أعادت أدوية إنقاص الوزن الحديثة، وعلى رأسها أدوية السكري المعتمدة على هرمون GLP-1، فتح نقاش علمي واسع حول علاقتها بخطر الإصابة بالسرطان، بعدما كشفت تحليلات موسعة لقواعد بيانات صحية ضخمة عن معدلات أقل لعدد من السرطانات المرتبطة بالسمنة بين مستخدمي هذه الأدوية.
وتشير هذه النتائج، التي تستند إلى سجلات تأمين صحي وقواعد بيانات وطنية، إلى أن التأثير المحتمل لهذه العلاجات قد يتجاوز خفض الوزن وضبط السكر في الدم، ليصل إلى تعديل المسارات البيولوجية المرتبطة بنمو الخلايا السرطانية. غير أن هذا الأمل العلمي لا يزال محاطًا بتحفظات تتعلق بمخاطر نادرة، وبحاجة ماسة إلى أدلة طويلة الأمد.
لماذا ترتبط السمنة بالسرطان؟
ترتبط السمنة ومرض السكري من النوع الثاني بزيادة خطر الإصابة بالسرطان بسبب تأثيرهما العميق في وظائف الخلايا. فارتفاع مستويات الإنسولين، والالتهاب المزمن منخفض الدرجة، واضطراب الاستجابة المناعية، والتغيرات في الهرمونات الجنسية، جميعها عوامل تخلق بيئة بيولوجية تساعد الخلايا غير الطبيعية على الانقسام والبقاء.
وتربط مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة بين زيادة الوزن والسمنة و13 نوعًا من السرطان، تمثل نحو 40% من إجمالي تشخيصات السرطان. هذه الأرقام تضع أي علاج قادر على تقليل الوزن أو تحسين حساسية الإنسولين تحت مجهر البحث العلمي الدقيق.
الدراسة نُشرت في دورية Nature Cancer.
كيف تعمل أدوية GLP-1؟
يعتمد هذا النوع من الأدوية على محاكاة هرمون طبيعي تفرزه الأمعاء بعد تناول الطعام، يعمل على تحفيز إفراز الإنسولين، وإبطاء إفراغ المعدة، وتقليل الشهية. وتؤدي هذه التأثيرات مجتمعة إلى خفض مستويات السكر في الدم وتقليل استهلاك السعرات الحرارية، ما يساعد على فقدان الوزن تدريجيًا.
لكن التأثير لا يتوقف عند الميزان فقط؛ إذ تشير أبحاث متزايدة إلى أن هذه الأدوية قد تُحسّن استجابة الخلايا للإنسولين، وتُقلل من الإشارات البيوكيميائية التي قد تستغلها بعض الأورام للنمو والتكاثر.
إشارات واقعية من البيانات الصحية
في دراسات رصدية اعتمدت على مطابقة دقيقة بين المستخدمين وغير المستخدمين، لوحظ انخفاض معدلات الإصابة بعدة سرطانات مرتبطة بالسمنة، من بينها سرطان القولون، والكبد، والرحم، وبعض أنواع سرطان البنكرياس.
غير أن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج، رغم أهميتها، لا ترقى إلى إثبات علاقة سببية مباشرة. فالأشخاص الذين يستخدمون هذه الأدوية قد يختلفون في سلوكهم الصحي، أو مستوى الرعاية الطبية، أو معدلات الفحص المبكر، وهي عوامل يصعب ضبطها بالكامل في الدراسات القائمة على البيانات الواقعية.
ماذا تقول التجارب السريرية؟
تُعد التجارب العشوائية المحكمة المعيار الذهبي لتقييم المخاطر والفوائد. وفي تحليل تجميعي طويل الأمد، لم تُظهر هذه التجارب اختلافًا واضحًا في معدلات الإصابة الإجمالية بالسرطان بين مستخدمي أدوية GLP-1 ومجموعات المقارنة.
لكن التحليل نفسه رصد إشارة ضعيفة تتعلق بسرطان الغدة الدرقية، إضافة إلى ارتفاع مبكر في تشخيصات سرطان القولون، يُرجح أنه ناتج عن زيادة الفحوصات الطبية لا عن زيادة فعلية في الخطر.
ويحذر العلماء من أن السرطان مرض بطيء التطور، وقد تستغرق آثاره سنوات طويلة للظهور، ما يجعل المتابعة طويلة الأمد عنصرًا حاسمًا في حسم الجدل.
الجدل حول الغدة الدرقية
لا تزال الغدة الدرقية تمثل نقطة الحذر الأبرز. فقد أظهرت دراسات على القوارض، باستخدام جرعات مرتفعة من هذه الأدوية، زيادة في بعض أورام الغدة الدرقية. ورغم أن هذه النتائج لم تُثبت حتى الآن لدى البشر، فإن الجهات التنظيمية توصي بتجنب استخدام هذه الأدوية لدى الأشخاص المصابين بنوع نادر جدًا من سرطان الغدة الدرقية الوراثي.
وحتى الآن، لم تُظهر الدراسات البشرية الواسعة زيادة مؤكدة في الخطر، لكن الأطباء يواصلون مراقبة التاريخ العائلي والأعراض بعناية، في انتظار بيانات أطول زمنًا.
أدوية إنقاص الوزن والسرطان القائم بالفعل
في سياق علاج المرضى المصابين بالسرطان، يصبح التعامل مع الوزن أكثر تعقيدًا. فقد تؤدي الآثار الجانبية مثل الغثيان وفقدان الشهية إلى فقدان وزن غير مرغوب فيه أثناء العلاج الكيميائي أو التعافي بعد الجراحة.
ويحذر الأطباء من خطر الساركوبينيا، أي فقدان الكتلة العضلية، لما له من تأثير سلبي في القدرة على تحمّل العلاج والشفاء. ولهذا تُستخدم هذه الأدوية بحذر شديد، مع تعديل الجرعات، وتقديم دعم غذائي، ووضع برامج حركة مناسبة لكل مريض على حدة.
إلى أين تتجه الأبحاث؟
تجري حاليًا تجارب سريرية تدرس استخدام أدوية GLP-1 لدى مرضى يعانون من سرطانات مثل الثدي، والرحم، والبروستاتا، بهدف تحسين التحكم الأيضي وزيادة قدرة المرضى على تحمّل العلاج، وليس للوقاية من السرطان بحد ذاته.
ويأمل الباحثون في أن يساهم ضبط مستويات السكر وتقليل الدهون الحشوية في تحسين نتائج العلاج وتقليل المضاعفات، لكن هذه الفرضيات لا تزال قيد الاختبار.
أمل علمي… بحذر
تشير الأدلة الحالية إلى أن أدوية إنقاص الوزن قد تُسهم في تقليل خطر بعض السرطانات المرتبطة بالسمنة، غالبًا من خلال تحسين الأيض وخفض الوزن بطريقة أكثر أمانًا واستدامة. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الأدوية لا ينبغي استخدامها بهدف الوقاية من السرطان في الوقت الراهن.
ويبقى الحكم النهائي مرهونًا بنتائج دراسات أطول زمنًا وأكثر دقة، بينما يواصل الأطباء والجهات التنظيمية مراقبة أي مخاطر نادرة محتملة، خصوصًا تلك المتعلقة بالغدة الدرقية.
