البلاستيك الدقيق قد يكون المحرك الخفي لانتشار الطحالب السامة

التلوث البلاستيكي لا يقتل الكائنات فقط.. بل يطلق العنان للطحالب السامة

أظهرت دراسة حديثة ، أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المصنوعة من مشتقات النفط قد تكون عاملًا رئيسيًا في تحفيز ظاهرة ازدهار الطحالب السامة في المسطحات المائية.

وتحدث هذه الظاهرة عندما تتكاثر الطحالب بسرعة كبيرة، فتتحول المياه إلى اللون الأخضر وقد تصبح سامة. ويبدو أن البلاستيك الدقيق يساهم في ذلك عبر القضاء على الكائنات الصغيرة التي تتغذى على الطحالب وتحافظ على توازنها الطبيعي.

ومع اختفاء هذه الكائنات، يمكن أن تتزايد الطحالب بشكل مفرط، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين في الماء وحدوث أضرار بيئية واسعة.

تجربة علمية في أحواض مائية

أجرى فريق بحثي تجربة باستخدام مجموعة من الأحواض المائية الخارجية التي تحاكي البيئات الطبيعية.

وقاد الدراسة البروفيسور Jonathan Shurin من University of California San Diego، حيث لاحظ الباحثون أن المياه تحولت تدريجيًا إلى كثيفة بالطحالب بعد إدخال بلاستيك دقيق مشتق من الوقود الأحفوري إلى النظام.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة Nature العلمية.

البلاستيك الدقيق قد يطلق موجات من الطحالب السامة

وخلال متابعة استمرت ثلاثة أشهر، سجل الباحثون اختفاءً متكررًا للكائنات الصغيرة التي تتغذى على الطحالب، ما أدى إلى تحول الأحواض إلى بيئات تهيمن عليها الطحالب بكثافة.

في المقابل، عندما استخدم العلماء أنواعًا من البلاستيك القابل للتحلل الحيوي في أحواض مماثلة، كان الاضطراب البيئي أقل حدوثًا، ونادرًا ما أدى إلى ازدهار مستمر للطحالب.

الطحالب تستهلك الأكسجين

الكائنات الراعية للطحالب تتضرر أولًا

أظهرت النتائج أن مجتمعات القشريات الدقيقة المعروفة باسم الكوبيبودات كانت الأكثر تضررًا في الأحواض التي احتوت على البلاستيك النفطي.

وتعد هذه الكائنات الصغيرة من أهم الكائنات التي تتغذى على الطحالب وتمنع تكاثرها المفرط.

لكن عند تعرضها لجسيمات البلاستيك الدقيق – وهي قطع بلاستيكية يقل قطرها عادة عن 5 مليمترات – انخفضت معدلات بقائها وتكاثرها بشكل ملحوظ.

ومع تراجع أعداد هذه الكائنات، فقدت الطحالب أحد أهم العوامل التي تكبح انتشارها، ما أدى إلى ازدهار كثيف ومستمر للطحالب.

الطحالب تستهلك الأكسجين

لا تتحول الطحالب إلى مشكلة بيئية فقط بسبب سمومها، بل أيضًا بسبب تأثيرها في الأكسجين الذائب في المياه.

فعندما تموت الطحالب، تقوم البكتيريا بتحليلها، وهي عملية تستهلك كميات كبيرة من الأكسجين، ما قد يؤدي إلى اختناق الأسماك والكائنات المائية الأخرى.

وتشير تقديرات National Oceanic and Atmospheric Administration إلى أن ازدهار الطحالب الضارة يكلف الولايات المتحدة ما لا يقل عن 82 مليون دولار سنويًا بسبب الخسائر البيئية والاقتصادية.

البلاستيك الحيوي أقل ضررًا

أظهرت الدراسة أن البلاستيك الحيوي المصنوع من مصادر متجددة مثل الزيوت النباتية ترك تأثيرًا أقل على المجتمعات الحيوية في الأحواض.

ويعود ذلك جزئيًا إلى أن هذه المواد تتحلل بسرعة أكبر، ما يقلل من بقاء الجسيمات الضارة في البيئة لفترات طويلة.

