ارتفاع سرطان الجلد عالميًا يعيد الجدل حول سلامة واقيات الشمس

العلم يحذر: الحماية من الشمس قد تتحول إلى تهديد للبحار وصحة الإنسان.. إعادة النظر في صناعة واقيات الشمس

في ظل تسارع وتيرة تغير المناخ عالميًا، لم تعد قضية التعرض لأشعة الشمس مجرد مسألة موسمية، بل تحولت إلى تحدٍ صحي وبيئي متداخل الأبعاد، يجمع بين ارتفاع معدلات سرطان الجلد من جهة، وتصاعد المخاوف من التأثيرات البيئية لوسائل الحماية، وعلى رأسها واقيات الشمس، من جهة أخرى.

تشير الأدلة العلمية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية، إلى جانب التغيرات في طبقة الأوزون، يؤديان إلى زيادة كثافة الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى سطح الأرض، وهو ما يسهم بشكل مباشر في ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الجلد، خاصة في المناطق الأكثر تعرضًا للشمس.

وتوضح الدراسات أن الأشعة فوق البنفسجية تُحدث تلفًا مباشرًا في الحمض النووي لخلايا الجلد، ما يؤدي إلى طفرات جينية قد تتطور إلى أنواع مختلفة من السرطان، مثل سرطان الخلايا القاعدية وسرطان الخلايا الحرشفية، إضافة إلى الميلانوما، وهو أخطر أنواع سرطان الجلد.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، يميل الأفراد إلى قضاء وقت أطول في الهواء الطلق، ما يزيد من التعرض للأشعة الضارة، ويُفاقم المخاطر الصحية، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن وسكان المناطق ذات الإشعاع الشمسي المرتفع.

واقيات الشمس في عصر المناخ المتغير.. توازن صعب بين الوقاية والتلوث

آلاف الأطنان تتسرب سنويًا إلى البيئة المائية

في هذا السياق، تلعب واقيات الشمس دورًا محوريًا في الحد من هذه المخاطر، إذ تُعد وسيلة فعالة ومثبتة للوقاية من حروق الشمس وتقليل احتمالات الإصابة بسرطان الجلد. إلا أن هذا الحل الوقائي يطرح بدوره تحديات بيئية متزايدة.

تعتمد معظم واقيات الشمس على مرشحات للأشعة فوق البنفسجية، سواء كانت كيميائية تمتص الأشعة أو معدنية تعكسها.

وتُظهر التقديرات أن آلاف الأطنان من هذه المواد تتسرب سنويًا إلى البيئة المائية، خاصة في المناطق الساحلية، نتيجة استخدامها المباشر أو انتقالها عبر مياه الصرف الصحي.

وتُصنف هذه المواد ضمن الملوثات «شبه الدائمة»، حيث تبقى في البيئة لفترات طويلة، وقد تتحلل إلى مركبات أكثر سمية. وقد أثبتت الأبحاث تأثيرها في الكائنات البحرية، بما في ذلك الشعاب المرجانية التي تتعرض لظاهرة الابيضاض، إضافة إلى تأثيراتها في الأسماك والأعشاب البحرية والكائنات الدقيقة.

واقيات الشمس والبيئة البحرية

التراكم الحيوي داخل الكائنات البحرية

كما كشفت دراسات حديثة عن قدرة هذه المواد على التراكم الحيوي داخل الكائنات البحرية، ما يثير مخاوف بشأن انتقالها عبر السلسلة الغذائية إلى الإنسان، خاصة في ظل اعتماد مليارات الأشخاص على الأسماك كمصدر رئيسي للبروتين.

ولا تقتصر المخاوف على البيئة، إذ تشير بعض الدراسات إلى احتمال امتصاص مكونات واقيات الشمس عبر الجلد ووصولها إلى مجرى الدم، مع وجود شكوك حول تأثيرها في النظام الهرموني، خاصة لدى النساء خلال فترات الحمل، رغم الحاجة إلى مزيد من الأدلة العلمية الحاسمة.

وتزداد خطورة هذه المركبات عند تفاعلها مع ملوثات أخرى، مثل البلاستيك، حيث يمكن أن تؤدي إلى إبطاء تحلله وتعزيز نمو الكائنات الدقيقة الضارة، ما يخلق سيناريو «تلوثًا مركبًا» أكثر تعقيدًا وخطورة.

واقيات الشمس الطبيعية

في المقابل، تثير الادعاءات التسويقية المتعلقة بمنتجات «صديقة للشعاب المرجانية» جدلًا واسعًا، إذ يشير خبراء إلى أن كثيرًا منها يفتقر إلى أدلة علمية كافية، وقد يندرج ضمن ممارسات «الغسل الأخضر» التي تضلل المستهلكين.

ورغم التوجه نحو استخدام واقيات الشمس المعدنية باعتبارها أقل ضررًا، فإن بعض الدراسات الحديثة أظهرت أن تأثيرها ليس خاليًا من المخاطر، ما يؤكد الحاجة إلى تقييم شامل للمنتجات في صورتها النهائية، وليس فقط لمكوناتها الفردية.

إعادة النظر في صناعة واقيات الشمس

في ضوء هذه المعطيات، يدعو الخبراء إلى إعادة النظر في صناعة واقيات الشمس، من خلال تبني مبادئ «الكيمياء الخضراء» لتطوير منتجات آمنة ومستدامة، وتعزيز الشفافية في الإفصاح عن المكونات، وإجراء اختبارات طويلة الأجل لتقييم السلامة البيئية والصحية.

كما تبرز الحاجة إلى سياسات تنظيمية أكثر صرامة، على غرار الحظر الذي فرضته بعض الدول على مكونات معينة، لحماية النظم البيئية الحساسة، خاصة الشعاب المرجانية.

وفي الوقت ذاته، يشدد العلماء على أن هذه التحديات لا تعني التخلي عن واقيات الشمس، بل استخدامها بوعي، إلى جانب اعتماد وسائل وقائية أخرى مثل ارتداء الملابس الواقية، واستخدام القبعات، وتجنب التعرض المباشر للشمس خلال ساعات الذروة.

دعوات عاجلة لإعادة تنظيم صناعة واقيات الشمس عالميًا

في النهاية، تعكس هذه القضية تعقيد العلاقة بين الإنسان والبيئة في عصر التغير المناخي، حيث يصبح تحقيق التوازن بين حماية الصحة العامة والحفاظ على النظم البيئية ضرورة ملحة تتطلب تعاونًا علميًا وتشريعيًا عالميًا.

Exit mobile version