الأطعمة فائقة المعالجة ترفع الإنسولين أكثر من الوجبات الطبيعية رغم تطابق القيم الغذائية
تشير تجربة على بالغين أصحاء إلى أن تشابه السعرات والبروتينات والدهون لا يعني بالضرورة استجابة الجسم والدماغ بالطريقة نفسها للطعام؛ لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تحسم التأثيرات الصحية طويلة الأمد.
قد تبدو وجبتان متطابقتين تقريبًا في السعرات الحرارية والدهون والبروتينات والكربوهيدرات، لكن الجسم لا يتعامل معهما بالضرورة بالطريقة نفسها.
فقد كشفت دراسة حديثة، أن تناول وجبة فائقة المعالجة ارتبط باستجابة أعلى لهرمون الإنسولين، وتغيرات في استهلاك الطاقة وحرق الكربوهيدرات، مقارنة بوجبة أقل معالجة تحتوي على قيم غذائية متقاربة للغاية.
ولم تقتصر الاختلافات على العمليات الأيضية؛ إذ رصد الباحثون أيضًا أنماطًا مختلفة من نشاط الدماغ عند تقييم صور الأطعمة، رغم أن المشاركين عرضوا مبالغ متقاربة لشراء النوعين.
قاد الدراسة الباحثان زاك هوتلين وأليكس ديفيليسيو، من معهد فرالين للأبحاث الطبية الحيوية في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، ونُشرت نتائجها في دورية Nature Metabolism.
وجبتان متقاربتان في السعرات والمكونات الغذائية

شارك في الدراسة 57 شخصًا بالغًا يتمتعون بصحة جيدة، تراوحت أعمارهم بين 18 و45 عامًا، وأكمل 32 منهم جلستي تناول الوجبتين للمقارنة المباشرة بين استجابة أجسامهم لكل منهما.
اعتمد الباحثون على نظام «نوفا» لتصنيف الأغذية وفق درجة معالجتها، وقارنوا وجبة تضم أطعمة قليلة المعالجة بوجبة مكونة من منتجات فائقة المعالجة.
تضمنت الوجبة الأقل معالجة بيضة مسلوقة وموزًا وتوتًا بريًا مجففًا وجبنًا وقليلًا من ملح البحر.
أما الوجبة فائقة المعالجة، فاشتملت على شرائح ديك رومي مصنّعة وبطاطس مهروسة فورية وقطعة بسكويت وحبوب قمح مغطاة بالسكر ورقائق خضراوات وسندويتش صغير بزبدة الفول السوداني والمربى.
بلغت الطاقة في كل وجبة نحو 300 سعرة حرارية، ولم تتجاوز الفروق بينهما 1.6% في الوزن والسعرات والكربوهيدرات والدهون والبروتين والألياف والملح والماء.
وبهذه الطريقة، سعى الفريق إلى تقليل أثر الاختلافات التقليدية في التركيب الغذائي، واختبار ما إذا كانت درجة المعالجة قد ترتبط باستجابات مختلفة.

الإنسولين يرتفع رغم تقارب مستويات سكر الدم
خضع المشاركون للاختبار بعد صيام طوال الليل، وتناولوا كل وجبة خلال عشر دقائق، ثم أمضوا ثلاث ساعات تحت القياس، مع سحب عينات دم متكررة ومراقبة استهلاك الجسم للطاقة داخل غرفة متخصصة لقياس الأيض.
وأظهرت النتائج، أن مستويات سكر الدم الإجمالية كانت متقاربة بعد تناول الوجبتين، كما بلغت ذروتها في كلتيهما بعد نحو 40 دقيقة.
لكن استجابة الإنسولين كانت مختلفة؛ إذ ارتفعت بدرجة أكبر بعد تناول الوجبة فائقة المعالجة، وظلت مستوياته أعلى خلال الفترة الممتدة من 40 دقيقة إلى ساعتين بعد تناول الطعام.
والإنسولين هرمون يساعد على انتقال الجلوكوز من الدم إلى الخلايا، حيث يُستخدم لإنتاج الطاقة أو يُخزَّن بحسب احتياجات الجسم.
ورأى الباحثون، أن ارتفاع استجابة الإنسولين مع تقارب مستويات سكر الدم يشبه أحد الأنماط التي قد تُلاحظ عند انخفاض حساسية الجسم للإنسولين، لكنهم لم يختبروا في هذه التجربة تطور مقاومة الإنسولين أو خطر الإصابة بالسكري على المدى الطويل؛ إذ اقتصرت المقارنة على استجابة الجسم لوجبة واحدة.
تغيرات في استهلاك الطاقة وحرق الكربوهيدرات

