أخبارالاقتصاد الأخضر

هل ينقذ الاقتصاد الدائري العالم من أزمات الإمدادات؟

ريميني ـ محمد حسن

في عالم تتشابك فيه الصراعات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، لم تعد النفايات مجرد عبء بيئي، ولم تعد إعادة التدوير نشاطاً صناعياً ثانوياً، بل تحولت إلى أداة استراتيجية لحماية الاقتصادات من اضطرابات سلاسل الإمداد والاعتماد على الخارج.

هذا ما برز خلال جلسة رفيعة المستوى بعنوان “مستقبل الاقتصاد الأخضر وسلاسل الإمداد العالمية”، بمؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية، وناقشت كيف يمكن للاقتصاد الدائري أن يتحول إلى خط دفاع أمام الأزمات الجيوسياسية، بدءاً من التوترات في مضيق هرمز، مروراً بالمنافسة على المعادن الاستراتيجية، وصولاً إلى مستقبل الصناعات الخضراء وأشباه الموصلات.

مضيق هرمز يكشف هشاشة سلاسل الإمداد

كان أمن المواد الخام أحد أبرز محاور النقاش، إذ حذر لوكا دال فابرو، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمجموعة إيرين ورئيس اتحاد يوتيليتاليا، من مخاطر الاعتماد على مصادر محدودة للمواد الحيوية للصناعة.

واستشهد بالهيليوم القطري، الذي يمثل نحو ربع الإنتاج العالمي، وتستخدمه الصناعات المتقدمة في عمليات تبريد مرتبطة بإنتاج أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، موضحاً أن أي اضطراب في الإمدادات عبر مضيق هرمز قد يمتد تأثيره إلى قطاعات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية.

وفي مواجهة هذه المخاطر، طرح دال فابرو مفهوم «التعدين الحضري»، الذي يقوم على استخراج المعادن الثمينة والعناصر النادرة من المخلفات الصناعية والإلكترونية، بدلاً من الاعتماد الكامل على المناجم التقليدية.

وتتيح تقنيات إعادة التدوير المتقدمة استعادة معادن مثل البلاتين من المخلفات، بما يفتح مصدراً بديلاً للمواد الخام ويقلل تعرض الصناعات للضغوط الجيوسياسية.

مؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية

من النفايات إلى الطاقة.. الاقتصاد الدائري كسلاح

ولم يقتصر الطرح على استعادة المعادن، بل امتد إلى تحويل النفايات العضوية والمخلفات الزراعية إلى طاقة من خلال مشروعات الغاز الحيوي، بما يسمح للدول بتطوير مصادر محلية للإمدادات وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

واستعرض دال فابرو نموذج «مخطط الفراشة» لمؤسسة إيلين ماك آرثر، الذي يقوم على دورتين: تقنية تستهدف إعادة استخدام المنتجات والمواد الصناعية وتدويرها، وبيولوجية تعيد المواد العضوية إلى الطبيعة بصورة آمنة.

وشدد على أن السيادة الصناعية لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك الموارد الطبيعية، بل بقدرة الدول على استغلال المواد المتاحة وإعادة استخدامها بكفاءة، مؤكداً أن الاقتصاد الدائري أصبح استراتيجية للأمن الاقتصادي وليس مجرد توجه لحماية البيئة.

مؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية

أفريقيا ترفض دور المورد للمواد الخام

وفي سياق المنافسة على الموارد الاستراتيجية، دعت البروفيسورة أليس أودهيامبو، أستاذة الجغرافيا والدراسات البيئية بجامعة نيروبي والمؤلفة الرئيسية لتقرير التوقعات البيئية العالمي GEO-7، إلى تغيير موقع أفريقيا في الاقتصاد العالمي.

وانتقدت اعتماد القارة على المساعدات المشروطة، بدلاً من الاستثمارات التي تدعم بناء قدراتها الإنتاجية، مشيرة إلى أن نحو 55% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بما يعادل قرابة 50 تريليون دولار، يعتمد على الطبيعة ومواردها.

وأكدت أن أفريقيا لا تريد أن تظل مجرد مصدر لليثيوم والكوبالت والنحاس، بينما تتم عمليات التصنيع وإضافة القيمة في اقتصادات أخرى، بل تسعى إلى تصنيع البطاريات محلياً وتعزيز سيادتها على مواردها، بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء التنمويين.

كما أشارت إلى أهمية التكنولوجيا في زيادة إنتاجية الزراعة وتحسين الأمن الغذائي، بما يربط استغلال الموارد الطبيعية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

مؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية

أوروبا تواجه فجوة بين الابتكار والتصنيع

وعلى الجانب الأوروبي، سلطت د. كاتيا باستيولي، الرئيسة التنفيذية لشركة نوفامونت المتخصصة في المصافي الحيوية، الضوء على عقبات تحول دون ترجمة الابتكارات الخضراء إلى مشروعات صناعية كبيرة.

وقالت إن المشكلة لا تكمن في نقص الأفكار أو جودة الابتكار، وإنما في البيروقراطية وتجزؤ الأسواق ونقص تمويل رأس المال الجريء، وهي عوامل تعرقل انتقال المشروعات من مرحلة التجارب إلى الإنتاج التجاري واسع النطاق.

ودعت إلى بناء منصات صناعية متكاملة تربط المزارع والبلديات بالمصانع الكبرى، بما يعزز الاستفادة من الموارد المحلية ويمنح سلاسل الإمداد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات العالمية.

مؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية

السياسة الأميركية تضيف تحدياً جديداً

وامتدت المناقشات إلى المشهد السياسي الأميركي وتداعيات انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، وما قد تفرضه من مواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن السياسات الاقتصادية والبيئية.

وركزت الجلسة على احتمالات استخدام الرئيس دونالد ترامب حق النقض الرئاسي لتعطيل تشريعات يدفع بها الديمقراطيون، خصوصاً في ملفات المناخ والسيارات الكهربائية، مقابل استخدام الكونغرس سلطاته المالية والرقابية لحماية مشروعات الطاقة المتجددة ومراجعة الإنفاق العسكري وتأثير الرسوم الجمركية على تكاليف المعيشة.

مؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية

معركة الموارد لا تقل أهمية عن معركة الطاقة

وتكشف المناقشات أن التنافس الاقتصادي العالمي لم يعد يدور حول مصادر الطاقة وحدها، بل امتد إلى المعادن النادرة والمواد الصناعية والتكنولوجيا اللازمة لتشغيل الاقتصادات الحديثة.

وفي ظل تعرض الممرات المائية وسلاسل الإمداد لمخاطر جيوسياسية متزايدة، يبرز الاقتصاد الدائري باعتباره أحد الخيارات الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الخارج، من خلال تحويل المخلفات إلى موارد، وتطوير مصادر الطاقة المحلية، وتعزيز التصنيع.

فالرهان لم يعد فقط على من يمتلك المواد الخام، بل على من يستطيع إعادة استخدامها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصناعية.

مؤتمر إيكوموندو الذي تنظمة مجموعة المعارض الإيطالية

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى