طور باحثون من جامعة رايس الأمريكية تقنية مبتكرة في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد للإلكترونيات، تعتمد على استخدام الموجات الدقيقة المركزة، ما يفتح آفاقًا جديدة في تصميم المواد الذكية والأجهزة متعددة الوظائف.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances، حيث قاد الفريق البحثي البروفيسور يونغ لين كونغ من كلية الهندسة في جامعة رايس، وتركز العمل على حل تحدٍ أساسي واجه هذا المجال لأكثر من عقد من الزمن، يتمثل في صعوبة تسخين الحبر الإلكتروني أثناء الطباعة دون الإضرار بالمواد المحيطة.
وتعاني تقنيات التصنيع التقليدية من قيود كبيرة، إذ تُصنع المكونات الإلكترونية في مصانع مركزية ضخمة، ثم تُنقل وتُدمج في الأجهزة النهائية عبر عمليات تجميع معقدة ومكلفة تحد من مرونة التصميم وإمكاناته.
أما الطباعة ثلاثية الأبعاد متعددة المواد، فمن الناحية النظرية تتيح إنتاج هياكل معقدة تجمع بين الخصائص الميكانيكية والإلكترونية، إلا أن الحاجة إلى المعالجة الحرارية كانت دائمًا عائقًا رئيسيًا، لأنها قد تتلف المواد الحساسة المحيطة.
ولحل هذه المشكلة، طوّر فريق جامعة رايس نظامًا يعتمد على تركيز طاقة الموجات الدقيقة في منطقة صغيرة جدًا لا يتجاوز قطرها شعرة الإنسان، ما يسمح بتسخين الحبر الإلكتروني بدقة عالية دون التأثير على باقي المواد.
ويتيح هذا النهج الجديد “برمجة” الخصائص الوظيفية للمواد أثناء عملية الطباعة نفسها، بما يمكّن من تصنيع إلكترونيات مرنة ومخصصة مباشرة على مجموعة واسعة من الركائز، بما في ذلك البوليمرات الحيوية وحتى الأنسجة البيولوجية، داخل طابعة مكتبية صغيرة دون الحاجة إلى منشآت تصنيع معقدة.
وطوّر الباحثون جهازًا جديدًا يحمل اسم “Meta-NFS”، وهو نظام يعتمد على بنية كهرومغناطيسية ميتامادية قادرة على حصر طاقة الموجات الدقيقة في المجال القريب، ما يحقق كثافة طاقة كافية لمعالجة المواد المطبوعة بدقة عالية.
ومع دمج هذا النظام في عملية الطباعة بالبثق الدقيق، أصبح بالإمكان التحكم في درجة التسخين بدقة، وبالتالي التحكم في البنية المجهرية للمواد المطبوعة، ما يسمح بإنتاج مكونات إلكترونية وميكانيكية متعددة الوظائف داخل عملية تصنيع واحدة.
وأثبتت التجارب أن التقنية قابلة للتطبيق على مجموعة واسعة من المواد، تشمل المعادن والسيراميك والبوليمرات الحرارية، مع إمكانية اختراق الموجات الدقيقة للمواد للوصول إلى المناطق المستهدفة حتى عند تغليفها بالكامل.
كما مكّن هذا الابتكار من تصنيع أجهزة إلكترونية مباشرة داخل مواد حساسة حراريًا، مثل البوليمرات المستخدمة في زراعة المفاصل، حيث تم تطوير حساسات لاسلكية يمكنها مراقبة الضغط والتآكل دون تغيير البنية الأصلية للمادة.
وفي تجربة أخرى، نجح الباحثون في طباعة حساسات على عظم فخذ بقري وورقة نبات حية، ما يفتح المجال أمام تطبيقات مستقبلية في مراقبة العمليات البيولوجية والتفاعل معها.
ويؤكد الفريق أن هذه التقنية تمثل منصة أساسية لتطوير جيل جديد من الأجهزة الإلكترونية الهجينة، بما في ذلك أنظمة طبية قابلة للبلع، وروبوتات مرنة، وطائرات مسيّرة تعتمد على دمج إلكتروني متقدم داخل بنيتها.
