إعادة استخدام الأجهزة الطبية قد تخفض الأثر البيئي للرعاية الصحية بشكل كبير

هل يمكن للمستشفيات التحول إلى اقتصاد دائري؟ إعادة استخدام الأجهزة الطبية تفتح الباب

قد يعمل الجهاز الطبي بكفاءة كاملة، ومع ذلك ينتهي به المطاف في النفايات. ففي المستشفيات، تدفع المخاوف المتعلقة بالتلوث إلى التخلص من كثير من الأدوات التي ربما لامست المريض، وإرسالها إلى المحارق، بما في ذلك البطاريات ولوحات الدوائر الإلكترونية.

لكن مشروعًا بحثيًا أوروبيًا استمر أربع سنوات بحث في سؤال مختلف: هل من الضروري أن ينتهي الأمر بهذه الأجهزة إلى المحرقة؟

تشير نتائج المشروع إلى أن إطالة عمر الجهاز وإعادة استخدامه قد تكون أكثر فائدة بيئيًا من تحسين عمليات إعادة تدويره، كما كشفت النتائج أن أكبر فرص خفض الأثر البيئي لا توجد دائمًا داخل الجهاز نفسه، وإنما في الطريقة التي تُقدم بها الرعاية الصحية المحيطة به.

المشروع، الذي يحمل اسم “الصحة الرقمية في الاقتصاد الدائري” (Digital Health in the Circular Economy – DiCE)، أُدير من بروكسل بواسطة منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية (WEEE Forum)، وشارك فيه 20 مؤسسة من 9 دول، بينها شركات مصنعة ومستشفيات وجهات لإعادة التدوير ومتخصصون في العلوم السلوكية.

ولا يزال التقرير النهائي للمشروع في صورة مسودة، بانتظار مراجعته من جانب المفوضية الأوروبية.

وقالت تامارا هوفلينج من جامعة دلفت للتكنولوجيا، التي قادت أعمال تصميم المشروع، إن قطاع الرعاية الصحية يعتمد بصورة متزايدة على التقنيات الرقمية، بينما تُصمم العديد من الأجهزة بحيث تُستخدم ثم يجري التخلص منها.

الأجهزة الطبية كثيرًا ما ينتهي بها المطاف في المحارق

يمثل احتمال التلوث السبب الرئيسي وراء وصول الأجهزة الطبية إلى المحارق. فالجهاز الذي ربما لامس سوائل الجسم يخضع لقواعد التخلص من النفايات الصحية، كما أن إجراءات الحذر تؤدي إلى التعامل مع عدد كبير من الأجهزة باعتبارها نفايات خطرة حتى في الحالات التي لم يحدث فيها تماس فعلي.

وبذلك يمكن أن ينتهي النحاس والذهب والليثيوم ولوحات الدوائر الإلكترونية إلى المحرقة مع الجهاز نفسه.

وتزداد المشكلة وضوحًا عند النظر إلى أزمة النفايات الإلكترونية على نطاق أوسع، إذ تتزايد النفايات الإلكترونية بمعدل أسرع بنحو خمسة أضعاف من وتيرة إعادة تدويرها رسميًا، بينما تتطور تقنيات جديدة لاستعادة مواد ثمينة مثل الذهب والليثيوم من الأجهزة والبطاريات المستعملة.

وفحص مشروع DiCE كيفية تعامل منشآت إعادة التدوير الحالية مع خمس فئات من الأجهزة التي درسها المشروع، وكانت النتائج أقل تفاؤلًا.

فالمواد الخام الحرجة التي يمكن أن تجعل عملية الاسترداد مجدية اقتصاديًا كانت موجودة بكميات محدودة، بينما يتعين إزالة البطاريات أولًا، وتقاوم بعض الأغلفة عمليات التفكيك، كما أن شركات إعادة التدوير لا تحصل في كثير من الأحيان على معلومات كافية تحدد مواقع المعادن داخل الجهاز.

إعادة استخدام الأجهزة الطبية

إعادة الاستخدام تفوقت على إعادة التدوير

انتقل الباحثون بعد ذلك إلى مرحلة أبكر من دورة حياة الأجهزة، ووجدوا نمطًا متكررًا عبر الأجهزة التي جرى تحليلها.

ومن أبرز الأمثلة مجموعات الكابلات التي تربط أجهزة مراقبة القلب بصدر المريض. وأظهر الانتقال من الاستخدام لمرة واحدة إلى أي شكل من أشكال إعادة الاستخدام انخفاضًا في الأثر البيئي لهذه الكابلات بنسبة تراوحت بين 81% و94%.

وعند تحليل 200 إجراء لمراقبة المرضى، تبيّن أن تصنيع 200 مجموعة من الكابلات والتخلص منها يمثل نحو 54% من الأثر المناخي، بما يعادل حوالي 214 رطلًا، أو 97 كيلوجرامًا، من ثاني أكسيد الكربون.

