال ارتداء البوليستر في أصغر فئة من الجسيمات التي قاسها الباحثون.
وكان قطر هذه الجسيمات أقل من 150 ميكرومترًا، وسجلت العينات المرتبطة بارتداء البوليستر نحو ضعف عددها مقارنة بالعينات المرتبطة بالقطن.
وبلغ متوسط الجسيمات في هذه الفئة نحو 24 جسيمًا لكل قدم مكعبة خلال ارتداء البوليستر، مقابل 12 جسيمًا خلال ارتداء القطن، بما يعادل نحو 841 و418 جسيمًا لكل متر مكعب على التوالي.
أما في عينات القطن والهواء داخل غرف النوم، فكانت الجسيمات الواقعة ضمن فئة الحجم الأكبر التالية هي الأكثر شيوعًا.
ومع ذلك، ظلت الجسيمات الصغيرة هي الغالبة في العينات الثلاث؛ إذ تراوحت نسبة الجسيمات التي يقل حجمها عن نحو 0.012 بوصة، أو 300 ميكرومتر، بين 67% و77% من إجمالي الجسيمات المرصودة.
الشظايا البلاستيكية أكثر من الألياف
صنف الباحثون الجسيمات التي جمعوها إلى مجموعتين وفق شكلها؛ الأولى ألياف رفيعة تشبه الخيوط، والثانية شظايا غير منتظمة الشكل.
وأظهرت النتائج أن الشظايا كانت أكثر عددًا من الألياف في جميع مجموعات العينات، كما أنها ساهمت بالنصيب الأكبر من الزيادة المسجلة خلال ارتداء البوليستر.
لكن التقرير لم يقدم تفسيرًا واضحًا لكون الشظايا هي المكون الأساسي للزيادة، رغم أن القمصان نفسها مصنوعة من خيوط وألياف نسيجية.
البلاستيك ظهر أيضًا في عينات القطن وغرف النوم
كشف تحليل الأشعة تحت الحمراء أن نحو 99% من الجسيمات التي جرى التعرف عليها كانت مصنوعة من بولي إيثيلين تيرفثالات (PET)، وهو نوع من البلاستيك يُستخدم على نطاق واسع في تصنيع أقمشة البوليستر.
وشكلت كميات صغيرة من المطاط والنايلون ومواد أخرى النسبة المتبقية.
لكن اللافت، أن مادة PET كانت مهيمنة بالقدر نفسه تقريبًا في عينات الهواء التي جُمعت خلال ارتداء القطن، وكذلك في عينات غرف النوم، إذ مثلت نحو 99% من الجسيمات في هذه العينات أيضًا.
ولم يحاول الباحثون تحديد المصدر الأصلي للبلاستيك الذي ظهر في تلك العينات، ولذلك لا يمكن الجزم بأن جميع الجسيمات المكتشفة جاءت من الملابس التي ارتداها المشاركون.
وقال جيا، إن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة موجودة بالفعل في البيئات الداخلية عمومًا، لكن اختيار نوع القماش قد يؤثر في عدد الجسيمات التي يتعرض لها الإنسان في محيطه.
حدود الدراسة وما لا تثبته النتائج
رغم أن الدراسة رصدت اختلافًا في أعداد الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بالقرب من الأشخاص بحسب نوع القماش، فإنها لم تقس كمية الجسيمات التي استنشقها المتطوعون بالفعل، أو مقدار ما وصل منها إلى الرئتين، كما لم تبحث في التأثيرات الصحية المحتملة لهذه الجسيمات داخل الجسم.
كذلك ارتدى جميع المشاركين القطن أولًا ثم البوليستر ثانيًا، ولم يوضح التقرير بالتفصيل الأنشطة التي مارسها المتطوعون خلال كل اختبار، أو النسبة الدقيقة للبوليستر في القمصان المستخدمة.
وأشارت الجامعة والمجلس الوطني للقطن إلى أن الاختلافات بين العينات، وعدم اليقين المرتبط بعمليات القياس، إلى جانب وجود مصادر أخرى للبلاستيك الدقيق في الهواء، ربما أثرت في النتائج.
كما أن اقتصار التجربة على 10 أشخاص لا يسمح بتعميم النمط المرصود على نطاق أوسع من السكان، أو التأكد من تكراره لدى مجموعات مختلفة.
الباحثون يدعون إلى مزيد من الدراسات
يقود فرهاد جزائي، الأستاذ المشارك في الهندسة المدنية والبيئية، مختبر أبحاث البلاستيك الدقيق بجامعة ممفيس، وأكد أن النتائج الأولية تبرز الحاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث قبل الوصول إلى استنتاجات نهائية.
وشدد على أهمية مواصلة تطوير طرق القياس وتقليل مصادر عدم اليقين في الدراسات المتعلقة بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة المحمولة في الهواء.
وبصورة عامة، تشير النتائج إلى أن نوع القماش قد يؤثر في كمية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في الهواء المحيط بالإنسان، لكنها لا تثبت حتى الآن أن ارتداء البوليستر يؤدي بالضرورة إلى زيادة كمية البلاستيك التي يستنشقها الشخص، أو أنه يرفع المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض لهذه الجسيمات.
ومولت المشروع مؤسسة القطن، التابعة للمجلس الوطني للقطن في الولايات المتحدة، وهو كيان يمثل صناعة القطن الأمريكية ويدير حملة «Plant Not Plastic»، التي تشجع المستهلكين على اختيار الألياف الطبيعية.