رصد الباحثون أيضًا اختلافات في كيفية استخدام الجسم للطاقة بعد الوجبتين، فقد ظل معدل الأيض أعلى بعد الوجبة فائقة المعالجة، بينما حرق المشاركون كمية أقل من الكربوهيدرات واستخدموا الدهون بنسبة أكبر نسبيًا لتوفير الطاقة.
ولا تعني هذه النتيجة، في حد ذاتها، أن الوجبة فائقة المعالجة كانت أكثر فائدة أو ضررًا من ناحية حرق الدهون؛ فالدراسة لم تقيس تغير الوزن على المدى الطويل، ولم تحدد ما إذا كانت الفروق القصيرة الأمد تؤدي إلى نتائج صحية مستمرة.
وطرح الباحثون احتمال أن تؤثر خصائص التصنيع في سرعة تفكك الطعام ومضغه وهضمه، فكثير من المنتجات فائقة المعالجة يتميز بتركيبة أكثر ليونة أو سهولة في التفكك داخل الفم، وهو ما قد يرتبط بطريقة تعامل الجهاز الهضمي معها.
لكن الدراسة لم تقِس البنية الفيزيائية للأطعمة بصورة شاملة، كما اختلفت مصادر البروتين بين الوجبتين، وهو عامل قد يكون أسهم بدوره في اختلاف استجابة الإنسولين.
الدماغ قيّم صور الأطعمة بطريقة مختلفة
امتدت التجربة إلى دراسة نشاط الدماغ، إذ شاهد المشاركون صورًا لـ28 نوعًا من الطعام، نصفها من الأطعمة فائقة المعالجة والنصف الآخر من الأطعمة الأقل معالجة، وطُلب منهم تقديم عروض مالية تتراوح بين صفر وخمسة دولارات لشراء كل نوع.
لم تظهر فروق كبيرة في المبالغ التي عرض المشاركون دفعها مقابل الفئتين، لكن أنماط نشاط الدماغ المرتبطة بهذه العروض اختلفت.
فبالنسبة إلى الأطعمة الأقل معالجة، ارتبطت العروض الأعلى بنشاط أكبر في أجزاء من النظام البصري ومناطق مرتبطة بالمكافأة.
أما في حالة الأطعمة فائقة المعالجة، فقد ارتبطت العروض الأعلى بنشاط أقل في هذه المناطق.
وقالت أليكس ديفيليسيو لموقع Earth.com ، إن القيمة التي يعكسها نشاط الدماغ بدت وكأنها ممثلة بطريقة معاكسة بين الفئتين، لكنها شددت على أن الباحثين لا يعرفون بعد كيف ينبغي تفسير هذا النمط.
وفي مجموعة فرعية ضمت 29 مشاركًا توفرت لديهم بيانات صالحة من اختبارات الوجبات وتصوير الدماغ، ارتبط الفرق في حرق الكربوهيدرات بين الوجبتين بكيفية استجابة نظام المكافأة في الدماغ لصور الطعام.
ومع ذلك، فإن مشاهدة صور الأطعمة داخل جهاز التصوير لا تعادل تناولها فعليًا، كما لا تثبت أن أنماط النشاط المرصودة ستؤثر في اختيارات الطعام اليومية أو كمية ما يأكله الأشخاص.
ماذا تعني النتائج عند قراءة الملصقات الغذائية؟

تسلط الدراسة الضوء على نقطة مهمة في تقييم الأغذية: الملصق الغذائي يقدم معلومات أساسية عن السعرات والمغذيات، لكنه لا يوضح بالضرورة جميع الخصائص المرتبطة بدرجة التصنيع أو كيفية استجابة الجسم للطعام.
ومع ذلك، لا تثبت التجربة أن المعالجة الصناعية وحدها كانت السبب في جميع الفروق، لأن الوجبتين اختلفتا أيضًا في بعض المكونات ومصادر البروتين والإضافات، ولم يتمكن الباحثون من عزل تأثير كل عامل على حدة.
كذلك، اقتصرت الدراسة على وجبات صغيرة نسبيًا، ومشاركين أصحاء في سن الشباب والبلوغ المبكر، ولم تختبر الآثار الناتجة عن تناول هذه الأطعمة على مدى أشهر أو سنوات.
وتخطط ديفيليسيو وفريقها لدراسة وجبات أكبر، وفترات متابعة أطول، ومجموعات متنوعة من الأشخاص، إلى جانب فحص تأثير إضافات غذائية مختلفة، بما فيها المواد التي تغير الحلاوة والإحساس بقوام الطعام داخل الفم.
وتبقى المسألة الأساسية التي لم تحسمها الدراسة هي ما إذا كانت الاختلافات الأيضية والعصبية التي تظهر بعد وجبة واحدة تتراكم مع تكرار تناول الأغذية فائقة المعالجة، وتؤدي إلى آثار صحية ملموسة على المدى الطويل.





