أخبارتغير المناخ

حرائق إندونيسيا المدفوعة بظاهرة «إل نينيو» تلتهم نحو 300 منزل وتهدد إنسان الغاب

إندونيسيا تواجه أسوأ حرائق منذ عقد.. دخان سام وخسائر تهدد التنوع البيولوجي

إجلاء قرابة ألف شخص وسط أسوأ ظروف حرائق تشهدها البلاد منذ عقد.. والدخان يفاقم تلوث الهواء في سنغافورة وماليزيا، بينما تتعرض غابات بورنيو لموجة جديدة من تدمير الموائل الطبيعية.

تتسع تداعيات حرائق الغابات والأراضي في إندونيسيا مع اشتداد الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إل نينيو»، بعدما دمرت النيران قرابة 300 منزل في قرية بإقليم بانجكا بليتونج، وأجبرت مئات الأسر على مغادرة منازلها، فيما تواجه الحياة البرية خسائر واسعة مع امتداد الحرائق إلى مناطق غنية بالتنوع البيولوجي.

وقال مسؤولون محليون إن نحو ألف شخص فروا من القرية المتضررة، الواقعة في جزيرة سومطرة، بعدما اجتاحت النيران المساكن بسرعة، في وقت تكافح فيه البلاد حرائق واسعة ودخانًا كثيفًا يهدد صحة السكان ويؤثر في جودة الهواء داخل إندونيسيا وخارجها.

ووصف مسؤولون الظروف الحالية بأنها الأسوأ خلال عشر سنوات، بينما تشير تقديرات محللين إلى أن المساحات المحترقة والانبعاثات الكربونية قد تقترب من المستويات القياسية التي سجلتها حرائق عام 2015، إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو.

حرائق الغابات

نيران تحت التربة تعود لتلتهم المنازل

بدأت الأزمة عندما لاحظ سكان القرية اقتراب النيران يوم السبت، وحاولوا السيطرة عليها باستخدام مضخات مياه محمولة، ظنًا منهم أنهم تمكنوا من إخماد الحريق.

لكن طبيعة الأراضي الخثية التي اندلعت فيها النيران جعلت السيطرة عليها أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن أن تستمر الحرائق مشتعلة تحت سطح الأرض، حتى بعد اختفاء ألسنة اللهب الظاهرة، ثم تعود إلى الانتشار عندما تتغير اتجاهات الرياح.

وأوضح رئيس منطقة جنوب بانغكا، ريزا هيردافيد، أن السكان اعتقدوا أن الحريق انتهى، لكن النيران ظلت مشتعلة تحت الأرض، قبل أن تدفعها الرياح نحو التجمع السكني بسرعة.

وقالت ليني، وهي امرأة تبلغ من العمر 55 عامًا لجأت إلى مركز إيواء مع أسرتها، إن منزلها دُمر بالكامل، وإنها لم تتمكن من إنقاذ سوى نفسها وأطفالها، بعدما باغتتها النيران ولم تترك لها وقتًا لجمع متعلقاتها.

وأشار هيردافيد إلى أن القرية أُقيمت على أرض كانت في الأصل منطقة خثية محمية، قبل تحويلها إلى مجمع سكني خلال العام الماضي، وهو ما يسلط الضوء على المخاطر التي قد تنشأ عندما تتداخل التجمعات السكنية مع الأراضي الطبيعية القابلة للاشتعال.

إل نينيو والجفاف يرفعان مخاطر الحرائق

تُعد إندونيسيا من البلدان الأكثر تعرضًا لموجات الحرارة والجفاف والحرائق خلال سنوات ظاهرة «إل نينيو»، وهي ظاهرة مناخية طبيعية ترتبط بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، ويمكن أن تؤثر في أنماط الأمطار والحرارة في مناطق واسعة من العالم.

وفي إندونيسيا، يمكن أن يؤدي تراجع الأمطار واشتداد الجفاف إلى تجفيف الغطاء النباتي والأراضي الخثية، ما يجعلها أكثر قابلية للاشتعال ويساعد على انتشار النيران واستمرارها لفترات طويلة.

