احتمال بنسبة 83% لتجاوز قوة الظاهرة مستويات أحداث إل نينيو منذ 1950 خلال أكتوبر وديسمبر.. ارتفاع حرارة المياه وتغير مستوى سطح البحر وتراجع العوالق النباتية تكشف آثار الظاهرة
ترصد وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» تطورات ظاهرة «إل نينيو» المناخية خلال عام 2026، باستخدام مجموعة من الأقمار الصناعية التي تكشف تغيرات لافتة في حرارة المحيط الهادئ ومستوى سطح البحر ولون المياه، في مؤشرات تساعد العلماء على فهم التأثيرات المحتملة للظاهرة على أنماط الطقس والنظم البيئية البحرية حول العالم.
وتأتي هذه المتابعة في وقت تشير فيه توقعات الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، الصادرة في 8 أكتوبر 2026، إلى احتمال بنسبة 83% لأن يتجاوز الحدث المرتقب قوة أحداث إل نينيو المسجلة منذ عام 1950، خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026.
كما ترجح التوقعات استمرار ظاهرة قوية إلى قوية جدًا حتى الفترة من يناير إلى مارس 2027.
وتُعد «إل نينيو» نمطًا مناخيًا طبيعيًا يتكرر عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، ويرتبط بارتفاع درجات حرارة المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى تغيرات في الرياح التجارية وتوزيع الحرارة بين المحيط والغلاف الجوي وأنماط هطول الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.
وتكتسب متابعة الظاهرة أهمية خاصة لما قد تتركه من آثار على الزراعة والموارد المائية والأنظمة البيئية البحرية والمجتمعات الساحلية، وإن كانت طبيعة هذه التأثيرات وشدتها تختلف باختلاف المناطق والظروف المناخية المحلية.
ارتفاع مستوى سطح البحر.. أولى إشارات إل نينيو
كشفت بيانات الأقمار الصناعية عن إحدى الإشارات المبكرة للظاهرة في يناير 2026، عندما رُصدت موجة من المياه الدافئة قرب ميكرونيزيا في غرب المحيط الهادئ، عُرفت باسم «موجة كلفن».
وتتحرك موجات كلفن ببطء عبر المحيط لمسافات تصل إلى آلاف الأميال، وتنقل الحرارة من غرب المحيط الهادئ نحو شرقه، ما يؤدي إلى تغيرات في توزيع حرارة المياه ومستوى سطح البحر.
ومع وصول المياه الدافئة إلى المناطق الشرقية من المحيط، تسخن طبقات الهواء القريبة من سطحها، وتؤثر في توزيع الضغط الجوي، الأمر الذي يمكن أن يضعف الرياح التجارية أو يعكس اتجاهها في بعض الظروف، ويسهم في استمرار ارتفاع حرارة المياه.
وبحلول أوائل أبريل 2026، كانت موجات المياه الدافئة قد وصلت إلى شرق المحيط الهادئ، وبدأت درجات حرارة سطح البحر في الارتفاع.
وتوضح خرائط ناسا أن تمدد المياه الدافئة حراريًا أدى إلى ارتفاع مستوى سطح البحر محليًا في بعض المناطق بنحو 30 إلى 40 سنتيمترًا، أي ما يعادل قدمًا إلى 1.3 قدم تقريبًا.
وفي المقابل، ظهرت مستويات أقل من المعتاد بنحو 15 إلى 20 سنتيمترًا قرب إندونيسيا وشمال أستراليا.
وقال جوش ويليس، عالم مشروع بعثات قياس مستوى سطح البحر في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، إن موجات كلفن تشبه نبضات القلب التي تكشف تطور ظاهرة إل نينيو، فيما تتيح أقمار قياس مستوى سطح البحر للعلماء متابعة هذه التغيرات داخل المحيط.
وتستخدم الأقمار الصناعية تقنيات قياس الارتفاع الراداري لمراقبة مستوى سطح البحر بدقة عالية منذ عام 1993، وتستمر هذه السلسلة من القياسات عبر أقمار «سنتينل-6»، التي تقيس ارتفاع المياه في محيطات العالم بصورة دورية، وتكمل بيانات العوامات وأجهزة الاستشعار البحرية التابعة للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي.
حرارة المحيط الهادئ ترتفع فوق المعدلات المعتادة
تُعد درجات حرارة مياه المحيط من أبرز المؤشرات على تطور ظاهرة إل نينيو، إذ سجلت المياه السطحية في شرق المحيط الهادئ ارتفاعًا بنحو 1.7 درجة مئوية فوق المتوسط طويل الأجل، وفقًا للبيانات التي أوردتها ناسا في تقريرها المنشور في 15 أكتوبر 2026.
وتستخدم الأقمار الصناعية المزودة بأجهزة قياس الأشعة تحت الحمراء والميكروويف رصد الطاقة الحرارية عند سطح البحر، بما يساعد على متابعة انتشار المياه الدافئة حتى في ظل وجود السحب.
