الصباغة الطبيعة بداية.. “يارا إسماعيل” تبحث عن ترسيخ الاستدامة في تصميم الأزياء

اختيارات قطع الملابس في دولابك تأثر على البيئة.. مطبخك وحديقتك منجم ألوان طبيعية

كتب مصطفى شعبان 

هل ركزت مرة في دولابك، وتفحصت ما بداخله من قطع ملابس وألوان؟.. وهل فكرت من قبل أن ملابسك واختيارات ما يوجد في الدولاب ممكن يكون مؤثر في المناخ والبيئة؟.. هل حسبت في أي وقت كم قطعة تشتري سنوياً وكم قطعة تلقيها في القمامة أو تتخلص منها بطريقة غير صحيحة؟ وكم من الوقت تحتفظ بما تشتريه.

“الموضة” من أسوأ أساليب العصر ليس في زيادة الإسراف وإنفاق المال، بسبب الوتيرة المتسارعة التي تتغير بها الموضة من موسم لآخر وفي خطورتها على البيئة، فهي ثاني القطاعات الضارة بالبيئة فتساهم بحوالي 10% من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

يارا إسماعيل، شابة مصرية درست في أستراليا التصميم، وكانت ترسم لحياتها أن تكون واحدة من أصحاب بيوت الأزياء والموضة، ولكن مع الوقت اكتشفت كم لأزياء التقليدية من أخطار ومساوئ على البيئة وحياة الناس، وأدركت أن هناك طريقا أخرا، وإن كان أطول وأكثر مشقة، ولكنه صحي وممتع في ذات الوقت، وهو ” الأزياء المستدامة”، فاتجهت يارا للاستدامة واختارت أن يكون مشروعها بالكامل قائم على الاستدامة، وأن تكون هوايتها -التي تحولت لمشروع اقتصادي وطريقة حياة – قائمة على الطبيعة، وحماية البيئة، وأن يكون جميع المنتجات المستخدمة قابلة الاستدامة وإعادة الاستخدام.

الألوان أخطر مرحلة

ألوان الملابس قد تعد هي أخطر مرحلة من مراحل صناعة الملابس، سواء من حيث اختيار هذه الألوان صناعية أم طبيعية فكل طريقة لها طابع خاص، وهنا قررت “يارا” أن تكمل دائرة الاستدامة باختيار ألوان طبيعية، وأدركت خطورة الألوان الصناعية أو الصبغة الكيميائية على الإنسان، وعلى البيئة بوجه عام، خاصة أنها في مراحل التصنيع تستهلك مياه وطاقة بشكل كبير من 7 : 1 مقابل الصبغة الطبيعية، فصناعة الأزياء تسهم وتنتج عنها نحو 20 % من مياه الصرف عالميا، وتستهلك طاقة تفوق ما يستهلكه الطيران، والنقل البحري معا، خلافا للتأثير السلبي على صحة القائمين عليها، ومخلفاتها بعد التصنيع التي يتم إلقاءها في مياه البحار والأنهار والمصارف، وما تسببه من تلوث وخطورتها على الحيوانات والنباتات.

فحسب تقديرات وكالة حماية البيئة الأمريكية، 10.2 مليون طن من الأقمشة في 2017، وصلت إلى النفايات، وكان مصير 2.9 مليون طن الحرق.

لذلك اتجهت “يارا” بعد إدراك كل هذه الأخطار وقناعتها أنها لن تشارك في الإضرار بالبيئة بل وأنها ستقود اتجاه وطريق تكون الاستدامة هي المبدأ الأول عند اختيار الملابس وطريقة الحياة، خاصة وأن جميع مراحل الصناعة خطيرة، فثلث الانبعاثات تأتي من عملية إنتاج القماش، و8 % من القص والخياطة، و16% من التعبئة والنقل والبيع، و40 % من استخدامات المستهلك، مثل الغسيل والتخلص منه في النفايات.

صديقة للبيئة في جميع المراحل

العالم ينتج أقمشة أكثر مما يحتاج، وبالتالي يتم التخلص من الفائض بشكل خاطئ، وتسبب النفايات سواء للملابس المستعملة أو تلك التي لم يتم استخدامها ضرر كبير بالبيئة، وحسب “يارا” فهناك أحيانا أخطاء بسيطة سواء في الخياطة أو التصميم أو الصناعة ينتج عنها التخلص من كميات.

الصبغة الطبيعية كما تقول “يارا” في جميع مراحلها صديقة للبيئة، ومخلفاتها أيضا يتم استخدامها بشكل آمن ومفيد للبيئة، ويفضل أن يتم استخدامها في الأقمشة الطبيعية، وهو من المشكلات التي تواجه “يارا” لنقص الأقمشة الطبيعية أو عدم تواجد الخامات التي تريدها، خاصة وأنها لا تبحث فقط عن نوع القماش بل الطريقة التي جاء بها وتفضل أكثر الطرق الطبيعية غير المضرة بالبيئة وتفضل التعامل في الأقمشة الصديقة للبيئة لذا تلجأ إلى البحث في الخارج كثيرا.