وتكتسب حرائق الأراضي الخثية خطورة إضافية لأن الخث يتكون من مواد نباتية متحللة تراكمت في تربة مشبعة بالمياه على مدى فترات طويلة. وعندما تجف هذه الأراضي، تصبح طبقاتها العضوية قابلة للاحتراق، وقد تستمر النيران داخلها بعيدًا عن الأنظار، ما يصعّب اكتشاف بؤر الحريق وإخمادها بالكامل.

وتقول الحكومة الإندونيسية إن الظروف الحالية هي الأسوأ منذ عقد، فيما يحذر محللون من أن المساحات المتضررة والانبعاثات الناتجة عن الحرائق قد تقترب من أرقام عام 2015، الذي شهد احتراق نحو 2.6 مليون هكتار وإطلاق ما يقدر بنحو 333 مليون طن من الكربون.

ولا تعني هذه التقديرات أن الأرقام القياسية قد تحققت بالفعل، لكنها تشير إلى احتمال تصاعد الأزمة إذا استمرت الحرائق والجفاف خلال الأسابيع المقبلة.

الدخان يفاقم الأزمة الصحية في المنطقة

لم تقتصر آثار الحرائق على تدمير المنازل والغابات، إذ تسببت في انتشار ضباب دخاني كثيف داخل مناطق إندونيسية عدة، بالتزامن مع تسجيل عشرات الآلاف من حالات الأمراض التنفسية المرتبطة بتلوث الهواء.

كما امتد أثر الدخان إلى سنغافورة وماليزيا، في تذكير بتجاوز أضرار حرائق الغابات الحدود الوطنية، خصوصًا عندما تحمل الرياح الجسيمات الدقيقة والملوثات الناتجة عن احتراق الغطاء النباتي والأراضي العضوية إلى الدول المجاورة.

وتتزايد المخاطر الصحية مع استمرار التعرض للدخان، ولا سيما لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض الجهاز التنفسي والقلب. ويمكن للجسيمات الدقيقة المحمولة في الهواء أن تتغلغل إلى أعماق الرئتين، ما يزيد احتمالات تهيج الجهاز التنفسي وتفاقم بعض الحالات المرضية.

ولا تزال مكافحة الحرائق تواجه عقبات ميدانية؛ إذ أدى الدخان الكثيف في إحدى مناطق جزيرة بورنيو إلى تعطيل طلعات طائرات مكافحة الحرائق التي تستخدم المياه لإخماد النيران، وفقًا لوكالة إدارة الكوارث.

حرائق الغابات

إنسان الغاب يفقد موائله مع اتساع النيران

تمتد الخسائر إلى الحياة البرية، مع انتشار الحرائق في مناطق تضم غابات استوائية تُعد موائل لأنواع مهددة بالانقراض، أبرزها إنسان الغاب في جزيرة بورنيو.

وخلال الأسبوع الجاري، نُقلت مجموعة تضم ثمانية من إنسان الغاب إلى غابة باتو نيومبو المحمية، باستخدام السيارات والقوارب، في محاولة لإنقاذها من الحرائق ونقلها إلى مكان أكثر أمانًا.

ووفقًا لوكالة الحفاظ على الموارد الطبيعية في غرب كاليمانتان، جرى إنقاذ ما لا يقل عن 46 من إنسان الغاب منذ أغسطس الماضي.

لكن العدد الفعلي للحيوانات التي نفقت جراء الحرائق لا يزال غير معروف، ويحذر خبراء من أن الخسائر قد تكون كبيرة، سواء بسبب الاحتراق المباشر أو فقدان الغذاء والماء والمأوى.

وأفاد الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة بأن الحرائق أثرت في موائل تضم نحو 52% من إجمالي جماعات إنسان الغاب في بورنيو، وهو ما يعكس اتساع نطاق التهديد الذي تتعرض له هذه الحيوانات المصنفة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشدة.