وأظهرت الخرائط امتداد نطاق من المياه الأعلى حرارة من المعتاد عبر مساحات شاسعة من المحيط الهادئ وصولًا إلى سواحل أمريكا الجنوبية.
وتتجاوز أهمية هذه التغيرات حدود المحيط نفسه، إذ تؤثر حرارة المياه في كمية الحرارة والرطوبة المنتقلة إلى الغلاف الجوي، بما ينعكس على تشكل العواصف وتوزيع الأمطار وتغير أنماط الطقس في مناطق متباعدة من العالم.
ومع ذلك، لا تعني زيادة حرارة المحيط أن جميع المناطق ستشهد الظروف الجوية نفسها؛ إذ تعتمد التأثيرات الفعلية على التفاعل بين إل نينيو والأنظمة الجوية الموسمية والعوامل المناخية الأخرى.
لماذا يتحول لون المحيط إلى الأزرق؟
من بين المؤشرات اللافتة التي رصدتها ناسا خلال عام 2026 تغير لون أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، حيث أصبحت المياه أكثر ميلًا إلى اللون الأزرق، في تحول يرتبط بتراجع وفرة العوالق النباتية المجهرية في بعض المناطق.
وتشكل العوالق النباتية قاعدة أساسية في الشبكة الغذائية البحرية، كما تؤدي دورًا مهمًا في دورات الكربون والعناصر الغذائية داخل المحيطات.
وتزدهر هذه الكائنات في المياه الباردة نسبيًا والغنية بالمغذيات. لكن خلال ظاهرة إل نينيو، يؤدي ضعف الرياح التجارية إلى تقليل صعود المياه العميقة الغنية بالمغذيات إلى سطح المحيط، وهي عملية تُعرف باسم «التيارات الصاعدة».
ومع انخفاض إمدادات المغذيات، يمكن أن تتراجع وفرة العوالق النباتية، فتتغير الخصائص اللونية للمياه، وقد تمتد آثار هذا التراجع إلى الأسماك والكائنات البحرية الأخرى التي تعتمد عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الغذاء.
وتراقب ناسا هذه التغيرات باستخدام القمر الصناعي «PACE»، الذي أُطلق عام 2024، ويحمل جهازًا لرصد ألوان المحيطات عبر مئات الأطوال الموجية من الضوء المرئي وتحت الأحمر القريب وفوق البنفسجي.
وتتيح هذه القياسات للعلماء تحليل الاختلافات الدقيقة في لون المياه، واستخدامها مؤشرات على التغيرات التي تطرأ على العوالق النباتية ومكونات النظام البيئي البحري.
وأظهرت مقارنة بيانات عامي 2025 و2026 تقلص المناطق ذات اللون الأخضر في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، بالتزامن مع اتساع المناطق الأكثر زرقة، وهو ما يتوافق مع انخفاض وفرة العوالق النباتية في تلك المناطق.
وتوفر هذه المشاهدات فرصة مهمة لفهم استجابة الحياة البحرية لتغيرات المحيطات، خصوصًا أن ظاهرة إل نينيو الحالية تمثل أول حدث من هذا النوع منذ إطلاق القمر الصناعي «PACE»، ما يتيح للباحثين الاستفادة من قدراته في متابعة الظاهرة وتحليل آثارها.
الأقمار الصناعية تكشف تغيرات المناخ من الفضاء
تجمع ناسا بين بيانات ارتفاع سطح البحر ودرجات حرارة المياه ومؤشرات ألوان المحيطات لتكوين صورة متكاملة عن تطور إل نينيو.
وتساعد هذه المؤشرات المتكاملة على تتبع حركة المياه الدافئة، وقياس التغيرات الحرارية، ورصد الاستجابات البيولوجية داخل المحيطات، بما يعزز قدرة العلماء على فهم العلاقة بين المحيط والغلاف الجوي.
وتستند قياسات ارتفاع سطح البحر إلى بيانات أقمار «سنتينل-6»، بينما توفر أجهزة الرصد الحراري معلومات عن درجات حرارة المياه، ويضيف القمر «PACE» بيانات عن ألوان المحيطات والعوالق النباتية.
وتواصل فرق ناسا تحليل هذه البيانات لمراقبة تطور الظاهرة وتأثيراتها، في ظل توقعات بحدث قوي قد يؤثر في أنماط الطقس والأنظمة البيئية خلال الأشهر المقبلة.
وقال ويليس إن ظاهرة إل نينيو تؤثر بصورة أو بأخرى في معظم سكان العالم كلما حدثت، مشيرًا إلى أن دراسة المحيطات تساعد العلماء على فهم أسباب هذه التأثيرات وآليات حدوثها.
وتؤكد هذه المتابعة أهمية مراقبة المحيطات بوصفها عنصرًا أساسيًا في النظام المناخي العالمي، إذ يمكن للتغيرات التي تبدأ في مياه المحيط الهادئ أن تمتد آثارها إلى الأمطار والزراعة والموارد المائية والحياة البحرية، ما يجعل الرصد المبكر وتحسين التوقعات المناخية من الأدوات المهمة للاستعداد للمخاطر البيئية.