لكن هناك عوامل كثيرة تؤثر في الوصول إلى اللون، كما تقول “يارا”، فكل نبات له لون بل أن كل جزء من النبات له لون، فكمية المياه المستخدمة في ري النبات تؤثر، وكذلك كميات الشمس أو اتجاه النبات للشمس يؤثر، فقد يكون نبات واحد وذات الجزء من النبات يخرج لونين مختلفين بسبب اختلاف جهات النبات للشمس، بل أن هناك نباتات تتأثر بالبلد الموجودة فيه، فمثلا الكافور في مصر يعطي لون وفي أستراليا يعطي لون أخر، وكذلك المبيدات المستخدمة تؤثر في اللون النهائي أو طريقة التعامل مع الأقمشة.

النباتات الطبيعية

كما أن هناك نباتات طبيعية لكن في مراحل زراعتها تؤثر سلبا على البيئة حسب قول “يارا إسماعيل”، فالقطن الطبيعي أحيانا يستخدم أصحاب المزارع مبيدات للتخلص من الحشرات، وهذا يؤثر على المزارعين والقطن والقماش معا، ولكن هناك مزارع في الخارج أصبحت تتجه لأنواع من القطن تخرج قطن ألوان بجانب أنها بدون مبيدات كيماوية، كذلك الحرير الطبيعي القائم على دودة القز، ولأنها في الطبيعي تخرج الخيط على عدة مراحل، لكن أحيانا أصحاب المزارع أو المربين يريدون خيط حرير كامل بدلا من وصل الخيوط بطريق أخرى فيتم غلي الدود مرة واحدة تخرج خيط الحرير كاملا، كذلك الجلد حتى الطبيعي يأتي أحيانا بطرق مضرة أو ضد مبدأ الاستدامة، بسبب قتل أو ذبح الحيوانات بسبب الجلد وليس اللحوم.

وللبحث عن طرق صديقة للبيئة في صناعة الأقمشة، كما تقول “يارا” تجري بعض الشركات تجارب على استخدام مخلفات الخشب والفواكه وورق شجر ومشروم، وغيرها من المواد الطبيعية، بينما يبحث آخرون عن طرق بديلة لصباغة الأقمشة أو ابتكار مواد تتحلل حيويا فور التخلص منها.

قطعة واحدة تلبسها بأكثر من طريقة

إنفاق مبالغ أكبر على شراء ملابس أعلى جودة والاحتفاظ بها لفترة أطول هو أفضل وسيلة للحد من انبعاثات الكربون، فارتداء الملابس لتسعة أشهر إضافية يخفض أثر الملابس البيئي حسب الأبحاث بنحو 20 إلى 30% ويوفر مياه وطاقة من التي يتم استخدامها في صناعة هذه القطعة.

“يارا” تقدم طريقة جديدة في التصميم للملابس المستدامة، لتحتفظ بها أطول فترة دون أن تكون مملة، يعني تقدر تشتري قطعة ملابس واحدة وتلبسها بأكثر من طريقة وفي أوقات مختلفة سواء فترة الصباح سواء في المنزل أو البحر أو الخروج مع الأصدقاء أو السهرات أو العمل، فبدلا ما يكون لديك في الدولاب 10 أطقم يبقى فيه خمسة فقط، ولكن يمكن الاستخدام بأكثر من طريقة.. توفير مساحة في الدولاب وتقليل الإهدار وشكل جديد لاستخدام الملابس.

أكثر راحة وصحية

وحسب يارا فالملابس المستدامة أكثر راحة وصحية، فهناك صوف صيفي أفضل بكثير من أي منتج أخر ومريح وصحي للجسم كذلك الصوف الشتوي يعطي شعور بالدفء أكثر من المنتجات الصناعية، فالمنتجات الطبيعية مريحة وصحية أكثر.
لذلك بحثت يارا عن طريقة تحافظ فيها على البيئة من جهة، وتوفر الاستهلاك للملابس من جهة أخرى، بل وتحافظ على أن قطعة الملابس تبقى أطول فترة ممكنه مع المستهلك، وكل هذا بجانب الابتكار في تقديم الموديلات والأشكال الجديدة من الملابس بالحفاظ على الشكل الجمالي والجودة، وعليه كانت المعضلة كيف يتم تنفيذ خطة الاستدامة في الملابس بداية من الصناعة والصباغة وصولا للمستهلك، حتى طريقة التخلص من الملابس بعد انتهاء الاستخدام فتعرض يارا على عملائها أن تسترد قطعة الملابس سواء بإعادة صبغها أو إعادة دمجها مع مواد أخرى لصناعة قطعة أخرى بإعادة استخدام القماش في أشياء أخرى، فلا يوجد إهدار أو نفايات في هذه الدورة.

بجانب كل هذا تراعي “يارا” الابتكار والإبداع والتجديد، وخاصة أن كل قطعة من قطع الملابس المستدامة تكون خاصة بالشخص ولا يجدها مكررة أو يرتديها أحد غيره فيشعر وكأنها صنعت له بشكل خاص.

Exit mobile version