تراجع الهيدروجين الأخضر يهدد أهداف خفض الانبعاثات العالمية

مشروعات الهيدروجين الأخضر تتعثر عالميًا بسبب ارتفاع التكاليف وضعف الطلب

لماذا تراجع الاهتمام العالمي بالهيدروجين الأخضر؟ شركات الطاقة الكبرى تتراجع عن المشروعات

يشهد قطاع الهيدروجين الأخضر حول العالم موجة من التراجعات والإلغاء في المشروعات، ما يهدد بتحقيق الاعتماد طويل الأجل على الوقود الأحفوري بشكل يفوق التقديرات المستهدفة.

إذ تشير التطورات الأخيرة إلى أن الطموحات العالمية المتعلقة بهذا الوقود النظيف كانت مفرطة في التفاؤل مقارنة بواقع السوق، ما دفع العديد من الشركات إلى تقليص استثماراتها أو تجميد مشروعاتها.

فجوة بين الطموحات والواقع

وفقًا لبيانات شركة “ويستوود جلوبال إنرجي”، من المتوقع أن يدخل الخدمة فقط نحو 20% من مشروعات الهيدروجين المخطط لها في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، أي ما يعادل 12 جيجاواط من القدرة الإنتاجية، مقارنةً بالهدف الأوروبي البالغ 40 جيجاواط.

وقال جون ساسامورا، مدير قطاع الهيدروجين في الشركة، إن الفجوة بين الطموح والواقع أصبحت واضحة، مؤكدًا: “في الوضع الحالي، لا أرى إمكانية تحقيق هدف الاتحاد الأوروبي لإنتاج الهيدروجين بحلول 2030”.

“وادي خيبة الأمل”

العديد من الشركات ترى أن ارتفاع التكاليف وانخفاض الطلب جعلا العديد من المشروعات غير مجدية اقتصاديًا.

وصرّح ميغيل ستيلويل دي أندريد، الرئيس التنفيذي لشركة EDP البرتغالية، بأن “الهيدروجين الأخضر كان توقعًا مبالغًا فيه، وانتهى بنا الحال في وادي خيبة الأمل”.

وأوضح أن الدعم المالي المقدم، كـ400 مليون يورو في إسبانيا والبرتغال، لا يكفي لتحفيز السوق دون وجود مشترين فعليين.

من جانبها، قالت آنا كيلهاس، المسؤولة عن ملف الهيدروجين في EDP، إن الشركة تمتلك مشروعات في مراحل متقدمة، لكنها لا تستطيع المضي قدمًا في التنفيذ بسبب غياب الطلب.

وفي إسبانيا، أوقفت شركة “إيبردرولا” خططها لتوسعة محطة هيدروجين خضراء بقدرة 20 ميجاواط، في انتظار التوصل إلى اتفاقات بيع للإنتاج الإضافي.

مشروعات إنتاج الهيدروجين

تكلفة مرتفعة وبدائل أكثر جدوى

رغم الدعم الحكومي الواسع، لا تزال تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر – والذي يتم عبر تحليل الماء بالكهرباء المتجددة – أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بالغاز الطبيعي المستخدم لتوليد الطاقة، ومرتين مقارنة بالهيدروجين الرمادي المُنتج من الغاز والفحم، وفقًا لمنه لي، رئيس قسم أبحاث الهيدروجين في “ريستاد إنرجي”.

وتشير التقديرات إلى إمكانية خفض التكاليف بنسبة 30 إلى 40% خلال 10 إلى 15 عامًا، إذا ما تراجعت أسعار المعدات وتم توسيع سلسلة الإمداد، لكن ذلك لن يحدث في المدى القريب بحسب خبراء من “أورورا” و”ويستوود جلوبال إنرجي”.

حاليًا، لا يتجاوز إجمالي القدرة الإنتاجية العالمية من الهيدروجين منخفض الكربون (بما يشمل الأخضر والأزرق) 6 ملايين طن سنويًا، مقارنة بالحاجة إلى 450 مليون طن بحلول 2050 لتحقيق أهداف صافي الانبعاثات الصفرية، وفق شركة “وود ماكنزي”.

مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين

الصناعات ترفض الأسعار المرتفعة

كان يُعوّل على قطاعات مثل الصلب والتكرير والنقل في قيادة الطلب، لكنها تراجعت بسبب الأسعار المرتفعة. ويقول رومان ديدريتش، الرئيس التنفيذي لشركة “ديروشتال” الألمانية لصناعة مكونات الطاقة، إن الشركة غير قادرة على تحمل سعر الهيدروجين الأخضر الذي يتجاوز 150 يورو لكل ميجاواط/ساعة، مقارنة بسعر الغاز الطبيعي الذي يتراوح بين 30 و35 يورو.

وأضاف: “قد لا تسميه انتحارًا اقتصاديًا، لكنه في الواقع كذلك. سنصبح غير قادرين على المنافسة تمامًا”.

مشروعات إنتاج الهيدروجين

دول تخفف من طموحاتها

في مواجهة هذه التحديات، خفّضت عدة دول أوروبية من طموحاتها. فقد أعادت إيطاليا تخصيص أكثر من 600 مليون يورو من أموال ما بعد الجائحة من الهيدروجين إلى مشروعات البيوغاز.

كما خفّضت فرنسا هدفها لعام 2030 في سعة التحليل الكهربائي بأكثر من 30%، وقلّصت البرتغال طموحاتها بنسبة 45%.

أما هولندا، فقد قلّصت تمويلها لمشروعات الهيدروجين الأخضر والبطاريات، موجهة اهتمامها نحو إنشاء محطتين نوويتين جديدتين.

وفي أستراليا، رغم التزامات حكومية بأكثر من 8 مليارات دولار أسترالي، تم تجميد أو تقليص عدة مشروعات بارزة، حيث تشير “ريستاد إنرجي” إلى أن 99% من المشروعات التي أُعلنت للسنوات الخمس المقبلة لم تتجاوز مرحلة المفهوم أو الموافقة الأولية.

مشروعات إنتاج الهيدروجين

معضلة البنية التحتية

يواجه القطاع أيضًا عقبة البنية التحتية، إذ إن تخزين الهيدروجين ونقله أمر معقد، نظرًا لاحتياجه إلى ضغوط عالية ودرجات حرارة منخفضة، وصعوبة استخدام الأنابيب القديمة لنقله.

وتسعى إسبانيا لبناء شبكة هيدروجين بطول 2,600 كيلومتر وربطها بمشروع “H2Med” الذي سيصل منطقة الأيبيرية بشمال غرب أوروبا، لكن الرئيس التنفيذي لشركة Enagas الإسبانية، أرتورو جونثالو، رجّح تأخر التنفيذ عامين أو ثلاثة عن الموعد المستهدف في 2030.

واختتم بقوله: “البنية التحتية ليست نتيجة لنضوج السوق، بل شرط أساسي لنضوجه”.

Exit mobile version