تقدم الألعاب النارية لحظات من البهجة والترفيه تستمر بضع دقائق، لكن تكلفتها الحقيقية تتجاوز السعر المدفوع لشرائها، لتشمل تلوث الهواء والإصابات البشرية والضغط على الخدمات العامة، فضلًا عن إزعاج الحيوانات والطيور والتأثير في الحياة البرية.
وتسلط الباحثة نارمين ناهيدي، في مقال نشره موقع «The Conversation»، الضوء على التكاليف الاقتصادية والبيئية غير المباشرة للألعاب النارية، مشيرة إلى أن المستهلكين لا يتحملون وحدهم جميع الأعباء الناتجة عن استخدامها، بل يتحمل جانبًا منها أشخاص آخرون وخدمات عامة وكائنات حية لا تشارك في الاحتفالات.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح خلال احتفالات «ليلة إشعال النيران» (Bonfire Night) في بريطانيا، عندما يشتري الأفراد الألعاب النارية للاستمتاع بعروضها الملونة مع الأصدقاء والعائلة، قبل أن تنتهي العروض خلال دقائق، بينما تستمر آثار الدخان والضوضاء والمخلفات لفترة أطول.
ولا يتعلق الأمر، بحسب الباحثة، بمدى استمتاع الناس بعروض الألعاب النارية، وإنما بمدى إدراكهم للتكلفة الكاملة لهذه الاحتفالات، وما إذا كان من يحققون المتعة يتحملون بالفعل جميع الأضرار الناجمة عنها.
التكلفة الخفية للألعاب النارية.. من يتحملها؟
يستخدم الاقتصاديون مصطلح «التأثيرات الخارجية السلبية» لوصف الحالات التي يحقق فيها شراء منتج أو خدمة منفعة للمشتري والبائع، بينما يتحمل أشخاص خارج عملية الشراء بعض التكاليف والأضرار الناتجة عنها.
وتقدم الألعاب النارية مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة؛ إذ تتركز المتعة في فترة زمنية قصيرة، بينما تتوزع آثارها على الأسر والخدمات العامة والحياة البرية.
وتشير البيانات إلى تسجيل 123 حالة دخول إلى المستشفيات في إنجلترا بسبب إصابات مرتبطة بالألعاب النارية خلال العام المالي 2024-2025.
ولا يشمل هذا الرقم جميع المصابين، إذ تقتصر الإحصائية على الحالات التي استدعت دخول المستشفى، ولا تتضمن الإصابات التي تلقت العلاج دون الحاجة إلى الإقامة بالمستشفيات.
وترى الباحثة، أن منع هذه الإصابات قد لا يؤدي بالضرورة إلى خفض ميزانية هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، لكنه يمكن أن يتيح وقتًا وموارد طبية لعلاج مرضى آخرين.
وفي ظل الضغوط التي تواجهها الخدمات الصحية، يمثل توفير الوقت والقدرة الاستيعابية للأطقم الطبية منفعة اقتصادية، حتى إن لم يظهر ذلك في صورة وفر مالي مباشر في حسابات الخزانة العامة.
ويمثل تلوث الهواء تكلفة أخرى لا تظهر ضمن السعر الذي يدفعه المستهلك مقابل الألعاب النارية.
فقد سجلت أنظمة الرصد الرسمية لجودة الهواء في المملكة المتحدة ارتفاعات مؤقتة في تركيزات الجسيمات الدقيقة خلال احتفالات ليلة إشعال النيران، مع الإشارة إلى أن النيران المكشوفة تسهم أيضًا في هذه الانبعاثات، وأن الظروف الجوية تؤثر في سرعة انتشار الدخان وتبدده.
وتحدد وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية متوسط تكلفة الأضرار الناجمة عن انبعاث طن واحد من الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5 بنحو 114 ألفًا و411 جنيهًا إسترلينيًا، وفق أسعار عام 2025 بعد احتساب التضخم.
لكن هذا الرقم لا يمثل تكلفة التلوث الناتج عن الألعاب النارية تحديدًا؛ إذ يتطلب حساب هذه التكلفة معرفة حجم الانبعاثات الصادرة عنها، وعدد الأشخاص الذين يتعرضون لها، ومستويات تعرضهم.
ويُظهر هذا التقدير كيف يمكن أن تكون للمنتجات تكلفة بيئية لا تظهر في فاتورة الشراء، حتى عندما يصعب تحديد قيمتها الإجمالية بدقة.
الحياة البرية جزء من حساب التكلفة البيئية
لا تقتصر الأضرار على صحة الإنسان، بل تمتد إلى الحيوانات والطيور والنظم البيئية، ففي دراسة هولندية خضعت لمراجعة علمية، وجد الباحثون أن عدد الطيور التي كانت تحلق خلال احتفالات الألعاب النارية ليلة رأس السنة بلغ نحو ألف ضعف عددها في الليالي العادية.
وامتد تأثير الاضطراب إلى مسافات تصل إلى عدة أميال من مواقع إطلاق الألعاب النارية.
ولا يمكن نقل حجم هذه التأثيرات بصورة مباشرة إلى احتفالات ليلة إشعال النيران في بريطانيا، لاختلاف الظروف والسياقات، لكن نتائج الدراسة تتحدى الاعتقاد بأن آثار الألعاب النارية تقتصر على الأشخاص الذين يختارون مشاهدتها.
