أكثر من نصف المجتمعات الساحلية حول العالم تنسحب أمام زحف البحر

القرى والمدن الساحلية بين الانسحاب والصمود.. الفقر يجبر الملايين على البقاء في مناطق ساحلية عالية المخاطر

مع استمرار ارتفاع مستوى البحار وتزايد قوة العواصف، يجد سكان المناطق الساحلية أنفسهم مضطرين لمواجهة سؤال قديم في سياق جديد: أين يجب أن نعيش؟

على مدى آلاف السنين جذبت السواحل البشر بما وفرته من تجارة وغذاء وفرص. لكن في القرن الحادي والعشرين، تحولت الشواطئ التي احتضنت الحضارات إلى مناطق محفوفة بالمخاطر.

هذه القصة لا تتعلق بتغير المناخ فقط، بل تمتد لتشمل قضايا عدم المساواة، والتكيف، وحدود قدرة الإنسان على الصمود. الدراسة منشورة في دورية Nature Climate Change.

أنواع مختلفة من الاستجابات للمخاطر الساحلية وارتفاع مستوى سطح البحر. الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، ٢٠١٩

المناخ والمجتمعات الساحلية


فريق دولي من الباحثين قدّم واحدة من أكثر الرؤى شمولًا لحركة الاستيطان البشري على السواحل.
استندت الدراسة إلى نحو ثلاثة عقود من بيانات أضواء الليل الملتقطة بالأقمار الصناعية، غطت 1,071 منطقة ساحلية فرعية في 155 دولة بين عامي 1992 و2019.

أظهرت النتائج صورة معقدة وغير متساوية: 56% من المناطق شهدت انتقال السكان إلى الداخل، 28% ظلت ثابتة، و16% انتقل سكانها إلى مواقع أقرب من البحر.
هذه التحركات تكشف عن قصص تكيف، لكنها تعكس أيضًا قيودًا واضحة؛ فالأغنياء غالبًا ما تمكنوا من الانتقال بعيدًا، بينما بقي الفقراء أو اقتربوا أكثر بحثًا عن سبل العيش رغم المخاطر.

أمواج المد تجرف المجتمعات الساحلية في نيجيريا

الفقر وضغط السواحل


قال المؤلف الرئيسي شياومينغ وانغ، الأستاذ المساعد بجامعة موناش:

“لأول مرة قمنا برسم خريطة لحركة الاستيطان البشري بعيدًا عن السواحل. يتضح أن الانتقال إلى الداخل يحدث بالفعل، لكن فقط عندما يمتلك الناس القدرة على ذلك”.

وأضاف: “في المناطق الفقيرة يُجبر الناس أحيانًا على البقاء معرضين للمخاطر المناخية، سواء بسبب الحاجة للعيش أو لغياب القدرة على التحرك. هذه المجتمعات تواجه مخاطر متزايدة مع تغيّر المناخ”.

تُظهر النتائج أن المناطق منخفضة الدخل أكثر عرضة للانكشاف، حيث تنمو التجمعات العشوائية قرب السواحل بحثًا عن فرص الصيد أو الموانئ أو الوظائف الحضرية، لكنها غالبًا تُبنى في مناطق هشة ومعرّضة للكوارث.

عدم المساواة بين المجتمعات الساحلية


لم تقتصر الدراسة على رصد اتجاهات الانتقال، بل تابعت أيضًا سرعته. ومن خلال قياس التغير السنوي في المسافة بين التجمعات السكانية وخطوط السواحل، تمكن الباحثون من تحديد وتيرة الانسحاب أو التقدم.

كشفت النتائج عن فروق صارخة بين القارات ومستويات الدخل. فالمناطق ذات القدرات المؤسسية القوية والبنية التحتية المتطورة أظهرت انسحابًا أسرع نحو الداخل، بينما تباطأ الانسحاب في المناطق الأضعف.

وأكد الباحثون أن “الهشاشة” وليس الخبرة السابقة مع الكوارث هو العامل الحاسم.

المناطق الساحلية

الفوارق المناخية عبر القارات


سجلت أمريكا الجنوبية أعلى نسبة انتقال نحو السواحل (17.7%)، تلتها آسيا (17.4%). أما أوروبا وأوقيانوسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية فسجلت نسبًا أقل، مع تفاوت داخلي ملحوظ بين المناطق الغنية والفقيرة.
في أفريقيا وآسيا، افتقرت المناطق منخفضة الدخل إلى الموارد اللازمة للانسحاب، بينما استثمرت المناطق الغنية في أوروبا في دفاعات ساحلية سمحت لها بالبقاء قرب الشواطئ.

يتزايد عدد سكان المناطق الساحلية حول العالم،

ثنائية الثروة والمخاطر في أوقيانوسيا


في أوقيانوسيا، حيث تقع بعض أقرب المجتمعات إلى البحر عالميًا، يعتمد السكان على الصيد والسياحة والشحن. لكن ضيق المساحات الأرضية يحد من إمكانات الانتقال إلى الداخل.
يقول وانغ: “نرى في أوقيانوسيا واقعًا مزدوجًا؛ إذ تتحرك مجتمعات غنية وفقيرة معًا نحو السواحل وأيضًا نحو الداخل. في الحالتين يتعرض الجميع لمخاطر متزايدة من العواصف والتآكل وارتفاع مستوى البحر”.

تضم أوقيانوسيا بعضًا من أقرب المستوطنات إلى الساحل في العالم

مخاطر الثقة في البنية التحتية


تحذر الدراسة من أن البنية التحتية قد تعطي أوهامًا بالأمان. ففي أوروبا وأمريكا الشمالية ظل السكان الأغنياء على السواحل اعتمادًا على السدود والحواجز. لكن هذه الثقة قد تكون مضللة، إذ تشجع التنمية في مناطق عالية الخطورة.

ما بعد الانتقال


يشدد الباحثون على أن العالم لا يمكنه تجنب خيار “الانسحاب المُدار”. ويقول وانغ: “النقل بعيدًا عن السواحل يجب أن يكون جزءًا من الاستراتيجيات المناخية طويلة المدى، مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية”.

ويرى الباحثون أن التكيف يتطلب الجمع بين التخفيف المناخي والإجراءات المحلية، وإلا سيزداد اتساع فجوة التكيف ويظل الفقراء الأكثر عرضة للمخاطر.

النظم البيئية البحرية والساحلية المفتوحة المختلفة التي قمنا بتقييم مستويات المخاطر

جهد عالمي مشترك


شارك في البحث جامعات ومراكز من أستراليا والصين والدنمارك وإندونيسيا. وخلصت الدراسة إلى أن قصة السواحل ليست واحدة، بل فسيفساء من الحقائق المتباينة: مجتمعات تنسحب، وأخرى تتمسك بالشواطئ، وثالثة تقترب منها قسرًا.

الدراسة توجه رسالة واضحة لصناع القرار: التكيف مع المناخ ليس مسارًا موحدًا، بل صراع غير متكافئ تحدده الثروة والهشاشة والمكان.

Exit mobile version