كشفت دراسة علمية موسعة أعدها باحثون من هيئة المساحة الجيولوجية السعودية وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق بتاريخ “الحرات البركانية” في الجزيرة العربية، وهي الكلمة العربية التي تعني الأراضي البركانية السوداء والخشنة)، وأسباب استمرار النشاط البركاني عبر نطاق جغرافي هائل يمتد من جنوب اليمن حتى جنوب شرق تركيا، بطول يقارب 3 آلاف كيلومتر.
وجاءت النتائج عبر مشروع بحثي مشترك بين هيئة المساحة الجيولوجية السعودية (SGS) وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، ركّز بصورة أساسية على دراسة النشاط البركاني والمخاطر الزلزالية في شمال «حرة رهط» القريبة من المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية، وهي إحدى أكثر المناطق البركانية نشاطًا في شبه الجزيرة العربية.
وشارك في الدراسة التي تم نشرها عبر هيئة المسح الجيولوجية الأمريكية، عشرات الباحثين والمتخصصين في علوم الأرض والبراكين، من بينهم خبراء من جامعات ومراكز أبحاث دولية، أبرزها جامعة الملك عبد العزيز، وجامعة ستانفورد الأمريكية، وجامعة كيوتو اليابانية، إضافة إلى علماء من وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» وهيئة الزلازل الصينية.
الحرات العربية.. واحدة من أكبر المقاطعات البركانية في العالم
وأوضحت الدراسة، أن الصخور البركانية السينوزوية في الصفيحة العربية تغطي مساحة تُقدَّر بنحو 140 ألف كيلومتر مربع، وتشكل واحدة من أكبر مناطق البراكين القارية المنتشرة على سطح الأرض، حيث تمتد الحرات البركانية بصورة متقطعة من اليمن جنوبًا مرورًا بالسعودية والأردن وسوريا وصولًا إلى تركيا.
وأشار الباحثون إلى أن غالبية النشاط البركاني في المنطقة يتمثل في تدفقات البازلت القلوي، التي اندلعت عبر ملايين السنين وشكّلت حقولًا بركانية واسعة تُعرف عربيًا باسم «الحرات»، وهي أراضٍ سوداء تغطيها الصخور البركانية والحمم المتجمدة.
ووفق الدراسة، بدأت هذه النشاطات البركانية عقب الثورات البركانية الضخمة التي شهدتها منطقة عفار بشرق أفريقيا خلال العصر الأوليجوسيني قبل نحو 30 مليون سنة، بالتزامن مع بدايات تشكل البحر الأحمر وخليج عدن نتيجة التصدعات التكتونية الكبرى.
لغز جيولوجي حيّر العلماء
وأكد الباحثون، أن الحرات العربية تمثل لغزًا جيولوجيًا معقدًا، إذ يصعب تفسير استمرار النشاط البركاني في مناطق محددة من الجزيرة العربية لملايين السنين، رغم غياب مظاهر التصدعات العنيفة المعتادة في المناطق البركانية الكبرى.
وأوضح الباحثون، أن الحرات لا تنطبق عليها التصنيفات التقليدية للبراكين، فلا هي «براكين أحادية الثوران»، ولا «براكين درعية» كالتي في هاواي، بل تمثل نظامًا بركانيًا فريدًا قائمًا على ثورات متكررة ومتقطعة عبر سلاسل طويلة من الفوهات البركانية.
كما بيّنت الدراسة، أن النشاط البركاني ارتبط بصعود مواد الوشاح الأرضي الساخنة أسفل الصفيحة العربية، مع تأثر جزئي بما يُعرف بـ«عمود عفار الحراري» القادم من شرق أفريقيا.
حرة رهط.. أخطر المناطق البركانية قرب المدن
وركّزت الدراسة بصورة خاصة على «حرة رهط»، الواقعة بالقرب من المدينة المنورة، والتي تُعد من أكثر الحرات نشاطًا في السعودية، حيث شهدت ثورانًا تاريخيًا شهيرًا عام 1256 ميلاديًا.
وذكرت الدراسة، أن ذلك الثوران استمر لمدة 52 يومًا، وأنتج نحو نصف كيلومتر مكعب من الحمم البركانية التي امتدت لمسافة تصل إلى 23 كيلومترًا، مقتربة من المدينة المنورة.
كما كشفت نتائج التأريخ الجيولوجي، أن المنطقة شهدت موجات متكررة من النشاط البركاني خلال آخر 500 ألف سنة، مع فترات نشاط مكثف قبل نحو 450 ألف سنة و250 ألف سنة.
احتمالات ثورانات مستقبلية
وأكد الباحثون، أن الجزيرة العربية لا تزال منطقة نشطة بركانيًا حتى اليوم، مستشهدين بما حدث في «حرة لونير» عام 2009، حين تسبب صعود الصهارة إلى أعماق قريبة من سطح الأرض في نشاط زلزالي واسع وتشققات أرضية أثارت مخاوف من ثوران وشيك.
وبحسب الدراسة، فإن التحليلات الإحصائية تشير إلى وجود احتمالات مستقبلية لحدوث ثورانات جديدة، خاصة في المناطق البركانية النشطة غرب السعودية، وإن كانت معدلات النشاط الحالية أقل مقارنة بالعصور الجيولوجية السابقة.
فهذه البراكين كامنة وليست ميتة، أي أنها يمكن أن تثور مجددا، لامتلاكها المقومات الجيولوجية للاستيقاظ والثوران في المستقبل، نظرا لأن المحرك القابع في باطن الأرض، وهو الصخور الساخنة الصاعدة من “جمرة عفار الوشاحية بشرق أفريقيا”، ما زال نشطا ويقوم بصهر وتآكل القشرة الأرضية من الأسفل إلى الأعلى مستغلا الشقوق التكتونية القديمة.
أنواع متعددة من البراكين والحمم
وتناولت الدراسة بالتفصيل أنواع الصخور والحمم البركانية المنتشرة في الحرات العربية، موضحة أن أغلبها يتكون من البازلت القلوي، إضافة إلى صخور أكثر تطورًا مثل التراخيت والفونوليت والكومنديت.
كما رصدت الدراسة أشكالًا متنوعة من التضاريس البركانية، تشمل المخاريط البركانية، وقباب الحمم، والتدفقات البركانية الطويلة، والفوهات الانفجارية، مشيرة إلى أن بعض تدفقات الحمم في السعودية تجاوز طولها 100 كيلومتر.
تقنيات حديثة لرصد باطن الأرض
واعتمد الباحثون على تقنيات متقدمة في التصوير الزلزالي والمغناطيسي ودراسة الموجات الأرضية، للكشف عن بنية القشرة الأرضية أسفل الحرات.
وأظهرت النتائج، أن سمك الغلاف الصخري أسفل مناطق الحرات أقل بكثير من المتوقع، ما يشير إلى وجود نشاط حراري وصعود مستمر للصهارة من أعماق الأرض.
وأكد الباحثون، أن هذه النتائج تساهم في فهم أفضل لتاريخ الجزيرة العربية الجيولوجي، وتطوير أنظمة تقييم المخاطر البركانية والزلازل مستقبلاً، خاصة مع التوسع العمراني الكبير بالقرب من بعض الحرات النشطة.
فريق الدراسة
وشارك في الدراسة الموسعة على سبيل المثال لا الحصر، من جانب هيئة المسح الجيولوجي السعودية: هاني زهران، وجمال شوالي، وخالد حسن حافظ، وصلاح الحديدي يوسف، وعادل شريف، وماهر الظاهري، ومحمود عاشور، ومحمود سامي، ووائل الردادي، وطلال السامري، وفلاديمير سوكولوف، وإيان سي إف ستيوارت، وجون روبول، جميعهم تحت قيادة الدكتور زهير أ. نواب، رئيس هيئة المسح الجيولوجي السعودية (المتقاعد).
وبالنسبة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية: بول بيدروسيان، وأليكس بلانشيت، ودوان تشامبيون، وهانا ديتريش، ودرو داونز، وفيكتوريا لانغينهايم، وجيل ماهود، ووالتر موني، وتيموثي أور، وجاريد بيكوك، وجويل روبنسون، وجولييت رايان-ديفيس، وفينسنت جيه إم سالترز، وديفيد شيرود، ومارك ستيلتن.
وقدّم كلٌّ من البروفيسور محمد رشاد مفتي والبروفيسور طلال أ. مختار من جامعة الملك عبد العزيز، والبروفيسور سيمون كليمبرر من جامعة ستانفورد، والبروفيسور بيتر جونسون (متقاعد من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية)، والبروفيسور ريوتا كيوتشي من جامعة كيوتو (يعمل حاليًا في شركة كوزو كيكاكيو للهندسة)، والبروفيسور فرانشيسكو سيفيليني من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (يعمل حاليًا في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا)، والبروفيسور تشي شيانج ياو من معهد الجيوفيزياء التابع لإدارة الزلازل الصينية، توجيهات إضافية.
