كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود علاقة بين التغيرات المناخية في المحيط الأطلسي والتقلبات السنوية في انتقال داء الليشمانيات الجلدي في شمال أفريقيا، ما يفتح المجال أمام تطوير أنظمة إنذار مبكر تساعد على توقع تغيرات انتشار المرض قبل أشهر من حدوثها.
وتوضح الدراسة، أن المناخ لا يقتصر تأثيره على تشكيل أنماط الطقس، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في توقيت ظهور الأمراض المعدية ومناطق انتشارها، من خلال تغيير الظروف التي تعيش فيها الكائنات الناقلة للأمراض والحيوانات التي تستضيف مسبباتها.
ورغم أن العلماء يستخدمون بيانات الطقس للتنبؤ ببعض المخاطر الصحية قبل أيام أو أسابيع، فإن توقع التغيرات في مخاطر انتشار الأمراض على مدار المواسم والسنوات يظل أكثر صعوبة.
وفي بحث نُشر في مجلة «Science Advances»، درس الباحثون العلاقة بين تقلبات المناخ وانتقال داء الليشمانيات الجلدي في شمال أفريقيا، مع التركيز على الدور الذي يؤديه المحيط الأطلسي في التأثير على أنماط الأمطار والظروف البيئية المرتبطة بانتشار المرض.
كيف يؤثر المناخ في انتشار الأمراض المعدية؟
تُظهر أبحاث سابقة أن الأمراض التي تنتقل بواسطة النواقل، مثل البعوض والقراد وذباب الرمل، تتأثر بدرجة كبيرة بالظروف المناخية والبيئية.
وتُعد هذه الحشرات من الكائنات متغيرة الحرارة، أي إنها لا تنظم درجة حرارة أجسامها الداخلية بالطريقة نفسها التي يفعلها الإنسان، ولذلك تتأثر بدرجة حرارة البيئة المحيطة بها.
وتؤثر درجات الحرارة في معدلات بقائها على قيد الحياة وأعمارها، وتكرار لدغها، والسرعة التي تتطور بها مسببات الأمراض داخل أجسامها قبل انتقالها إلى الإنسان.
كما تؤثر الأمطار والرطوبة في تكاثر هذه الكائنات وأعدادها، وهو ما قد ينعكس على احتمالات انتقال الأمراض التي تحملها.
ولا يقتصر تأثير المناخ على الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات، بل يمتد إلى بعض الأمراض الحيوانية المنشأ، التي قد يتغير انتشارها عندما تدفع الظروف البيئية الحيوانات الحاملة لمسببات المرض إلى البحث عن الغذاء أو الاقتراب من التجمعات السكانية.
داء الليشمانيات الجلدي.. مرض تسببه طفيليات وينقله ذباب الرمل
ركزت الدراسة على داء الليشمانيات الجلدي، وهو مرض طفيلي ينتقل إلى الإنسان عن طريق لدغات إناث ذباب الرمل المصابة.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو مليون حالة من الليشمانيات الجلدي سنويًا حول العالم.
وعلى الرغم من أن المرض نادرًا ما يهدد الحياة، فإنه قد يؤدي إلى ظهور آفات وتقرحات جلدية تستمر لأشهر أو سنوات، وقد تترك ندوبًا دائمة في بعض الحالات، فضلًا عن آثار نفسية واجتماعية مرتبطة بالتشوهات الجلدية والوصمة الاجتماعية.
وفي شمال أفريقيا، يرتبط المرض في كثير من المناطق بالطفيلي Leishmania major، الذي يستمر وجوده في مستودعات حيوانية، ولا سيما القوارض التي تعيش في البيئات القاحلة القريبة من القرى والتجمعات السكانية.
وترتبط دورة انتقال هذا الطفيلي في تلك البيئات بالنباتات الصحراوية العصارية المتحملة للملوحة، التي توفر للقوارض مصادر مهمة للغذاء والغطاء النباتي.
كما تمنح الجحور التي تحفرها القوارض أسفل هذه النباتات أو بالقرب منها مأوى مناسبًا، وتوفر ظروفًا ملائمة لوجود القوارض وذباب الرمل.
وفي المغرب، تنتشر أيضًا صورة أخرى من المرض يسببها الطفيلي Leishmania tropica، ويؤدي الإنسان فيها دور المستودع الرئيسي للعدوى. وقد أدرج الباحثون هذا النوع ضمن تحليلهم.
كيف تربط الأمطار بين المناخ وانتشار الليشمانيات؟
حددت أبحاث سابقة هطول الأمطار بوصفه أحد العوامل البيئية المؤثرة في انتقال الليشمانيات الجلدي حيواني المنشأ في المنطقة.
وتحدث هذه العلاقة عبر سلسلة من التأثيرات البيئية المتتابعة؛ إذ تؤدي زيادة الأمطار إلى نمو النباتات الصحراوية، وهو ما قد يوفر مزيدًا من الغذاء والغطاء للقوارض، ويهيئ ظروفًا ملائمة لزيادة أعدادها وأعداد ذباب الرمل، بما قد يعزز انتقال الطفيلي.
لكن السؤال الذي سعت الدراسة إلى الإجابة عنه هو: هل يمكن استخدام التغيرات المناخية واسعة النطاق للتنبؤ بهذه السلسلة من التأثيرات قبل أشهر من حدوثها؟
في المناطق المدارية، توفر ظواهر مناخية مثل النينيو إشارات يمكن التنبؤ بها قبل أشهر، وأحيانًا قبل فترات أطول، ما يساعد العلماء على توقع بعض التغيرات المرتبطة بدرجات الحرارة والأمطار، وانعكاساتها المحتملة على الأمراض الحساسة للمناخ.
