الاستدامة لم تعد وظيفة منفصلة.. الشركات أمام اختبار حقيقي للمساءلة

هل أصبحت الاستدامة مجرد شعار؟.. الإجابة تبدأ من طريقة إدارة الشركة نفسها

تشهد الشركات تحولًا في طريقة التعامل مع الاستدامة؛ فبعد سنوات من إنشاء إدارات وفرق متخصصة بالاستدامة، بدأت مؤسسات عديدة إعادة التفكير في مكان هذه الوظيفة داخل هيكلها التنظيمي.

لكن هذا التغيير لا يعني بالضرورة التخلي عن الاستدامة، بل قد يعكس انتقالها من وظيفة مستقلة تتولاها مجموعة صغيرة من المتخصصين إلى مسؤولية موزعة داخل الحوكمة وإدارة المخاطر والاستراتيجية والعمليات اليومية للشركة.

المشكلة أن إلغاء الفريق المتخصص لا يؤدي تلقائيًا إلى توزيع المسؤوليات.

فإذا لم تحدد الشركة بوضوح من المسؤول عن النتائج، يمكن أن تتحول الاستدامة إلى مسؤولية موزعة على الجميع، وبالتالي لا يتحملها أحد فعليًا.

وهنا يصبح الاختبار الحقيقي: هل أصبحت الاستدامة جزءًا من طريقة إدارة الشركة، أم أنها ما تزال مجرد لغة تستخدم في التقارير والخطابات؟

لماذا تتعرض فرق الاستدامة لضغوط متزايدة؟

هناك عدة عوامل تدفع الشركات إلى إعادة تصميم طريقة إدارتها للاستدامة.

أولها أن المتطلبات التنظيمية تتغير بسرعة أكبر من قدرة دورة التقرير السنوي التقليدية على استيعابها، كما تختلف القواعد من ولاية قضائية إلى أخرى، وهو ما يدفع الشركات العالمية إلى بناء أنظمة مستمرة بدلًا من التعامل مع الاستدامة باعتبارها استجابة سنوية منفصلة.

العامل الثاني هو الذكاء الاصطناعي، الذي يوسع في الوقت نفسه نطاق قضايا الحوكمة ويضيف آثارًا بيئية جديدة يتعين على الشركات إدارتها.

أما العامل الثالث فيتمثل في تغير توقعات المستثمرين والعملاء والموظفين، الذين أصبحوا ينظرون بصورة متزايدة إلى كيفية تصرف الشركة فعليًا في عملياتها اليومية، وليس فقط إلى ما تقوله في تقرير الاستدامة السنوي.

هذه العوامل الثلاثة تدفع الاستدامة تدريجيًا إلى داخل الآليات التي تستخدمها الشركات أصلًا في إدارة أعمالها: الاستراتيجية، وإدارة المخاطر والحوكمة.

الاستدامة

الخطر ليس اختفاء فرق الاستدامة.. بل اختفاء المسؤولية

إعادة هيكلة إدارة الاستدامة يمكن أن تكون منطقية، لكن هناك خطرًا واضحًا إذا تمت من دون تصميم مؤسسي دقيق.

فإلغاء إدارة الاستدامة لا يعني بالضرورة أن مسؤولياتها انتقلت بالفعل إلى الإدارات الأخرى.
وقد تظل المؤشرات والبيانات قيد القياس، بينما لا يوجد شخص أو لجنة أو إدارة مسؤولة بوضوح عن تحقيق النتائج التي تعكسها هذه المؤشرات.
وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقًا من مجرد انخفاض عدد الوظائف التي تحمل اسم “الاستدامة”.

المشكلة هي توزيع المسؤولية دون تحديد مالك واضح لها.

فعندما تصبح المسؤوليات موزعة على نطاق واسع دون تصميم واضح، يمكن أن يفترض كل فريق أن جهة أخرى تتولى الأمر، بينما يتباطأ التقدم تدريجيًا دون أن يظهر فشل واضح يمكن نسبته إلى طرف محدد.

الاستدامة تحتاج إلى إيقاع حوكمة مستمر

أحد التغييرات المطلوبة هو ألا تُعامل الاستدامة باعتبارها موضوعًا يُراجع مرة واحدة سنويًا ثم يُغلق ملفه.

بل يجب أن تسير الرقابة على قضايا الاستدامة بوتيرة مماثلة للقضايا الأخرى التي تعتبرها الإدارة ومجلس الإدارة حاسمة للأعمال.

ويعني ذلك إدخال المخاطر المرتبطة بالاستدامة مباشرة في إدارة المخاطر المؤسسية، بدلًا من الاحتفاظ بها في تقرير منفصل قد لا يصل إلى صناع القرار بالقدر الكافي.

كما ينبغي دمج التعرض التنظيمي والمخاطر التكنولوجية والتخطيط الاستراتيجي ضمن منظومة واحدة، بدل التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.

من المسؤول عندما تختفي إدارة الاستدامة؟

الإجابة لا يمكن أن تكون: “الجميع”.

فإذا كانت المسؤولية موزعة على الجميع دون تحديد واضح للأدوار، فقد لا يكون هناك أحد مسؤول بالفعل عن النتيجة النهائية.

ولهذا تحتاج الشركات إلى هياكل متعددة الوظائف تحدد بوضوح من يمتلك كل هدف، ومن يتابع التنفيذ، ومن يرفع التقارير، ومن يتخذ القرار عند ظهور مشكلة.

وفي بعض الشركات، يمكن أيضًا ربط حوافز القيادات بتحقيق نتائج محددة في الاستدامة، حتى تصبح المساءلة مرتبطة بمصالح إدارية حقيقية، لا بمجرد التزامات معلنة.

تجربة Genesys.. الاستدامة داخل منظومة الإدارة

يقدم المقال تجربة شركة Genesys مثالًا على هذا النموذج.

ففريق الاستدامة في الشركة يتولى وضع الاستراتيجية والأهداف حتى السنة المالية 2031، استنادًا إلى ثلاثة محاور هي: الكوكب، والناس، والأداء.

لكن مسؤولية تحقيق هذه الأهداف لا تقع على فريق الاستدامة وحده.

ويعقد مجلس إدارة الشركة جلسات مخصصة للاستدامة مرة واحدة على الأقل سنويًا، إلى جانب إحاطات ربع سنوية بشأن المبادرات والمؤشرات والقضايا الناشئة، وهي الوتيرة نفسها المستخدمة في الموضوعات الأخرى التي يعتبرها المجلس حاسمة للأعمال.

كما يتعامل برنامج إدارة المخاطر المؤسسية في الشركة، الذي تشرف عليه مجموعة من أصحاب المصلحة من إدارات مختلفة والفريق التنفيذي، مع التزامات الاستدامة باعتبارها مخاطر ينبغي تقييمها إلى جانب تحول الذكاء الاصطناعي والتغيرات التنظيمية، وليس باعتبارها مسارًا منفصلًا.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل

الذكاء الاصطناعي يقدم نموذجًا مشابهًا

وتشير التجربة كذلك إلى أن الشركة تطبق منطقًا مشابهًا في إدارة الذكاء الاصطناعي.

فبدل ترك قضايا أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والامتثال للإدارة التي تطور منتجًا أو خاصية معينة، تعتمد الشركة على مجلس أخلاقيات للذكاء الاصطناعي متعدد الوظائف، يضم ممثلين من الهندسة والبحث والتطوير وفرق المنتجات.

والهدف هو وجود ملكية واضحة للمبادئ والامتثال، بدل ترك هذه القضايا تتنقل بين الإدارات.

لكن هذا النموذج ليس وصفة واحدة تصلح لكل الشركات.

فطريقة دمج الاستدامة تختلف بحسب حجم المؤسسة وقطاعها ودرجة نضجها وطبيعة المخاطر التي تواجهها.

المهم هو البنية التي تقف خلف الاستدامة: الاحتفاظ بالخبرة المتخصصة، مع تحديد المسؤولية داخل قطاعات الأعمال، وتوفير حوكمة تضمن ظهور المشكلات قبل أن تتحول إلى إخفاقات في الأداء.

3 أسئلة تكشف هل الاستدامة حقيقية أم مجرد شعار

يمكن لأي قيادة تنفيذية استخدام ثلاثة أسئلة بسيطة لاختبار مدى اندماج الاستدامة فعليًا داخل المؤسسة:

أولًا: هل تظهر الاستدامة في جدول أعمال الحوكمة بالوتيرة نفسها التي تظهر بها الموضوعات الأخرى ذات الأهمية للأعمال، أم لا تظهر إلا مرة واحدة سنويًا؟

ثانيًا: هل تُقيّم مخاطر الاستدامة إلى جانب المخاطر التي تتعامل معها الشركة باعتبارها أساسية، أم أنها لا تزال موجودة في نظام منفصل يسهل تجاهله؟

ثالثًا: إذا اختفى غدًا الفريق الذي يحمل كلمة “الاستدامة” في اسمه، فهل يوجد شخص أو إدارة أخرى تتحمل بوضوح مسؤولية ما كان يقوم به؟

إذا كانت الإجابة عن السؤال الثالث غير واضحة، فقد يكون لدى الشركة هيكل للاستدامة، لكنها لا تملك بالضرورة منظومة مساءلة مستدامة.

الشركات لا تعمل في فراغ

لا تستطيع الشركات الإجابة عن جميع هذه الأسئلة بمفردها.

فسلاسل الإمداد، ومعايير الصناعة، والأطر التنظيمية تشكل جميعها بنية تحتية مشتركة، ولهذا تكتسب المنصات التي تجمع الشركات والجهات التنظيمية والمجتمع المدني أهمية متزايدة.

فالهدف لا ينبغي أن يكون فقط مقارنة الأهداف التي أعلنتها الشركات، وإنما أيضًا مقارنة الطريقة التي توزع بها المسؤولية عن تحقيق هذه الأهداف.

وهذا يضع الاستدامة في سياق أوسع من مجرد التقارير.

من يملك الاستدامة؟ السؤال قد يكون خاطئًا

مع إعادة هيكلة الشركات لطريقة إدارة الاستدامة، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من يمتلك ملف الاستدامة؟

السؤال الأهم هو: هل صُممت المسؤولية فعلًا داخل المؤسسة، أم أن الشركة تفترض أنها ستبقى موجودة تلقائيًا بعد كل إعادة هيكلة؟

فالاستدامة التي تعتمد على فريق صغير فقط يمكن أن تصبح هشة عند تغير الهيكل التنظيمي.

أما عندما تصبح جزءًا من الاستراتيجية وإدارة المخاطر والحوكمة والعمليات والحوافز، فإنها تتحول من ملف منفصل إلى طريقة لإدارة الأعمال نفسها.

وهنا لا يعني دمج الاستدامة اختفاء الخبرة المتخصصة، بل يعني أن هذه الخبرة يجب أن تعمل داخل منظومة يكون فيها المسؤول واضحًا، والبيانات متاحة، والقيادة مطلعة، والنتائج قابلة للمساءلة.

فالاستدامة لا تصبح مؤسسية عندما يزداد عدد من يتحدثون عنها، بل عندما يصبح تحقيق نتائجها جزءًا من الطريقة التي تُدار بها الشركة كل يوم.

↑
Exit mobile version