من قشرة البيض إلى الفضاء.. تصميم صيني واعد لتقليل مخاطر اصطدام الحطام بالأقمار الصناعية

تصميم يحاكي الطبيعة لمواجهة خطر الحطام الفضائي.. والاختبار العملي لا يزال منتظرًا

في محاولة لتطوير وسائل أكثر كفاءة لحماية المركبات الفضائية والأقمار الصناعية من الحطام المداري، استلهم باحثون صينيون تصميم درع جديد من شكل قشرة البيض، مستخدمين صفوفًا من أغلفة ألمنيوم مجوفة تشبه البيض ومملوءة بالماء، لتفتيت الأجسام المرتطمة وتوزيع طاقتها قبل وصولها إلى الهيكل الذي تحميه.

وأظهرت محاكاة حاسوبية، أن الدرع المقترح خفّض سرعة مقذوف كروي قطره 11 مليمترًا بنسبة 64.9% أثناء مروره عبر طبقات الحماية، مقابل 51% عند اصطدامه بلوح ألمنيوم مسطح، ورغم أن هذه النتائج تشير إلى تحسن محتمل في كفاءة الحماية، فإنها لا تزال نتائج محاكاة، إذ لم تخضع الألواح المصنعة للاختبار الفعلي عند اصطدام مقذوفات عالية السرعة.

حطام فضائي يتحرك بآلاف الكيلومترات في الساعة

تتزايد خطورة الحطام الفضائي مع اتساع النشاط البشري في المدار القريب من الأرض، حيث تتحرك الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية وسط أعداد كبيرة من الأجسام الناتجة عن الأقمار المعطلة ومراحل الصواريخ وبقايا التصادمات السابقة.

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير الأصلي، يوجد نحو 34 ألف جسم من الحطام يزيد حجم كل منها على 10 سنتيمترات، إلى جانب قرابة 900 ألف جسم يتراوح حجمه بين سنتيمتر واحد و10 سنتيمترات، وما يقدر بنحو 128 مليون قطعة أصغر من ذلك.

ونُشرت الدراسة في مجلة الفيزياء التطبيقية (Journal of Applied Physics).

ولا يتوقف الخطر على حجم الجسم وحده، بل على سرعته أيضًا. فالأجسام في المدار الأرضي المنخفض تتحرك عادة بسرعة تقارب 28 ألف كيلومتر في الساعة، وقد تكون السرعة النسبية عند اقتراب جسمين من بعضهما أكبر من ذلك، ما يجعل حتى الشظايا الصغيرة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالمركبات والأجهزة الفضائية.

وتعتمد الدروع التقليدية على مبدأ تفتيت الجسم القادم وتوزيع طاقته قبل أن يصل إلى الهيكل الداخلي. لكن هذه الحماية تصبح أقل فاعلية مع زيادة حجم الحطام، فيما تؤدي إضافة طبقات أخرى من التدريع إلى زيادة الوزن والحجم، وبالتالي ارتفاع تكلفة إطلاق المركبات.

تزداد مشكلة الحطام الفضائي (Space Debris) خطورة عامًا بعد عام

من قشرة البيض إلى درع فضائي

يعود المبدأ الأساسي للدروع المستخدمة في مواجهة الحطام الفضائي إلى عام 1947، عندما اقترح عالم الفلك فريد ويبل تصميمًا يعتمد على لوح خارجي رقيق يفصل بينه وبين الهيكل المراد حمايته فراغ. ويُعرف هذا التصميم باسم درع ويبل.

عندما يصطدم الحطام باللوح الخارجي، يتفتت إلى سحابة من الشظايا تنتشر عبر الفراغ قبل وصولها إلى الجدار الداخلي، فتتوزع طاقتها على مساحة أكبر بدلًا من تركيزها في نقطة واحدة.

لكن هذا التصميم يواجه قيودًا عند التعامل مع الأجسام الأكبر حجمًا، كما أن تعزيز الحماية باستخدام ألواح إضافية أو هياكل قرصية وخلوية قد يزيد الوزن الذي يجب نقله إلى المدار.

لذلك، اتجه فريق البحث بقيادة يوكسين وانج، من جامعة داليان للتكنولوجيا في الصين، إلى تصميم مستوحى من قدرة قشرة البيض على مقاومة الأحمال وتوزيع القوى، رغم هشاشتها النسبية عند تعرضها لضغط موضعي.

وبدأ الباحثون باختبار بيضتين باستخدام جهاز ضغط، وسجلوا انهيارهما عند قوة بلغت نحو 363 و365 نيوتن، ثم استخدموا الشكل الهندسي للقشرة لتصميم وحدات معدنية مجوفة بطول يقارب 12 مليمترًا، وسماكة جدار تبلغ نحو مليمتر واحد، مع ملء كل وحدة بالماء.

كيف تعمل القشور المعدنية؟

تعتمد الفكرة على ترتيب عدد كبير من الأغلفة المعدنية المجوفة بين لوح خارجي ولوح خلفي. وبدلًا من انتقال قوة الاصطدام مباشرة عبر طبقة واحدة، يُفترض أن تتشوه الوحدات تباعًا، بحيث تمتص كل وحدة جزءًا من الطاقة وتنقل المتبقي إلى الوحدات المجاورة.