أما خارج المناطق المدارية، فعادةً ما يكون التنبؤ بالظروف الجوية والمناخية بعد عدة أشهر أكثر صعوبة، لأن أنماط الأمطار تتأثر بتفاعلات متعددة بين اليابسة والبحر والجبال وحركة الرطوبة في الغلاف الجوي.
وسعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت مناطق شمال أفريقيا القاحلة تتمتع بقدر كافٍ من القدرة على التنبؤ المناخي طويل المدى، يسمح بتوقع التغيرات في انتقال الليشمانيات قبل أشهر.
لماذا تساعد البيئة الصحراوية في التنبؤ؟
تتميز المناطق القاحلة في شمال أفريقيا بخصائص مناخية تجعلها مناسبة لدراسة العلاقة بين المحيطات والأمطار وانتشار الأمراض.
ففي هذه المناطق، تتأثر الأمطار بدرجة كبيرة بالرياح الغربية واسعة النطاق التي تنقل الرطوبة القادمة من المحيط الأطلسي إلى داخل اليابسة.
وبسبب محدودية العوامل الأخرى المسببة للأمطار في البيئات الصحراوية، يمكن أن تظهر إشارة تأثير الدورة الجوية المرتبطة بالمحيط الأطلسي بصورة أكثر وضوحًا في أنماط الهطول المحلية، مقارنة بمناطق تتداخل فيها عوامل مناخية عديدة.
ويرى الباحثون أن هذه الخصائص تجعل شمال أفريقيا منطقة واعدة لدراسة إمكانية التنبؤ بالأمطار، ومن ثم استكشاف ما إذا كان ذلك يساعد على توقع التغيرات في انتقال الليشمانيات.
ماذا كشفت النتائج عن العلاقة بين الأطلسي والمرض؟
توصل الباحثون إلى أن التغيرات السنوية في انتقال داء الليشمانيات الجلدي في شمال أفريقيا يمكن ربطها بتقلبات مناخية تنشأ في المحيط الأطلسي، وتنتقل آثارها عبر الغلاف الجوي والنظم البيئية المحلية.
وتبدأ هذه السلسلة بتغيرات تدريجية في درجات حرارة مياه المحيط الأطلسي، تؤثر في أنماط الدورة الجوية واسعة النطاق وقوة الرياح الغربية.
وتنقل هذه الرياح الرطوبة باتجاه شمال أفريقيا، وتؤثر في كميات الأمطار التي تهطل في المناطق التي ينتقل فيها المرض.
وبدورها، تؤثر الأمطار في نمو الغطاء النباتي داخل النظم البيئية القاحلة، وهو ما ينعكس على أعداد القوارض التي تمثل مستودعات للطفيلي Leishmania major، وعلى الظروف البيئية التي تساعد ذباب الرمل على البقاء والازدهار.
وتظهر آثار هذه التغيرات البيئية في أنماط انتقال المرض، بما يربط بين إشارة مناخية بعيدة تنشأ في المحيط الأطلسي وتغيرات صحية تحدث لاحقًا في مناطق من شمال أفريقيا.
وتشير النتائج إلى أن الاستفادة من هذه الإشارة المناخية قد تحسن القدرة على توقع التغيرات في انتقال الليشمانيات، بدلًا من الاعتماد على متابعة الظروف الجوية الآنية وحدها.
ما أهمية الاكتشاف للصحة العامة؟
تتمثل الأهمية العلمية للدراسة في إظهار أن إمكانية التنبؤ المناخي بعيد المدى لا تقتصر على المناطق المدارية، التي تركز عليها نسبة كبيرة من أبحاث التنبؤ الموسمي.
فقد تنتقل إشارة مناخية مصدرها المحيط الأطلسي عبر الغلاف الجوي والنظم البيئية المحلية، ثم تظهر آثارها بعد أشهر في أنماط انتقال أحد الأمراض الطفيلية.
وقد تكون الصحارى بيئات مناسبة لرصد هذه الإشارات، لأن محدودية الأمطار وتعدد العوامل المناخية المتداخلة تسمح بظهور تأثير بعض الأنماط الجوية واسعة النطاق بصورة أوضح.
ومع ذلك، فإن إمكانية تطبيق هذا النهج على أمراض أخرى أو مناطق جغرافية مختلفة ستعتمد على مدى ارتباط دورة حياة مسببات المرض والنواقل والمستودعات الحيوانية المحلية بهطول الأمطار.
وعلى مستوى الصحة العامة، تمهد النتائج الطريق لتطوير نماذج تنبؤ بانتقال الليشمانيات الجلدي في المغرب وتونس، بما قد يمنح السلطات الصحية وقتًا إضافيًا لتعزيز الترصد الوبائي، والتخطيط لمكافحة ذباب الرمل، والاستعداد لتوفير الخدمات الصحية اللازمة.
ولا تعني هذه النتائج إمكانية تحديد كل إصابة مسبقًا، لكنها تشير إلى أن فهم الروابط بين المحيطات والمناخ والنظم البيئية قد يساعد على توقع فترات ارتفاع مخاطر انتقال المرض، وتحسين الاستعداد الصحي قبل تفاقمها.
