ألواح شمسية تحت الماء.. ابتكار قد يمد أجهزة مراقبة المحيطات بالطاقة لأشهر وسنوات

لماذا قد تكون الطاقة الشمسية أفضل تحت الماء؟ اكتشاف صيني يغيّر قواعد الخلايا الشمسية

قد لا يبدو الضوء الخافت تحت سطح البحر بيئة مناسبة للطاقة الشمسية، لكن دراسة جديدة تقدم مفارقة لافتة: خلية شمسية مصممة خصيصًا للأطوال الموجية التي تستطيع مياه البحر تمريرها حققت كفاءة تحويل بلغت 34.71% تحت ضوء يحاكي الظروف على عمق 10 أمتار.

والأهم أن التجربة لم تتوقف داخل المختبر؛ فقد تمكنت وحدات شمسية من شحن بطاريات بالفعل تحت مياه بحر الصين الجنوبي، ما يفتح احتمال استخدام هذه التقنية مستقبلًا لتوفير مصدر طاقة طويل الأمد لأجهزة الاستشعار والمراقبة والمعدات الموجودة في المناطق البحرية النائية.

الدراسة، التي قادها وين-هوا تشانج من جامعة يونان في الصين بالتعاون مع باحثين من الأكاديمية الصينية للعلوم وEPFL في سويسرا، نُشرت في دورية Joule.

لماذا لا تعمل الألواح الشمسية التقليدية بكفاءة تحت الماء؟

عندما يخترق ضوء الشمس سطح المحيط، لا تصل جميع أطواله الموجية إلى الأعماق نفسها.

فالماء يمتص الأطوال الموجية الحمراء أولًا، ثم البرتقالية، ومع الوصول إلى أعماق أكبر يتبقى قدر أكبر من الضوء في النطاق الأزرق والأخضر.

وعند عمق يتراوح بين 5 و10 أمتار، يصبح الضوء المتاح مختلفًا جذريًا عن ضوء الشمس الموجود فوق سطح الأرض.

وهنا تظهر المشكلة بالنسبة للخلايا الشمسية التقليدية.

فالخلايا المصممة للعمل على اليابسة تستفيد من نطاق واسع من الطيف الشمسي، بما في ذلك أطوال موجية تمتصها المياه قبل أن تصل إلى الخلية.

وبالتالي، فإن وضع لوح شمسي تقليدي تحت الماء لا يعني ببساطة نقل تكنولوجيا الطاقة الشمسية من السطح إلى البحر.

يجب أولًا إعادة تصميم الخلية لتستفيد من الضوء الذي ينجح بالفعل في الوصول إليها.

لماذا لا تعمل الألواح الشمسية التقليدية بكفاءة تحت الماء؟

الحل: خلية لا تهتم بالضوء الذي لا يصل إليها

ركز فريق الباحثين على خلايا شمسية من مادة البيروفسكايت، وهي مواد بلورية يمكن ضبط خصائصها الضوئية لتناسب أطوالًا موجية محددة.

وقام الباحثون بتعديل الخلية بحيث يتركز امتصاصها على نطاق الضوء الذي يخترق المياه، بدل محاولة استغلال الطيف الشمسي الكامل.

وهنا ظهرت نتيجة تبدو للوهلة الأولى متناقضة.

فالخلية استقبلت تحت الماء كمية من الضوء أقل بكثير من تلك الموجودة في ضوء الشمس الكامل، لكنها حولت نسبة أكبر من الضوء المتاح إلى كهرباء.

عند محاكاة الظروف على عمق 10 أمتار، وصلت كفاءة الخلية إلى 34.71%، مقارنة بنحو 17.08% في ضوء الشمس الكامل.

وهذا لا يعني أن الخلية أنتجت طاقة أكثر تحت الماء.

على العكس، كمية الضوء الداخلة كانت أقل بكثير، وبالتالي كانت القدرة الكهربائية الناتجة أقل.

لكن الخلية أصبحت أكثر كفاءة في استخدام الضوء المحدود الذي وصل إليها.

أقل من ربع الضوء.. ونحو نصف القدرة

عند محاكاة عمق 10 أمتار، تلقت الخلية أقل من ربع كمية الضوء التي تتعرض لها في ضوء الشمس الكامل، لكنها أنتجت أقل بقليل من نصف القدرة التي تنتجها في الظروف السطحية.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الكفاءة وإجمالي الطاقة المنتجة.

فارتفاع الكفاءة إلى 34.71% لا يعني أن وضع الخلية في البحر سيولد كهرباء أكثر من وضعها على سطح الأرض.