كما طوّر باحثون في جامعة كاليفورنيا سان دييجو مواد بلاستيكية مشتقة من زيوت الطحالب، بحيث تستطيع الكائنات الدقيقة تحليلها طبيعيًا في البيئة.

لكن الدراسة تشير إلى أن التحول إلى مواد قابلة للتحلل وحده لا يكفي، بل يجب أيضًا تقليل النفايات البلاستيكية من المصدر.

تغيرات في الشبكة الغذائية

لم يقتصر تأثير البلاستيك على الكائنات الراعية للطحالب فقط، بل امتد إلى الميكروبات التي تعيش على سطح البلاستيك.

وتتكون على هذه الأسطح طبقة ميكروبية لزجة تعرف باسم Plastisphere، وهي مجتمع من الكائنات الدقيقة التي تنمو على البلاستيك في المياه.

في الأحواض التي احتوت على البلاستيك النفطي، ازدادت أعداد الطحالب الذهبية وبعض الطحالب الخضراء، بينما تراجعت الكائنات المجهرية المفترسة مثل الهدبيات التي تتغذى على الميكروبات الأخرى.

هذا التغير في الشبكة الغذائية قد يؤثر في دورة المغذيات وطلب الأكسجين في المياه، ما يفسر استمرار مشكلة الطحالب حتى بعد اختفاء بعض العوامل الأولية.

متى تصبح المشكلة خطيرة؟

أظهرت التجربة أن أعلى مستويات التلوث بالبلاستيك فقط هي التي أدت إلى ازدهار مستمر للطحالب.

فعند مستويات منخفضة من البلاستيك النفطي لم يحدث النمو الكثيف ذاته الذي سُجل عند أعلى تركيزات.

لكن العوامل الطبيعية مثل الطقس وأشعة الشمس والتقلبات البيئية ما تزال تلعب دورًا في توقيت حدوث هذه الظاهرة.

البلاستيك يصل إلى جسم الإنسان

لا تبقى الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المياه فقط، بل بدأت الدراسات تكشف وجودها داخل جسم الإنسان.

فقد عثر الباحثون على هذه الجسيمات في دم الإنسان، كما تم رصدها في الرئتين بعد عمليات جراحية.

كما أشارت دراسات حديثة إلى اكتشاف آثار للبلاستيك الدقيق في أنسجة الدماغ لدى بعض الأشخاص، رغم أن التأثيرات الصحية طويلة المدى ما تزال قيد البحث.

الحاجة إلى سياسات أقوى

بعد التخلص من البلاستيك، قد تستمر تأثيراته البيئية لسنوات طويلة في الأنهار والمستنقعات والمياه الساحلية.

ولهذا يقترح الباحثون سياسات مثل مسؤولية المنتج الممتدة، التي تلزم الشركات بتحمل تكلفة إدارة النفايات الناتجة عن منتجاتها.

كما يمكن للمشتريات الحكومية الخضراء أن تشجع استخدام مواد أقل ضررًا بالبيئة.

دور محطات معالجة المياه

تقع محطات معالجة مياه الصرف الصحي في خط الدفاع الأخير بين المدن والأنهار.

وتشير مراجعات علمية إلى أن هذه المحطات تزيل نسبة كبيرة من الجسيمات البلاستيكية، لكن بعضها لا يزال يتسرب إلى البيئة المائية.

وغالبًا ما تُحتجز الجسيمات الملتقطة في الحمأة الناتجة عن المعالجة، ما يعني أن المشكلة لا تنتهي داخل محطات المعالجة.

الوقاية أفضل من العلاج

تشير نتائج التجربة إلى أن البلاستيك يمكن أن يسبب ازدهار الطحالب ليس فقط عبر إضافة مغذيات إلى المياه، بل أيضًا عبر تدمير الكائنات التي تحافظ على التوازن البيئي.

ولهذا يرى الباحثون أن مواجهة المشكلة تتطلب مزيجًا من تقليل النفايات البلاستيكية، وتطوير مواد بديلة، وتحسين تقنيات المعالجة والتنظيف البيئي.

Exit mobile version