لكن إعادة الاستخدام لا تلغي البصمة البيئية، بل تنقل جزءًا كبيرًا منها إلى مرحلة التنظيف وإعادة المعالجة.

وأصبح التنظيف العامل الأكبر في الأثر البيئي بمجرد إعادة استخدام الكابلات، وكانت المناديل المستخدمة لمرة واحدة تمثل الجزء الأكبر من هذا الأثر.

وفي المقابل، أدى استخدام مناديل قطنية قابلة للغسل إلى خفض البصمة الناتجة عن عملية التنظيف بنسبة 94% مقارنة باستخدام المناديل أحادية الاستخدام.

وخلص المشروع إلى أن إعادة المعالجة داخل المستشفى كانت الخيار الأكثر توازنًا بين البدائل التي جرى اختبارها.

تصميم الجهاز لإعادة استخدامه أهم من تصميمه لإعادة تدويره

أحد الاستنتاجات الرئيسية للمشروع هو أن تصميم الأجهزة الطبية بحيث تتحمل عمليات التطهير المتكررة قد يكون أكثر أهمية بيئيًا من تصميمها بحيث يمكن تفكيكها وإعادة تدويرها بسهولة بعد انتهاء عمرها.

ولهذا أعد فريق هوفلين دليل التصميم الدائري (Circular Design Guide)، الذي يضع إطالة عمر الجهاز وإعادة استخدامه في مقدمة الخيارات، قبل الانتقال إلى إعادة تدوير مكوناته.

أكبر وفورات بيئية قد تكون خارج الجهاز نفسه

لكن إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام ظهرت عندما وسّع الباحثون نطاق التحليل من الجهاز إلى الرعاية الصحية التي يستخدم فيها.

فقد درس إيراسمو كادينا من جامعة خنت تأثير الأجهزة الطبية على مستوى العملية العلاجية بأكملها، ووجد أن الجهاز نفسه قد يصبح عنصرًا صغيرًا مقارنة بالأثر البيئي الناتج عن الرعاية المحيطة به.

فعلى سبيل المثال، يحتوي جهاز التدبيس الجراحي الذي يعمل بالطاقة على مكونات إلكترونية أكثر من النوع اليدوي، ما قد يوحي بأنه الخيار الأعلى أثرًا على البيئة.

لكن العمليات التي استخدمت الجهاز المزود بالطاقة كانت أقصر، وغادر المرضى المستشفى قبل الموعد بنحو يوم في الحالات التي درسها المشروع، ما أدى إلى خفض الأثر المناخي للعملية بأكملها بنحو 12%.

وظهرت نتيجة مشابهة في حالة ملصق إلكتروني للأدوية، فبعض الأدوية التجريبية التي تنتهي صلاحية ملصقاتها المطبوعة يجري التخلص منها، بينما قد يُنتج في بعض الدول ما يصل إلى 15 حقنة لكل جرعة يحصل عليها المريض.

وأدى استخدام ملصق يمكن تحديثه عن بُعد إلى خفض الأثر المناخي المرتبط بتصنيع هذه الأدوية بنحو 27%.
أما علب الأدوية الذكية، فكان تأثيرها البيئي محدودًا مقارنة ببقية عناصر رحلة العلاج، إذ بدت إجراءات المستشفى والرعاية الصحية أكثر تأثيرًا من الأجهزة الإلكترونية نفسها في عدد من الحالات التي درسها المشروع.

إعادة الأجهزة تحتاج إلى نظام إرجاع بسيط

حتى أفضل نموذج لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير لن ينجح إذا لم تعد الأجهزة إلى النظام من الأساس.

ولهذا اختبر مشروع DiCE سلوك 414 متطوعًا في بلجيكا وإسبانيا وسلوفينيا، ووجد أن أكثر من 60% منهم أبدوا استعدادًا لإعادة الأجهزة بعد انتهاء استخدامها عندما تكون عملية الإرجاع سهلة ومريحة.

ولاختبار ذلك عمليًا، نصب المشروع 25 آلة لجمع الأجهزة في الصيدليات ومحال السوبر ماركت ودور الرعاية.

وكان المستخدم يمسح رمز استجابة سريعة بواسطة الهاتف، ثم تُفتح فتحة في الآلة، وتلتقط كاميرا داخلية صورة للشيء الذي جرى إيداعه وتسجله.

لكن فريق العلوم السلوكية فوجئ بأن التكنولوجيا الإضافية لم تكن العامل الحاسم.

فقد اختبر الباحثون عبوات صُممت لتشجيع المستخدمين على إعادة الأجهزة، إلا أن إضافة المزيد من الإشارات والتذكيرات لم تؤدِ بصورة مستمرة إلى زيادة معدلات الإرجاع.

وكانت التعليمات الواضحة والعبوة القابلة لإعادة الإغلاق كافيتين في كثير من الحالات.

