قد تمثل تقنيات الشحن اللاسلكي المستخدمة بالفعل في الهواتف والأجهزة القابلة للارتداء والسيارات الكهربائية خطوة أولى نحو مفهوم أوسع للطاقة، لا يكتفي بنقل الكهرباء لاسلكيًا، بل يحولها مباشرة إلى ضوء أو حرارة أو حركة وفق احتياجات الجهاز.
ويطرح باحثون من جامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية (PolyU) خارطة طريق تقنية لما يسمونه «إنترنت الطاقة اللاسلكي»، بهدف نقل الصناعة من مفهوم «نقل الطاقة لاسلكيًا» إلى مفهوم «التحويل اللاسلكي المباشر للطاقة».
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Reviews Electrical Engineering.
تحويل مباشر يتجاوز تخزين البطارية
تعتمد أنظمة نقل الطاقة اللاسلكية التقليدية عادةً على استقبال الطاقة الكهربائية ثم تخزينها في بطارية أو مكثف فائق قبل استخدامها لإنتاج الضوء أو الحرارة أو الحركة.
أما التحويل اللاسلكي المباشر للطاقة، فيحول القدرة الكهربائية المنقولة مباشرة إلى طاقة كيميائية أو ضوئية أو حرارية أو ميكانيكية.
وبمعنى آخر، يمكن للطاقة التي يرسلها جهاز الإرسال أن تتحول مباشرة إلى ضوء للإضاءة، أو حرارة للتدفئة، أو قوة لإحداث الحركة، من دون المرور أولًا بمرحلة شحن البطارية.
ومن شأن تجاوز التخزين الوسيط ومراحل التحويل الإضافية أن يقلل فقد الطاقة، ويرفع الكفاءة الإجمالية، ويبسط المكونات الموجودة في الطرف المستقبل للطاقة.
ووضعت الدراسة كذلك إطارًا موحدًا يدمج تقنيات النقل في المجال القريب والمجال البعيد مع تطبيقات مختلفة تشمل الشحن اللاسلكي والإضاءة والتدفئة والمحركات، أو إنتاج الطاقة الميكانيكية، كما تلخص مبادئ التصميم المشتركة والاتجاهات المستقبلية لهذه التقنيات.
وقاد البحث تشاو كوك تونج، أستاذ كرسي هندسة الطاقة الكهربائية في قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية، والمدير المشارك لمركز أبحاث السيارات الكهربائية في جامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية، إلى جانب ليو وي، الأستاذ المساعد في القسم نفسه ومدير المركز.
طريق نحو الاستخدام التجاري
حدد فريق البحث المبادئ التقنية المشتركة والعقبات الهندسية الرئيسية لأنظمة التحويل اللاسلكي للطاقة، واقترح مسارات للتطوير تشمل التوحيد القياسي، والأمن السيبراني، وحصاد الطاقة، والتطبيقات الناشئة.
كما حدد الباحثون التحديات التي يجب التغلب عليها، بهدف توفير مرجع لتوسيع نطاق نشر هذه التقنيات مستقبلًا.
وحصل البحث على ميدالية ذهبية مع تهنئة لجنة التحكيم في الدورة الخمسين للمعرض الدولي للاختراعات في جنيف بسويسرا، إضافة إلى الجائزة الكبرى وميدالية ذهبية في المعرض الرابع للابتكارات والاختراعات في آسيا بهونغ كونغ.
وقال تشاو إن المراجعة تقدم تأثيرًا على مستويين؛ الأول يتمثل في وضع مسارات تصميم عملية تغطي تقنيات أساسية مثل التحكم في جانب الإرسال، وشبكات التعويض متعددة الترددات، والنقل الآمن، وتوجيه المجالات الكهرومغناطيسية.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بتقديم توجيه استراتيجي بشأن معايير الصناعة المستقبلية والأمن وأولويات التطبيقات.
ويرى الباحث، أن ذلك يمكن أن يساعد الصناعة على اختيار هياكل المنتجات القابلة للتطبيق، كما يمكّن صانعي السياسات والمستثمرين من تحديد البنية التحتية اللازمة لدفع عمليات التسويق التجاري والاعتماد واسع النطاق.
بطاريات أصغر وتطبيقات متخصصة
يظل نقل الكهرباء إلى البطاريات أكثر تقنيات نقل الطاقة وتخزينها نضجًا وانتشارًا في الوقت الحالي، ويُستخدم بالفعل في الأجهزة الإلكترونية المحمولة والغرسات الطبية، كما يتطور بسرعة في السيارات الكهربائية ووسائل النقل بالسكك الحديدية.
لكن الإضاءة والتدفئة وتشغيل المحركات لاسلكيًا قد توفر قيمة خاصة في تطبيقات متخصصة، مثل المحركات المغلقة المستخدمة في البيئات القاسية، والروبوتات المتنقلة التي تحتاج إلى قدر أقل من التخزين على متنها، والمحركات فوق الصوتية السعوية المستخدمة في روبوتات متوافقة مع التصوير بالرنين المغناطيسي.
وفي مثل هذه التطبيقات، قد تكون الكابلات التقليدية أو البطاريات أو الإلكترونيات الموجودة في الطرف المستقبل للطاقة صعبة الصيانة أو غير مرغوبة.
كما يمكن لهذه الأنظمة أن توفر تصميمات أخف وزنًا، وراحة أكبر، وكفاءة مرتفعة، ومرونة، ومستوى أفضل من الأمان.