ولا تنتهي الأزمة بالنسبة للحيوانات بمجرد إخماد النيران؛ إذ يمكن أن تظل الغابات المتضررة عاجزة عن توفير الغذاء والمياه والملاجئ لفترات طويلة، بينما يؤدي الجفاف إلى تقليص الموارد المتاحة أمام الأنواع التي نجت من الحريق.

حرائق الغابات

القرود والفيلة والبانجولين ضمن الأنواع المتضررة

إلى جانب إنسان الغاب، عُثر على قرود اللانجور الفضية وقرود المكاك طويلة الذيل وقرود الخرطوم نافقة بين الرماد أو بالقرب من البرك التي جفت مياهها.

كما يُرجح أن تمتد آثار الحرائق إلى أنواع أخرى، بينها الفيلة والجيبون والبانجولين والسلاحف، سواء نتيجة تدمير الموائل أو نقص الغذاء والمياه أو اضطرار الحيوانات إلى التحرك نحو مناطق مأهولة بحثًا عن الموارد.

ويعني احتراق الغابات أن الحيوانات قد تفقد مناطق التكاثر والاختباء ومسارات الحركة التي تعتمد عليها، فيما يمكن أن يؤدي تراجع الغطاء النباتي إلى اضطراب العلاقات الغذائية داخل النظم البيئية.

وتزداد صعوبة التعافي عندما تتكرر الحرائق قبل أن تتمكن الغابات من استعادة غطائها النباتي، أو عندما تتزامن الأضرار مع الجفاف وتدهور الأراضي.

الحكومة تحشد أكثر من 60 ألف فرد لمكافحة الحرائق

في مواجهة اتساع الأزمة، أصدر الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، يوم الاثنين، توجيهات إلى الحكومة بتعبئة أقصى الإمكانات لإخماد الحرائق التي ظلت مشتعلة لنحو ثلاثة أشهر في بعض المناطق.

وقال سكرتير مجلس الوزراء، تيدي إندرا ويجايا، إن الحكومة نشرت أكثر من 60 ألف فرد على الأرض للمشاركة في عمليات المكافحة والاستجابة للحرائق.

لكن استمرار اشتعال النيران تحت سطح الأراضي الخثية، وانتشار الدخان الكثيف، وصعوبة وصول فرق الإطفاء إلى بعض المواقع، تجعل السيطرة الكاملة على الحرائق مهمة معقدة.

وحذرت السلطات من احتمال استمرار الحرائق حتى نوفمبر، وهو الشهر الذي يُتوقع أن تبلغ فيه ظاهرة «إل نينيو» ذروتها وفق التقديرات الواردة في التقرير.

ويظل توقيت انحسار الحرائق مرتبطًا بتطور الأحوال الجوية، وعودة الأمطار، وقدرة فرق الإطفاء على الوصول إلى بؤر النيران وإخمادها، خصوصًا في المناطق الخثية التي قد تستمر فيها الحرائق بعيدًا عن السطح.

حرائق الغابات

أزمة تتجاوز إخماد النيران

تكشف الحرائق الحالية عن تداخل ثلاثة تحديات رئيسية: الظروف المناخية التي تزيد مخاطر الجفاف والاشتعال، واستخدام الأراضي الطبيعية في التوسع العمراني، والآثار البيئية والصحية العابرة للحدود.

فإخماد النيران وحده لا يكفي لمعالجة تداعيات الأزمة، إذا ظلت الأراضي الخثية جافة وقابلة للاشتعال، أو استمر تدهور الغابات وتحويل الموائل الطبيعية إلى استخدامات أخرى.

كما أن الأضرار التي لحقت بإنسان الغاب وغيرها من الأنواع البرية قد تستمر بعد انتهاء موسم الحرائق، نتيجة نقص الغذاء والمياه وفقدان مناطق العيش والتكاثر.

وفي ظل احتمال استمرار الظروف الملائمة للحرائق حتى نوفمبر، تواجه إندونيسيا اختبارًا يتجاوز حماية التجمعات السكنية إلى الحد من تدهور النظم البيئية، واستعادة الأراضي المتضررة، وتعزيز الاستعداد لمواسم الجفاف والحرائق المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة