حققت الألواح الشمسية المصنّعة على نطاق صناعي قفزة نوعية جديدة، بعد الوصول إلى مستوى غير مسبوق من الأداء، يجمع بين كفاءة قياسية وقدرة إنتاج كهرباء عالية في تصميم واحد مخصص لمحطات الطاقة الشمسية واسعة النطاق.
ويمثل هذا التطور إعادة صياغة لما يمكن أن تقدمه الألواح الشمسية الحديثة من كهرباء، دون الحاجة إلى زيادة المساحة أو تغيير التصميمات الأساسية لمزارع الطاقة الشمسية.
وجرى توثيق هذا الإنجاز من خلال اختبارات معتمدة أُجريت على وحدات كاملة الحجم، وليس على نماذج مخبرية مصغرة، حيث سجلت كل من الخلايا الشمسية والوحدات النهائية مستويات أداء قياسية لم يسبق التحقق منها مجتمعة.
وعمل مهندسو شركة «ترينا سولار» بالتعاون الوثيق مع مختبر «هوايرو» على تحويل مواد متقدمة لامتصاص الضوء إلى أجهزة متوافقة مع خطوط الإنتاج الصناعية.
وقاد هذا الجهد الدكتور ييفينغ تشين، الذي أثبت أن التحسينات التي كانت حكرًا على النماذج التجريبية يمكن الحفاظ عليها عند التوسع إلى الأحجام المستخدمة في المشاريع التجارية.
ورغم ذلك، يشير الباحثون إلى أن هذا الإنجاز يمثل سقفًا تقنيًا جديدًا، وليس منتجًا نهائيًا جاهزًا للأسواق، إذ لا تزال تحديات المتانة والتكامل الصناعي قائمة.
تكامل البيروفسكايت والسيليكون البلوري
يعتمد التصميم الجديد على خلية شمسية مزدوجة الطبقة، تُعرف باسم الخلايا الترادفية، حيث توضع طبقة من مادة «البيروفسكايت» فوق طبقة من السيليكون البلوري.
وتمتص طبقة البيروفسكايت الجزء الأعلى طاقة من أشعة الشمس، بينما تستكمل طبقة السيليكون امتصاص باقي الطيف الضوئي.
ويؤدي هذا الدمج إلى تقليل الفاقد الطاقي الذي يتحول عادة إلى حرارة، ما يرفع كفاءة التحويل الكهروضوئي، لكنه يتطلب توازنًا دقيقًا بين الطبقتين لضمان الأداء المستقر.
وقال الدكتور تشين: «يسرّنا الإعلان عن تسجيل رقمين قياسيين عالميين جديدين في تكنولوجيا الخلايا الشمسية الترادفية من البيروفسكايت والسيليكون، بفضل التعاون الفعّال بين فرق البحث والتطوير».
لماذا تهم الوحدات الأكبر؟
يقيم مطورو مشاريع الطاقة الشمسية التكنولوجيا بناءً على القدرة الكهربائية المنتَجة من كل لوح، لأن كل لوح إضافي يعني تكاليف أعلى في النقل والتركيب والأسلاك.
وتواجه الوحدات الأكبر تحديات تتعلق بالمقاومة الكهربائية في الموصلات المعدنية، ما قد يؤدي إلى فقد في الطاقة، وساعد استخدام الخلايا نصفية القطع على تقليل التيار الكهربائي في كل مسار، والحد من التسخين، والحفاظ على الأداء الاسمي للوحدة.
كما فرضت الألواح الأكبر متطلبات صارمة على التصميم الميكانيكي، من حيث الوزن ومقاومة الرياح ومخاطر النقل، ما جعل الهندسة الميكانيكية عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن الأداء الكهربائي.
اختبارات معتمدة لكفاءة قياسية
اعتمد تسجيل الأرقام القياسية على قياسات دقيقة للغاية، نظرًا لأن تغيرًا طفيفًا في درجة الحرارة أو توزيع الضوء قد يؤثر على نتائج الكفاءة.
ولم تُدرج النتائج إلا بعد اعتمادها من جهات اختبار مستقلة، من بينها معهد «فراونهوفر» لأنظمة الطاقة الشمسية في ألمانيا.
ورغم أن هذه الشهادات تضمن موثوقية الأرقام، فإنها لا تعكس بالضرورة أداء الألواح بعد سنوات من التعرض للعوامل الجوية القاسية.
تحديات التصنيع والمتانة
يتطلب تصنيع طبقات بيروفسكايت متجانسة على رقائق سيليكون كبيرة تحكمًا دقيقًا في الكيمياء ودرجات الحرارة وسرعة التجفيف، إذ إن أي عيوب مجهرية قد تؤدي إلى فقد الشحنات الكهربائية قبل وصولها إلى الموصلات.
كما تمثل منطقة التقاء البيروفسكايت مع السيليكون نقطة حساسة، حيث تؤثر جودة العزل والتوجيه الإلكتروني على كمية الطاقة المفقودة.
ويجري استخدام طبقات معالجة خاصة للحد من هذه الخسائر، لكن استقرارها على المدى الطويل لا يزال قيد الدراسة.
وتواجه خلايا البيروفسكايت تحديات إضافية تتعلق بالحرارة والرطوبة والإجهاد الضوئي، إذ قد تؤدي هجرة الأيونات داخل المادة إلى تدهور الأداء بمرور الوقت، ما يستدعي حلولًا متقدمة في التغليف والعزل.
سباق عالمي نحو الجيل التالي
تسعى شركات تصنيع الألواح الشمسية حول العالم إلى تحقيق اختراقات جديدة، مع اقتراب تقنيات السيليكون التقليدية من حدودها القصوى.
وفي أبريل 2025، أعلنت شركة «لونغي» تسجيل كفاءة بلغت 34.85% لخلايا ترادفية من البيروفسكايت والسيليكون، ما يعكس تسارع المنافسة.
غير أن الخبراء يؤكدون أن النجاح التجاري لا يتوقف على الأرقام القياسية وحدها، بل يتطلب إثبات المتانة، وضمانات طويلة الأجل، ونتائج ميدانية تمتد لسنوات.
