كيف يتنبأ الذكاء الاصطناعي بالطقس قبل 4 أسابيع؟.. تقنية تتعلم من أخطاء النماذج السابقة
ثورة في التنبؤات الجوية.. أداة ذكاء اصطناعي تتجاوز أحد أكبر تحديات علم الأرصاد
نجح فريق من العلماء في تطوير أداة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة التنبؤات الجوية قبل ثلاثة إلى أربعة أسابيع، في تطور علمي قد يعزز قدرات الإنذار المبكر بالظواهر الجوية المتطرفة، ويمنح الحكومات والقطاعات الاقتصادية وقتًا أطول للاستعداد لمخاطر الطقس.
وعادة ما تتراجع موثوقية التوقعات الجوية بصورة ملحوظة بعد مرور نحو عشرة أيام، بينما تصبح النماذج العالمية الأكثر تطورًا أقل كفاءة بعد الأسبوعين، إلى درجة أن توقعات الطقس في بعض الحالات لا تتفوق على مجرد افتراض استمرار متوسط الأحوال الجوية المعتادة في ذلك الوقت من العام.
لكن الأداة الجديدة، التي تعتمد على تقنيات التعلم الآلي، تتعامل مع هذه المشكلة بطريقة مختلفة، إذ تتعلم من الأخطاء السابقة لنماذج التنبؤ بالطقس وتعمل على تصحيحها، ما يساعد على تحسين توقعات الأنماط الجوية العامة قبل ثلاثة إلى أربعة أسابيع، لتتجاوز في أدائها المتوسطات المناخية طويلة الأجل.
ووفقًا للدراسة، ضاعفت الأداة كفاءة أحد أبرز نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التنبؤ بالطقس عند هذه الفترات الزمنية، كما حسنت أداء النموذج الأوروبي المعروف بدقته العالية في نحو 90% من مربعات الشبكة الجغرافية المستخدمة في التنبؤ.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Nature العلمية.
وعند اختبار التقنية في مسابقة دولية للتنبؤات الجوية، تمكن الفريق المطور من التفوق على جميع الفرق المنافسة.
وضم فريق البحث هانا جوان من كلية هارفارد، وسكينة معتاديد من جامعة تورنتو، وجودا كوهين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وليستر ماكي من شركة مايكروسوفت للأبحاث.
ويشير الباحثون إلى أن الشفرة البرمجية للأداة متاحة مجانًا للاستخدام، رغم أن عددًا من مؤلفي الدراسة يعملون لدى شركة مايكروسوفت أو يمتلكون أسهمًا فيها.

حاجز الأسبوعين.. أحد أكبر تحديات التنبؤ بالطقس
تعتمد نماذج التنبؤ بالطقس على محاكاة الغلاف الجوي خطوة بخطوة، إلا أن الأخطاء الصغيرة التي تحدث خلال كل خطوة تتراكم تدريجيًا، ما يؤدي إلى تراجع دقة التوقعات مع مرور الوقت.
وبحلول الأسبوع الثالث، يمكن للأخطاء المتراكمة أن تتجاوز المعلومات المفيدة التي يوفرها النموذج، وهو ما يجعل التنبؤات أقل موثوقية.
ويطلق خبراء الأرصاد على الفترة الممتدة من أسبوعين إلى ستة أسابيع اسم «صحراء القدرة على التنبؤ»، إذ تسجل النماذج خلالها درجات مهارة منخفضة، قد تصل إلى ما دون الصفر على مقياس التقييم القياسي، بما يعني أن الاعتماد على متوسط الأحوال الجوية التاريخية قد يكون أفضل من التوقعات الصادرة عنها.
وتكتسب هذه الفترة أهمية خاصة؛ لأن الحصول على إنذارات مبكرة خلالها يمكن أن يمنح الحكومات والقطاعات الحيوية وقتًا إضافيًا للاستعداد للأحداث الجوية الخطيرة.
ومن الأمثلة على ذلك العواصف الشتوية الثلاث التي ضربت ولاية تكساس الأمريكية في فبراير 2021، وتسببت في أسوأ انهيار لمنظومة الطاقة في تاريخ الولاية، وأسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 246 شخصًا.
وكان من الممكن أن تمنح التوقعات المبكرة لهذه العواصف المسؤولين وقتًا إضافيًا للاستعداد، سواء من خلال تأمين إمدادات الطاقة أو تعزيز إجراءات الطوارئ والاستجابة للأزمة.
ويرتبط الحد الزمني للتنبؤ بالطقس بنحو أسبوعين بأبحاث عالم الأرصاد الجوية إدوارد لورينز، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي أشار قبل أكثر من 50 عامًا إلى أن الطبيعة الفوضوية للغلاف الجوي تجعل التنبؤ الدقيق بما يتجاوز هذه الفترة أمرًا بالغ الصعوبة.
لكن جودا كوهين، أحد المشاركين في الدراسة، أوضح أنه لم يقتنع تمامًا بأن هذا الحد يمثل نهاية الإمكانات المتاحة لتحسين التنبؤات الجوية.
كيف تعمل أداة الذكاء الاصطناعي الجديدة؟

تحمل الأداة الجديدة اسم «التصحيح الاحتمالي للتحيز» (Probabilistic Bias Correction)، ولا تتولى التنبؤ بالطقس بصورة مباشرة، بل تعمل على تحسين التوقعات التي تنتجها النماذج الجوية، من خلال تصحيح الأخطاء المتكررة في تقديراتها الاحتمالية.
وتستقبل الأداة توقعات النموذج بشأن احتمالات أن يكون الأسبوع أكثر حرارة أو برودة أو رطوبة أو جفافًا من المعتاد، ثم تعمل على تعديل هذه الاحتمالات استنادًا إلى بيانات التنبؤات السابقة والظروف الجوية الفعلية.
وتعتمد التقنية على مرحلتين أساسيتين؛ تقارن الأولى بين توقعات النموذج خلال 20 عامًا سابقة والظروف الجوية التي حدثت بالفعل، مع تحليل الأخطاء في المواقع الجغرافية المختلفة والفصول المتنوعة، ثم تعمل على خصم الانحرافات المتكررة من التوقعات الجديدة.
أما المرحلة الثانية، فتدمج التوقعات مع بيانات الطقس التي جرى رصدها خلال الأسابيع القليلة السابقة، إلى جانب المتوسطات المناخية طويلة الأجل، ثم يجري حساب متوسط التصحيحين للوصول إلى توقعات أكثر دقة.
وتتميز الأداة بقدرتها على إعادة تدريب نفسها يوميًا مع وصول توقعات جديدة وبيانات رصد حديثة، كما أنها لا تحتاج إلى أجهزة حاسوب فائقة القدرة لتشغيلها.
وقال جودا كوهين إن الباحثين انطلقوا من فكرة أن نماذج الذكاء الاصطناعي تحتوي على أخطاء عديدة، وبالتالي يمكن قياس هذه الأخطاء وتحديدها والعمل على إزالتها لتحسين نتائج التنبؤات.
تحسين أداء النماذج الجوية المختلفة
اختبر الباحثون الأداة الجديدة على ثلاثة أنظمة للتنبؤ بالطقس، كان أولها النموذج التجميعي المعتمد على الفيزياء، التابع للمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى.
أما النظامان الآخران، فهما نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد التابع للمركز نفسه، ونموذج هجين يستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل لتحسين نتائج النموذج التجميعي.
وتضمنت الاختبارات توقعات درجات الحرارة وهطول الأمطار والضغط الجوي قبل ثلاثة وأربعة أسابيع، مع مقارنة النتائج بالظروف الجوية الفعلية خلال الفترة من 2016 إلى 2024.
وأظهرت النتائج أن الأداة الجديدة ضاعفت كفاءة نموذج الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطقس، كما حسنت مهارة النموذج الهجين في توقعات هطول الأمطار بنسبة تراوحت بين 68% و98%، وفقًا للفترة الزمنية للتنبؤ.
أما بالنسبة للنموذج الأوروبي المعتمد على الفيزياء، فقد رفعت الأداة كفاءته في توقع الأمطار إلى ثلاثة أضعاف مستواه السابق، رغم أن قدرته الأساسية على هذا النوع من التنبؤ كانت محدودة.
كما نجحت في تحويل توقعات درجات الحرارة والضغط الجوي، التي كانت أقل دقة من المتوسطات المناخية طويلة الأجل، إلى توقعات تتفوق على تلك المتوسطات.
وفي المقابل، لم يحقق نظام التصحيح اليومي التقليدي الذي يستخدمه المركز الأوروبي تحسنًا مماثلًا، إذ ظلت كفاءة توقعات الأمطار لديه قريبة من الصفر.
وكانت أكبر المكاسب التي حققتها الأداة الجديدة في توقعات هطول الأمطار، وهو المتغير الذي تواجه النماذج الجوية المختلفة أكبر صعوبة في التنبؤ به.

المركز الأول في مسابقة دولية للتنبؤات الجوية
في عام 2025، أطلق المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى مسابقة دولية تتيح للفرق المشاركة تقديم توقعات جوية أسبوعية في الوقت الفعلي.
وشارك الفريق المطور للأداة الجديدة تحت اسم «MicroDuet»، وتمكن خلال موسم الخريف من احتلال المركز الأول في جميع المتغيرات الجوية التي جرى تقييمها، وعلى فترتي التنبؤ الممتدتين إلى ثلاثة وأربعة أسابيع.
وتفوق الفريق على النماذج التشغيلية التابعة لست هيئات حكومية للتنبؤ بالطقس، من بينها الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، إلى جانب 34 فريقًا آخر.
وقال كوهين إن النماذج التي طورها الفريق تمكنت بصورة متكررة من تحقيق نتائج أفضل من المتوسطات المناخية، معتبرًا أن هذا الإنجاز من أبرز نتائج الدراسة، نظرًا لصعوبة تجاوز هذه المتوسطات عند التنبؤ بالطقس على المدى البعيد.
إنذار مبكر بالفيضانات وموجات الحرارة الشديدة
لم تقتصر فوائد الأداة الجديدة على تحسين توقعات الأحوال الجوية المعتادة، بل امتدت إلى تعزيز القدرة على رصد الظواهر الجوية المتطرفة، التي غالبًا ما تكون الأكثر تأثيرًا في المجتمعات والاقتصادات.
ولهذا الغرض، أعاد الباحثون تدريب الأداة لتحديد الأسابيع التي تقع ضمن أعلى أو أدنى 5% من درجات الحرارة أو معدلات هطول الأمطار، سواء من حيث الحرارة الشديدة أو البرودة أو الأمطار الغزيرة أو الجفاف، في كل موقع جغرافي.
وأظهرت النتائج أن الأداة رفعت كفاءة النموذج الأوروبي في رصد موجات الحرارة الشديدة بنسبة 51% مقارنة بنظام التصحيح التقليدي الذي يستخدمه المركز، كما امتدت هذه التحسينات إلى معظم المناطق الجغرافية بدلًا من تركزها في نطاقات محدودة.
ولقياس كفاءة التقنية في توقع الفيضانات، فحص الباحثون توقعات هطول الأمطار حول مجموعة من الأحداث المسجلة خلال العقد الماضي في نظام دولي للإنذار بالكوارث.
وأظهرت النتائج أن الأداة الجديدة حسنت كفاءة توقعات الأمطار المرتبطة بهذه الفيضانات بنسب تراوحت بين 76% و92%، في حين تراجعت كفاءة نظام التصحيح التقليدي إلى مستويات قريبة من الصفر.
وسجلت الأداة أكبر مكاسبها عند تحليل 88 حالة من الفيضانات الشديدة، التي أسفرت كل منها عن أكثر من 100 حالة وفاة أو نزوح 80 ألف شخص، بينما لم يحقق نظام التصحيح التقليدي أداء أفضل من النموذج الأصلي دون تصحيح.
وفي نوفمبر 2025، قدم الفريق توقعًا للأسبوع الرابع أشار إلى احتمال تعرض شرق الولايات المتحدة لموجة باردة خلال منتصف ديسمبر، وهو ما تحقق بالفعل، بينما أخفق التوقع المصحح للنموذج الأوروبي في رصد هذه الحالة.
وأكد كوهين أهمية تحسين القدرة على التنبؤ بالأحوال الجوية المعتادة والمتطرفة معًا، مشيرًا إلى أن الظواهر المتطرفة قد تكون الأكثر تأثيرًا في المجتمعات.

حدود التقنية الجديدة ومستقبل استخدامها
رغم النتائج الواعدة، يوضح الباحثون أن الأداة الجديدة لا تمثل بديلًا عن تطوير نماذج التنبؤ بالطقس، وإنما تعمل كمرحلة إضافية لتحسين نتائجها.
فهي تستطيع تصحيح الأخطاء المتكررة التي تنتجها النماذج، لكنها لا تستطيع استعادة المعلومات أو الإشارات الجوية التي لم يتمكن النموذج الأصلي من رصدها من الأساس.
كما أن درجات التحسن المسجلة، رغم تجاوزها المتوسطات المناخية طويلة الأجل، لا تزال محدودة نسبيًا، ولا تعني أن كل توقع جوي فردي سيكون صحيحًا.
وأشار كوهين إلى أن مكتب الأرصاد الجوية في كينيا أبدى اهتمامًا باستخدام الأداة الجديدة للتنبؤ بموسم الرياح الموسمية، بما يساعد المزارعين على التخطيط لأنشطتهم الزراعية.
ومع ذلك، لا تزال الأدلة على مدى تأثير إتاحة بضعة أسابيع إضافية من الإنذار المبكر في القرارات الفعلية لشركات الطاقة والمزارعين محدودة، وتعتمد في معظمها على دراسات حالة منفصلة.
وتتمثل الخطوة المقبلة في اختبار قدرة هيئات الأرصاد الجوية على دمج الشفرة البرمجية للأداة ضمن نماذجها التشغيلية، والتحقق من استمرار التحسينات التي حققتها خارج إطار المسابقات العلمية.