وعلى مستوى المستهلك، يمكن أن تتعرض البطاريات للفشل بسبب عيوب الخلايا، أو دوائر القصر الداخلية، أو الشحن الزائد، أو سوء الإدارة الحرارية، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر تتعلق بالسلامة.
في المقابل، يمكن للطاقة اللاسلكية أن تعمل بمرونة واستدامة أكبر، مع إمكانية تقليل أحجام حزم البطاريات أو الاستغناء عن التخزين الموجود على متن المركبات في بعض التطبيقات.
وكلما صغر حجم البطارية وقلت كمية الطاقة الكيميائية المخزنة فيها، انخفضت المخاطر المرتبطة بتخزين الطاقة. ويرى الباحثون أن هذه النقطة تمثل أحد أبرز الأبعاد العملية للتحويل اللاسلكي للطاقة في الحياة اليومية.
السلامة والمعايير ما زالتا تحديًا
لكن التحويل المباشر للطاقة، رغم قدرته على تقليل مخاطر تخزين الطاقة، يطرح اعتبارات مختلفة تتعلق بالسلامة.
ولا تزال شبكات الطاقة اللاسلكية تواجه عددًا من التحديات، يأتي في مقدمتها سلامة عملية نقل الطاقة نفسها.
وتثير التأثيرات المحتملة للتعرض البشري طويل الأمد للمجالات الكهرومغناطيسية، وكذلك التداخل الكهرومغناطيسي مع الأجهزة الإلكترونية القريبة، مخاوف خاصة في أماكن مثل المرافق العامة والمنشآت الطبية.
كما تشير الدراسة إلى أن تعقيد الأنظمة والقيود المتعلقة بالأداء، خصوصًا في تطبيقات الشحن اللاسلكي عالي القدرة وتشغيل المحركات لاسلكيًا، تمثل عوائق أمام التوسع في استخدامها.
وقال ليو إن إحدى أبرز تحديات التسويق التجاري تتمثل في أن معظم المعايير الحالية تغطي تطبيقات محددة فقط، وعلى رأسها شحن السيارات الكهربائية لاسلكيًا.
وأضاف، أن الأطر الشاملة المتعلقة بالسلامة والانبعاثات وقابلية التشغيل البيني عبر نطاق أوسع من تقنيات التحويل اللاسلكي للطاقة لا تزال غير مكتملة.
ودعا الباحثون إلى تصميم أنظمة الطاقة اللاسلكية بصورة منهجية وشاملة، بدلًا من تحسين مراحل تحويل الطاقة الفردية كل منها بمعزل عن الأخرى.
شبكة تتكيف مع احتياجات الأجهزة
صنف فريق البحث تقنيات التحويل اللاسلكي للطاقة إلى أربع فئات رئيسية:
- كيميائية: لأغراض الشحن وتخزين الطاقة.
- ضوئية: لأغراض الإضاءة.
- حرارية: لأغراض التدفئة.
- ميكانيكية: لتشغيل المحركات والحصول على الحركة.
وتغطي هذه الفئات مجتمعة معظم التطبيقات المحتملة في المنازل والصناعة والقطاع الطبي، إلى جانب البيئات شديدة الصعوبة، مثل استكشاف أعماق البحار والفضاء السحيق.
وفي المستقبل، يمكن لشبكة طاقة لاسلكية أن تتعرف تلقائيًا على احتياجات الأجهزة المختلفة من الطاقة، سواء كانت كيميائية أو ضوئية أو حرارية أو ميكانيكية، ثم تعدل تردد الإرسال وتوزيع المجال ومستوى القدرة بصورة ديناميكية وفقًا لذلك.
4 تحديات هندسية وأربع أولويات
حدد الباحثون أربعة تحديات هندسية رئيسية أمام تطوير هذه الشبكات، هي السلامة، وقابلية التوسع، والتعقيد، والأداء.
وفي المقابل، حددت الدراسة أربعة اتجاهات ذات أولوية للتطوير.
أولًا، تطوير واجهات قياسية تتيح للأجهزة التفاوض بشأن القدرة المطلوبة، والتعرف على المستقبلات، وتبادل البيانات، والتحكم في الأنظمة، ومعالجة الأعطال، وضمان قابلية التشغيل البيني.
ثانيًا، تطوير تشفير الطاقة باتجاه دمج تقنيات الأمن على مستوى الطبقة الفيزيائية.
ثالثًا، بالنسبة إلى تطبيقات الفضاء، تطوير وصلات ومحولات ومرسلات ترحيل خفيفة الوزن، محكمة الإغلاق ومقاومة للإشعاع، بهدف ربط الأقمار الصناعية والمحطات والمركبات الجوالة والقواعد الموجودة على الكواكب.
رابعًا، تعزيز حصاد الطاقة الكهرومغناطيسية، مع التركيز على المستقبلات الحساسة، وتقنيات التقويم فائقة انخفاض استهلاك الطاقة، والهياكل الهجينة التي تجمع بين حصاد الطاقة المحيطة والطاقة اللاسلكية المخصصة.
وبذلك ترسم الدراسة تصورًا لشبكات طاقة لاسلكية لا تقتصر وظيفتها على نقل الكهرباء، بل تستطيع تحويل الطاقة مباشرة إلى الشكل الذي يحتاج إليه الجهاز، مع تقليل الاعتماد على التخزين الوسيط في التطبيقات التي تسمح بذلك.