القصة الحقيقية هي أن الخلية أصبحت أكثر ملاءمة للبيئة الضوئية الموجودة تحت الماء، بحيث لا تهدر قدرتها على امتصاص أطوال موجية قامت المياه أصلًا بحجبها.

وأظهرت المقارنة أن الخلايا ذات نطاق الامتصاص الأوسع حققت كفاءة تقارب 27% فقط في الضوء المرشح نفسه.

كما وصلت وحدة شمسية مربعة يبلغ حجمها نحو 7 سنتيمترات إلى كفاءة بلغت 29.40% عند عمق 10 أمتار في ظروف المحاكاة.

البوليمر يحل نقطة ضعف مهمة

لكن تصميم الخلية وفق الضوء الموجود تحت الماء لم يكن التحدي الوحيد.

فالبيروفسكايت الذي استخدمه الباحثون، والمعدل لامتصاص نطاق ضيق نسبيًا من الضوء، يعاني مشكلة معروفة.

فعند تعرضه للضوء، يمكن لأيونات اليوديد والبروميد الموجودة في المادة أن تتحرك، ما يؤدي إلى انفصال الفيلم إلى مناطق مختلفة ويؤدي في النهاية إلى انخفاض الجهد والأداء.

ولمعالجة المشكلة، أضاف الباحثون بوليمرًا إلى الحبر المستخدم في تصنيع الفيلم قبل أن تتشكل الخلية.

يساعد هذا البوليمر على تثبيت البنية البلورية، كما يملأ بعض الفراغات في المادة، ويجعل سطح الفيلم أكثر مقاومة للماء.

كما أدى إلى تكوين حبيبات أكبر وسطح أكثر نعومة.

والنتيجة كانت تحسنًا واضحًا في استقرار الخلية؛ إذ احتاج انتقال الأيونات داخل الفيلم إلى نحو ثلاثة أضعاف الطاقة التي كان يحتاجها قبل المعالجة، ما يشير إلى أن حركتها أصبحت أكثر صعوبة.

وفي ضوء الشمس الكامل، حققت الخلية المعالجة كفاءة بلغت 17.08%، بينما سجل اختبار مستقل كفاءة بلغت 16.79%.

التجربة انتقلت من المختبر إلى البحر

بعد الاختبارات الضوئية، أراد الباحثون معرفة ما إذا كانت الفكرة قادرة على العمل في بيئة بحرية حقيقية.

ولذلك غلفوا الوحدات الشمسية بحاجز من أكسيد الألومنيوم، وطبقة مانعة للتسرب، وغطاء زجاجي، ثم ثبتوها داخل مادة الإيبوكسي لحمايتها من المياه.

وخضعت الخلايا لاختبارات استقرار طويلة نسبيًا، بما في ذلك تجارب غمر.

وخلال أكثر من 200 يوم في خزان، بقي تركيز الرصاص في المياه المحيطة أقل من 1.15 جزء في المليار، وهي نتيجة مهمة بالنظر إلى أن البيروفسكايت المستخدم يحتوي على الرصاص.

كما نجحت الخلايا في البقاء تحت الماء لمدة ستة أشهر من دون ظهور تشققات في بنية التغليف، وفق اختبارات الفريق.

لكن التجربة الأكثر أهمية جاءت في البحر المفتوح.

شحن البطاريات على عمق 10 أمتار

حمل روبوت صغير مجموعتين من أربع وحدات شمسية إلى المياه قبالة جزيرة وييتشو في بحر الصين الجنوبي.

وأجريت اختبارات على أعماق مختلفة، حيث بقيت الوحدات على كل عمق لمدة ساعتين.

وكانت مساحة السطح العامل لكل مجموعة نحو 115 سنتيمترًا مربعًا.

وعلى عمق مترين، تمكنت الوحدات من تخزين نحو 1416 ملي واط-ساعة في مجموعة من بطاريات الليثيوم أيون.

وعلى عمق يقارب 6 أمتار، انخفضت الكمية إلى نحو 752 ملي واط-ساعة.

أما عند عمق 10 أمتار، حيث كان الضوء هو الأضعف، فقد تمكنت الخلايا من تخزين نحو 324 ملي واط-ساعة.

وهذه الكمية تكفي نظريًا لتشغيل مصباح LED بقدرة واحد واط لنحو 20 دقيقة.

ولإثبات وصول الطاقة إلى البطاريات، استخدم الباحثون الطاقة المخزنة لإضاءة لوحة تحمل حروفًا حمراء باسم الجامعة.

النتيجة فاجأت الباحثين أنفسهم

لم يكن الباحثون يتوقعون أن تحقق الخلايا هذا المستوى من الأداء على عمق 10 أمتار.

وقال قائد الدراسة وين-هوا تشانغ إن الفريق توقع في البداية قدرة شحن تتراوح بين 50 و100 ملي واط-ساعة عند هذا العمق، كما توقعوا أن تتوقف الخلايا عن الشحن تقريبًا عند عمق يتراوح بين 5 و6 أمتار.

لكن الاختبار الميداني أظهر أكثر من 300 ملي واط-ساعة عند عمق 10 أمتار.

وهذا لا يعني أن الخلايا أصبحت بديلًا للألواح الشمسية التقليدية في إنتاج الكهرباء على نطاق واسع، لكنه يوضح إمكانية استخدامها في تطبيقات مختلفة تمامًا: توفير كميات صغيرة ومستقرة من الطاقة لمعدات موجودة أصلًا تحت الماء.

الرسم التخطيطي للخلايا الشمسية البيروفسكايتية المغمورة تحت الماء

لماذا قد تكون البيئة البحرية أفضل للخلية؟

المفارقة الأخرى في الدراسة أن البيئة التي تحد من الطاقة الشمسية قد تساعد في الوقت نفسه على إطالة عمر الخلايا.

فعلى سطح الأرض، تمثل الحرارة والأشعة فوق البنفسجية عاملين مهمين في تدهور خلايا البيروفسكايت.

أما تحت الماء، فإن الأشعة فوق البنفسجية تكون غائبة تقريبًا، كما تعمل المياه المحيطة على تبريد الخلية.

وفي اختبار استمر 1000 ساعة تحت ضوء يحاكي ظروف عمق 10 أمتار، احتفظت الخلية المغلقة بنحو 99.58% من كفاءتها الأولية.

وفي اختبار آخر، احتفظت الخلايا المخزنة جافة في بيئة نيتروجينية بنحو 96% من كفاءتها بعد 300 يوم، في حين انخفض أداء الخلايا غير المعالجة إلى نحو 85% بعد 200 يوم.

شحن البطاريات على عمق 10 أمتار

هل يمكن أن تعمل 5.5 سنوات تحت الماء؟

يقدم الباحثون تقديرًا مثيرًا للاهتمام لعمر الخلية.

فمن خلال تسريع عملية تقادم الخلايا عند درجات حرارة تتراوح بين 35 و105 درجات مئوية، ثم استخدام نموذج رياضي لاستقراء النتائج، قدر الفريق أن الخلية قد تصل إلى النقطة التي ينخفض فيها أداؤها إلى 80% من المستوى الأولي بعد نحو 48,094 ساعة عند درجة حرارة 25 مئوية، أي ما يقارب 5.5 سنوات.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر عند تقديمها للجمهور.

هذه ليست نتيجة ناتجة عن تشغيل الخلية لمدة 5.5 سنوات في البحر.

إنها تقدير مستخرج من اختبارات تسريع للتقادم ونموذج حسابي.

أما أطول فترة غمر متواصل في التجارب الحالية فكانت نحو ستة أسابيع، بينما اقتصرت تجربة البحر المفتوح على ساعتين في كل عمق.

لذلك لا يمكن حتى الآن القول إن هذه الألواح ستعمل بالفعل 5.5 سنوات في ظروف المحيطات الحقيقية.

خلية شمسية مصممة للعمل تحت الماء في أعماق البحر

ماذا يمكن أن تشغل؟

تكمن القيمة العملية للتقنية في أنها لا تحتاج إلى إنتاج كميات هائلة من الكهرباء حتى تكون مفيدة.

ففي أعماق المحيطات والمناطق البحرية النائية، قد يكون المطلوب تشغيل مستشعر صغير أو جهاز اتصال أو مصدر إضاءة أو كاشف بيئي باستمرار، وليس تشغيل مدينة.

وهنا يمكن أن تصبح الطاقة الشمسية تحت الماء جزءًا من منظومة مستقلة لتشغيل أجهزة المراقبة البحرية.

ومن التطبيقات المحتملة التي أشار إليها الباحثون:

وهذا قد يقلل الحاجة إلى إرسال فرق الصيانة باستمرار لتغيير البطاريات أو إعادة شحنها، خصوصًا في المناطق البعيدة.

من مراقبة المحيط إلى فهم تغير المناخ

تزداد أهمية هذه التقنية إذا وضعت في سياق أزمة البيانات البحرية.

فالمحيطات تغطي معظم سطح الكوكب، لكنها لا تزال من أصعب البيئات بالنسبة للمراقبة المستمرة.

وتحتاج دراسة تغير المناخ، وارتفاع حرارة البحار، وتغير النظم البيئية، وانتشار بعض الأنواع، وجودة المياه، إلى بيانات مستمرة من أجهزة موزعة على مساحات واسعة.

لكن كل جهاز يحتاج إلى طاقة.

والحل التقليدي القائم على البطاريات يفرض قيودًا مرتبطة بعمر البطارية وتكلفة الوصول إلى الأجهزة وصيانتها.

أما إذا أمكن توفير مصدر طاقة ذاتي يعمل في الموقع، حتى لو بقدرة محدودة، فقد يصبح من الممكن إبقاء بعض أجهزة الاستشعار في الخدمة لفترات أطول.

وهنا لا تكمن أهمية الخلية في كمية الكهرباء التي تنتجها، وإنما في تحويل جهاز صغير من جهاز يحتاج إلى صيانة متكررة إلى منصة مراقبة أكثر استقلالًا.

 

ماذا عن الأعماق الأكبر؟

لا تزال هذه واحدة من أكبر الأسئلة المفتوحة.

فالخلية الحالية صُممت لتكون فعالة بشكل خاص عند نحو 10 أمتار، ولا يمكن افتراض أن الأداء نفسه سيستمر كلما ازداد العمق.

فكلما تعمق الجهاز، تقل كمية الضوء وتتغير تركيبته الطيفية، وبالتالي قد تحتاج الخلية إلى ضبط جديد للاستفادة من الضوء المتاح.

ويعمل الفريق حاليًا على تقييم قدرة الخلايا على إنتاج الكهرباء في بيئات بحرية تتراوح أعماقها بين 20 و30 مترًا.

وهذا يعادل نحو 66 إلى 98 قدمًا تحت سطح الماء.

إذا أثبتت التجارب المستقبلية قدرة الخلايا على العمل بكفاءة في هذه الأعماق، فقد تتوسع التطبيقات الممكنة، لكن هذه القدرة لم تثبت بعد.

البحر نفسه هو الاختبار الأصعب

رغم النتائج الواعدة، لا تزال هناك فجوة واضحة بين المختبر والمحيط.

فالطقس، وشفافية المياه، والأمواج، والتيارات، والاضطرابات البحرية يمكن أن تغير كمية الضوء التي تصل إلى الخلية.

كما يمكن أن تختلف ظروف المياه من موسم إلى آخر، ويمكن أن تتغير شدة الضوء بسرعة بالقرب من قاع البحر.

وهذه العوامل لم تتم مراقبتها بصورة مستمرة على مدار عام كامل في الدراسة الحالية.

لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد تحسين كفاءة الخلية، وإنما اختبارها في بيئة بحرية حقيقية لفترات طويلة وتحت ظروف متغيرة.

الطاقة الشمسية لا تتوقف عند سطح البحر

تكشف هذه الدراسة عن اتجاه مختلف في التفكير بالطاقة الشمسية.

فبدل محاولة إجبار الخلية التقليدية على العمل في بيئة لا تناسبها، أعاد الباحثون تصميم الخلية لتتناسب مع الضوء الموجود فعليًا تحت الماء.

والنتيجة ليست محطة كهرباء غارقة في البحر، ولا بديلًا عن مزارع الطاقة الشمسية على اليابسة، وإنما تقنية قد تؤدي وظيفة أكثر تخصصًا: توفير طاقة محلية مستقلة لأجهزة صغيرة تراقب المحيطات من الداخل.

وهذه الوظيفة قد تكون ذات قيمة كبيرة في عالم يحتاج إلى مزيد من البيانات عن البحار، من تغير درجات الحرارة وجودة المياه إلى صحة الشعاب المرجانية ومزارع الأسماك.

لكن الطريق إلى الاستخدام التجاري الواسع لا يزال يحتاج إلى اختبارات أطول في البحر، ودراسة الأداء على أعماق أكبر، والتأكد من سلامة المواد واستدامة التغليف.

حتى ذلك الحين، يبقى الإنجاز الأبرز أن الباحثين أثبتوا أن ضعف ضوء الشمس تحت الماء ليس بالضرورة نهاية قصة الطاقة الشمسية؛ فإذا صُممت الخلية وفق الضوء الذي يصل إليها، يمكن حتى لهذا الضوء الخافت أن يصبح مصدرًا مفيدًا للطاقة.

Exit mobile version