فالطيور التي تضطر إلى الطيران بصورة مفاجئة تستهلك قدرًا إضافيًا من الطاقة، وتفقد فرص الراحة، كما يمكن أن تتعرض الحيوانات الأليفة وحيوانات المزارع للتوتر والاضطراب بسبب الأصوات المرتفعة والضوضاء.
وبالإضافة إلى الدخان والضوضاء، تترك أغلفة الألعاب النارية المستهلكة وغيرها من المخلفات أثرًا ماديًا في البيئة.
وتؤكد الباحثة أن مفهوم الاستدامة لا ينبغي أن يقتصر على حساب كمية انبعاثات الكربون الناتجة عن الاحتفالات، بل يجب أن يشمل أيضًا تأثيراتها على الحيوانات والنظم الطبيعية.
ومع ذلك، فإن إدراج الطبيعة ضمن الحسابات الاقتصادية يتطلب قدرًا من الحذر؛ فالقيمة البيئية للنظم الطبيعية السليمة حقيقية، لكن لا ينبغي اختلاق تقديرات مالية للأضرار التي تلحق بالحياة البرية بسبب الألعاب النارية في غياب بيانات وطنية موثوقة.
وبينما يمكن قياس بعض التأثيرات وتقدير تكلفتها، تظل هناك أضرار أخرى ينبغي أخذها في الاعتبار عند اتخاذ القرارات، حتى إذا تعذر تحديد سعر دقيق لها.
ما القيمة الاقتصادية لصناعة الألعاب النارية؟
في المقابل، لا تتسبب الألعاب النارية في أضرار فقط، بل تحقق أيضًا قيمة اقتصادية، إذ تدعم أنشطة تجار التجزئة ومنظمي العروض والاحتفالات الثقافية، ومنها ليلة إشعال النيران ومهرجان ديوالي واحتفالات رأس السنة.
ووفقًا لمشاورة حكومية بريطانية صدرت عام 2026، بلغ متوسط واردات المملكة المتحدة من الألعاب النارية 27 مليون جنيه إسترليني سنويًا خلال الفترة من 2021 إلى 2024.
لكن هذا الرقم يعبر عن قيمة الواردات، وليس إجمالي مبيعات القطاع، كما أنه لا يمثل حجم الأموال التي يمكن أن توفرها بريطانيا في حال حظر الألعاب النارية.
وتوضح الباحثة أن انخفاض مشتريات الأسر من الألعاب النارية قد يدفعها إلى إنفاق أموالها على فعاليات مجتمعية محلية أو الطعام أو أشكال أخرى من الترفيه، كما قد تختار بعض الأسر الاحتفاظ بهذه الأموال والادخار بدلًا من إنفاقها.
ولذلك، لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن تقليل استخدام الألعاب النارية سيؤدي تلقائيًا إلى زيادة فرص العمل أو الناتج المحلي الإجمالي أو الإيرادات الضريبية.
وتشير الباحثة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي والرفاهية المجتمعية ليسا مفهومًا واحدًا؛ فالأعمال المدفوعة الأجر التي تتعلق بعلاج الإصابات التي يمكن تجنبها أو إزالة التلوث لا تعني بالضرورة أن المجتمع أصبح أفضل حالًا.
ومن ثم، ينبغي أن تقوم المقارنة الاقتصادية على الموازنة بين المتعة التي توفرها الألعاب النارية، والأضرار والموارد والفرص التي يستهلكها استخدامها.
بدائل تقلل الأضرار دون إلغاء الاحتفالات
لا ترى الباحثة أن الحل العملي يقتصر على حظر الألعاب النارية بالكامل وحرمان الناس من الاستمتاع باحتفالات ليلة إشعال النيران، بل تدعو إلى بحث أشكال الاحتفال التي تحقق أكبر قدر من المتعة بأقل قدر ممكن من الأضرار.
ومن بين الخيارات المطروحة تنظيم عروض مركزية، وتقليل إطلاق الألعاب النارية بصورة فردية، وتحديد مواعيد واضحة ومتوقعة للعروض، واختيار مواقع تراعي وجود الحياة البرية وحساسيتها للضوضاء.
كما يمكن الاستعانة بعروض الطائرات المسيّرة والليزر باعتبارها بدائل محتملة، لكن الباحثة تحذر من افتراض أنها مستدامة بالضرورة؛ إذ تحتاج هذه العروض أيضًا إلى الكهرباء والمعدات، ما يستدعي تقييم آثارها البيئية قبل اعتبارها بدائل أفضل.
وتكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة في بريطانيا، بعدما انتهت في أكتوبر 2026 المشاورة الحكومية بشأن الألعاب النارية والمواد المستخدمة في العروض النارية، والتي تلقت أكثر من 140 ألف استجابة من أفراد الجمهور والشركات والجمعيات الخيرية وأطراف معنية أخرى.
وتتيح هذه المشاورة لصناع السياسات فرصة تقييم التكاليف الاجتماعية والبيئية للألعاب النارية، إلى جانب اعتبارات السلامة وتأثيراتها على الأعمال والقيمة الثقافية للاحتفالات.
وتشدد الباحثة على أن أي تقييم اقتصادي موثوق ينبغي أن يكون واضحًا بشأن ما تثبته البيانات، وما لا يمكن حسابه حتى الآن، خصوصًا فيما يتعلق بحجم الوفورات الاقتصادية المحتملة على مستوى البلاد.
فحين تترك الاحتفالات بالألعاب النارية فاتورة يتحملها أشخاص لم يشاركوا فيها، لا يعكس سعر الشراء سوى جزء من تكلفتها الحقيقية.
