عاد الفحم الحجري إلى الواجهة بوصفه حلًا اضطراريًا فرضته أزمة إغلاق مضيق هرمز، في سباق محموم تشنّه الدول لتعويض نقص الإمدادات وضمان استمرار توليد الكهرباء، حتى لو كان الثمن بيئيًا باهظًا.
وبحسب تقرير زاهر علي للجزيرة، فقد أفضى إغلاق مضيق هرمز إلى توقف نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما أشعل فتيل قفزة حادة في الأسعار، لا سيما في آسيا التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على واردات الغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج.
وفي الفراغ الذي أحدثه هذا الانقطاع المفاجئ، يملأ الفحم الحجري الفجوة بوصفه بديلاً اضطراريًا لا خيارًا مفضّلًا، في مشهد يكشف هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية الكبرى.
وتُرجم هذا التحول إلى قرارات فعلية على أرض الواقع؛ إذ رفعت كل من اليابان وكوريا الجنوبية القيود عن تشغيل محطات الفحم الحجري القديمة التي كانت على وشك الإغلاق النهائي، وفق ما رصدت تقارير الإيكونوميست.
وفي الاتجاه ذاته، رفعت بنغلاديش وارداتها من الفحم الحجري من إندونيسيا وجنوب أفريقيا، فيما زادت الفلبين والهند إنتاجهما المحلي لسدّ العجز المتنامي.
وتقف وراء هذه التحركات اعتبارات اقتصادية بالغة الوضوح؛ فقد ارتفعت أسعار الغاز المسال في آسيا بأكثر من 70% منذ اندلاع الأزمة، في مقابل زيادة لا تتجاوز 17% في أسعار الفحم، ما جعل هذا الفارق الكبير الفحم الحجري رغم كلفته البيئية المرتفعة خيارًا أقل تكلفة نسبيًا لتوليد الطاقة.
وأشار التقرير إلى الأرقام الكاملة للتحول الجاري في الأسواق؛ فارتفع سعر النفط بنحو 50% منذ بداية الأزمة، وتضاعفت أسعار الغاز المسال تقريبًا، في حين ارتفع الفحم الحجري الأسترالي بنحو 25% فقط منذ أواخر فبراير/شباط.
ويحظى الفحم الحجري باستقرار نسبي بفضل طبيعة سوقه، إذ يُتداول عالميًا نحو 17% من إنتاجه مقارنة بـ20% من الغاز، كما تتميز دول آسيوية كبرى مثل الصين والهند ببنية تحتية واسعة يمكن إعادة تشغيلها في غضون أشهر، مما يمنحها هامش مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.
ولا يقتصر هذا التراجع نحو الفحم الحجري على آسيا وحدها؛ فقد قررت إيطاليا تأجيل الإغلاق النهائي لمحطات الفحم الحجري حتى عام 2038، أي بعد 13 عامًا من الموعد المحدد سابقًا، في مؤشر واضح على أن أوروبا لم تنجُ من تداعيات الأزمة.
وتكشف هذه المعطيات مجتمعة أن مسار التحول إلى الطاقة النظيفة، رغم الاستثمارات الضخمة التي ضُخّت فيه على مدى عقود، لا يزال هشًا أمام الصدمات الجيوسياسية الكبرى.
فالفحم الحجري، الذي ظنّ كثيرون أنه أصبح من الماضي، يعود وفق التقرير ليفرض حضوره من جديد، ليس بدافع الاختيار، بل بإملاء ضرورات الأزمة، تاركًا تساؤلات معلّقة حول مستقبل مناخ الأرض في ظل حروب تُعيد رسم خرائط الطاقة العالمية.