كما وضع بعض المستخدمين أدوية وبطاريات سائبة في آلات الجمع، وفي الوقت نفسه، لم يكن الجهاز الذي بقي في المنزل يعني بالضرورة أنه أصبح نفاية؛ إذ احتفظ بعض المتطوعين بعلب الأدوية الذكية لمواصلة استخدامها أو مرروها إلى أشخاص آخرين.

كيف تتخلص من جهاز طبي قديم؟

بالنسبة إلى جهاز طبي موجود بالفعل في أحد الأدراج، يعتمد المسار المناسب للتخلص منه على ما إذا كان قد لامس سوائل أو مواد سريرية أم لا.

وقالت ماجدالينا تشاريتانوفيتش من منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية لـEarth.com، إن الأجهزة التي انتهى عمرها ولم تتلوث بسوائل الجسم، مثل جهاز قياس الجلوكوز من دون جزء الإبرة، وجهاز قياس ضغط الدم بالكامل، يمكن إعادة تدويرها باعتبارها نفايات إلكترونية عادية.

وأضافت أن المتاجر الأوروبية ملزمة باستعادة الأجهزة الإلكترونية الصغيرة عند شراء جهاز بديل لها، أما إذا كان الجهاز لا يزال يعمل، فتتغير الأولوية.

وأكدت تشاريتانوفيتش، أن إطالة عمر الجهاز، سواء من خلال التبرع به أو إعادة استخدامه، تمثل الحل الأكثر استدامة عندما لا يكون الجهاز معطلًا.

لكن تطبيق هذه القاعدة بصورة موحدة لا يزال يمثل تحديًا، ولذلك يدعو مشروع DiCE الاتحاد الأوروبي إلى تحديد الأجهزة الصحية التي ينبغي اعتبارها نفايات إلكترونية، بحيث تصبح قواعد التعامل معها أكثر وضوحًا واتساقًا.

إعادة استخدام الأجهزة الطبية تحتاج إلى مزيد من الاختبارات

يحذر الباحثون من توسيع نطاق النتائج بصورة أكبر مما تسمح به البيانات المتاحة.

فالتجارب كانت محدودة ومحلية، كما أشار الفريق إلى وجود فجوات في البيانات البلجيكية والإسبانية تجعل المقارنات بين الدول بحاجة إلى الحذر.

وفي تجربة منفصلة لإعادة تأهيل عبوات الأدوية، استخدم الباحثون 100 عبوة دواء تجريبية بدلًا من أجهزة أعادها مستخدمون فعليون.

كما أن الجانب الاقتصادي لا يبدو بالبساطة نفسها التي ظهرت بها بعض النتائج الهندسية.

ففي إحدى دراستي الجدوى اللتين صممهما المشروع، لم يعد نموذج إعادة الاستخدام قابلًا للاستمرار عندما تقل نسبة الأجهزة التي تعود إلى النظام عن 60%.

وهذا يعني أن نجاح الاقتصاد الدائري في قطاع الأجهزة الطبية لا يعتمد فقط على تصنيع أجهزة أكثر قابلية لإعادة الاستخدام، وإنما أيضًا على إنشاء منظومة فعالة لجمعها وإعادتها وإعادة معالجتها.

لوحة بيانات لاختبار خيارات الاقتصاد الدائري

ولفهم ما يمكن أن يحدث عند تطبيق هذه النماذج على نطاق أوسع، أنشأ مشروع DiCE لوحة بيانات للاقتصاد الدائري (Circularity Dashboard) تسمح للحكومات باختبار المفاضلات البيئية والاقتصادية بين الخيارات المختلفة قبل اعتمادها على نطاق واسع.

ولا تزال هناك أسئلة أساسية مفتوحة حول كيفية عمل هذه النماذج عندما تنتقل من التجارب المحدودة إلى منظومة صحية كاملة.

كما أن قواعد التعامل مع الأجهزة الطبية المستعملة تختلف من دولة إلى أخرى، خصوصًا فيما يتعلق بتحديد ما إذا كان الجهاز يدخل ضمن النفايات الإلكترونية أو النفايات الطبية.

وفي الوقت الحالي، لا يزال التقرير النهائي لمشروع DiCE في صورة مسودة بانتظار مراجعة المفوضية الأوروبية، ولم تُنشر نتائج المشروع في دورية علمية محكمة.

لكن النتائج الأولية تقدم اتجاهًا واضحًا للاختبار: إطالة عمر الأجهزة الطبية وإعادة استخدامها قد تكون في كثير من الحالات أكثر تأثيرًا بيئيًا من التركيز على إعادة تدويرها بعد التخلص منها، بينما قد تأتي أكبر الوفورات من تغيير طريقة تقديم الرعاية الصحية نفسها، وليس من الجهاز وحده.

↑
Exit mobile version