وتؤدي المياه داخل الأغلفة دورًا إضافيًا؛ إذ تساعد على انعكاس موجات الضغط في اتجاهات متعددة، بينما يتيح الشكل المنحني للقشرة توزيع جزء من الحمل جانبيًا بدلًا من دفعه مباشرة نحو الهيكل المحمي.

وأوضح الباحثون أن هشاشة القشرة الواحدة لا تعني بالضرورة ضعف منظومة القشور مجتمعة، لأن آلية الحماية تعتمد على تتابع التشوهات وتفاعل الوحدات بعضها مع بعض.

وتعكس هذه الفكرة أحد اتجاهات التصميم المستوحى من الطبيعة، المعروف باسم المحاكاة الحيوية، الذي يستفيد من الأشكال والآليات الموجودة في الكائنات الحية لتطوير حلول هندسية جديدة.

تصاعد خطر الحطام الفضائي يدفع شركات لإطلاق مشاريع لإزالة النفايات المدارية

الطرف الضيق يتفوق في المحاكاة

اختبر الفريق ثلاثة ترتيبات للوحدات المعدنية: توجيه الأطراف الضيقة نحو اللوح الأمامي، أو توجيه الأطراف العريضة إليه، أو التناوب بين الاتجاهين.

وأظهرت المحاكاة، أن ترتيب الأطراف الضيقة باتجاه اللوح الأمامي حقق أفضل أداء. ففي هذا التصميم، خرج المقذوف من الدرع بسرعة بلغت نحو 2633 مترًا في الثانية، مقارنة بنحو 3680 مترًا في الثانية عند مروره عبر لوح ألمنيوم مسطح.

وتعادل هذه النتيجة انخفاضًا في السرعة بنسبة 64.9%، مقابل 51% في حالة اللوح المسطح، وفق نتائج الدراسة.
كما أظهرت المقارنة أن الدروع المصنوعة من أغلفة بيضاوية الشكل تفوقت في المحاكاة على ألواح الألمنيوم العادية، وكذلك على تصميمات تستخدم كرات ألمنيوم مملوءة بالماء.

ورصدت النماذج أيضًا فتحات غير منتظمة تشبه البتلات في الألواح المحمية بالقشور، بلغ عرض بعضها 1.8 مرة عرض الفتحة الدائرية التي أحدثها المقذوف في اللوح المسطح.

ويرى الباحثون أن اتساع منطقة الاختراق قد يعكس انتقال جزء أكبر من الطاقة إلى الجوانب، بدلًا من استمرارها في مسار ضيق باتجاه الهيكل الداخلي.

ومع ذلك، فإن انخفاض سرعة المقذوف وحده لا يكفي لإثبات أن الدرع جاهز للاستخدام الفضائي؛ إذ ينبغي تقييم الأضرار التي قد تلحق بالطبقات المختلفة، وسلوك الشظايا المتولدة، وقدرة التصميم على حماية المعدات في ظروف اصطدام حقيقية.

نتائج واعدة.. لكن الاختبار الحقيقي لم يحدث بعد

لم يختبر الفريق الألواح بإطلاق مقذوفات عالية السرعة، لأن هذه التجارب تتطلب معدات متخصصة، مثل المدافع الغازية الخفيفة القادرة على تسريع المقذوفات إلى سرعات تقارب 7.5 كيلومتر في الثانية.

وبدلًا من ذلك، اعتمد الباحثون على المحاكاة الحاسوبية، بعد التحقق من أداء النموذج بمقارنته بنتائج تجربتين منشورتين سابقًا.

وفي إحدى المقارنات، لم يتجاوز الفرق بين سحابة الحطام المتوقعة في المحاكاة والنتيجة المقاسة 3.5%، بينما تراوحت الفروق في تقدير أحجام الثقوب الناتجة في الألمنيوم بين 0.2% و6%.

لكن النموذج المستخدم لا يتتبع تطور كل شق في المادة بصورة تفصيلية، بل يحاكي الانهيار والاختراق على مستوى أوسع. ويحتاج فهم مسار الشقوق وتفاعلها إلى نماذج أكثر دقة.

وقد صنع الباحثون بالفعل نماذج مادية للألواح باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد بمسحوق الألمنيوم، ثم ملأوا الأغلفة بالماء ولحموها بالليزر بين الألواح.

ومع ذلك، لم تخضع هذه النماذج بعد لاختبارات اصطدام فعلية، ولذلك تظل المقارنة بين الترتيبات المختلفة قائمة على نتائج المحاكاة.

الحطام الفضائي

ماذا تعني النتائج لمستقبل حماية الأقمار الصناعية؟

إذا أكدت الاختبارات العملية قدرة التصميم على تبديد طاقة الاصطدام بصورة أفضل، فقد يفتح الباب أمام تطوير دروع أكثر كفاءة لمواجهة بعض أنواع الحطام المداري، مع دراسة وزنها وحجمها وتكلفة تصنيعها مقارنة بالحلول التقليدية.

لكن القيمة الحقيقية للتقنية ستتحدد بقدرتها على حماية المعدات في ظروف فضائية واقعية، وليس بمجرد تفوقها في نموذج حاسوبي. وحتى ذلك الحين، تظل قشور الألمنيوم المملوءة بالماء فكرة هندسية واعدة تحتاج إلى اختبار قبل اعتمادها درعًا فعليًا للأقمار الصناعية والمركبات الفضائية.

↑
Exit mobile version