كيف ستحدد محكمة العدل الدولية مسؤولية الدول عن تغير المناخ؟

باحث قانوني: الإثبات الواضح والمقنع هو المعيار الأمثل في قضايا المناخ أمام محكمة العدل الدولية

منذ صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 23 يوليو 2025 بشأن التزامات الدول تجاه تغيّر المناخ والعواقب القانونية المترتبة على الإخلال بها، عاد الجدل القانوني حول إحدى أكثر المسائل تعقيدًا في القضاء الدولي:
كيف يمكن إثبات أن دولةً ما انتهكت التزاماتها المناخية؟
وما المعيار القانوني للإثبات الذي ستعتمده المحكمة إذا ما تحوّل هذا النقاش إلى نزاعات دولية حقيقية بين الدول؟

من الاستشارة إلى المساءلة

قاضي عمر فيصل – باحث قانوني دولي، دكتوراه بجامعة لا تروب الأسترالية، يؤكد في بحث قانوني معمق أن الرأي الاستشاري لم يتناول قضايا محددة أو مسؤوليات فردية، بل ركّز على توضيح طبيعة الالتزامات الدولية في مواجهة تغيّر المناخ، وعلى تأكيد أن هذه الالتزامات ذات طابع “إرجا أومنس” (أي ملزمة للجميع)، بل و”إرجا أومنس بارتس” في حالة المعاهدات متعددة الأطراف، ما يجعلها واجبة الاحترام من جميع الدول تجاه المجتمع الدولي ككل.
لكن هذه الصياغة القانونية العامة تفتح الباب أمام الأسئلة الجوهرية:

القاضي عمر فيصل أوضح في رأيه المنفصل أن العلم يلعب دورًا ضروريًا في تحديد ما إذا كان هناك إخلال بالالتزامات البيئية والمناخية، لكنه شدّد على أن القرار النهائي قانوني بحت، لأن المحكمة تُقيِّم الوقائع في ضوء النصوص القانونية لا المعادلات العلمية.

تغير المناخ يدمر المجتمعات الفقيرة

معيار الإثبات في القانون الدولي: غموض منهجي

بعكس المحاكم الوطنية، لا يملك النظام القانوني لمحكمة العدل الدولية نصوصًا واضحة تحدد معيار الإثبات (Standard of Proof) الواجب تطبيقه في القضايا المختلفة. ولذلك تلجأ المحكمة إلى مرونتها التقديرية، فتُكيّف معيار الإثبات وفق طبيعة القضية ومدى جسامة الاتهامات.

الباحث رِدِل وبلانت صنّفا القضايا أمام المحكمة إلى ثلاث فئات رئيسية:

  1. قضايا المنازعات الحدودية أو السيادية، ويُكتفى فيها بترجيح الاحتمال (توازن الأدلة).

  2. قضايا المسؤولية الدولية غير الجسيمة، حيث يُطلب معيار أعلى قليلًا من “رجحان الاحتمال”.

  3. القضايا ذات الاتهامات الجسيمة، مثل الإبادة الجماعية واستخدام القوة، وتستلزم دليلًا قاطعًا تمامًا (Fully Conclusive Evidence).

أما الباحثة دِل مار فقد طوّرت رؤية أكثر منهجية، معتبرة أن معيار الإثبات يتأثر بثلاثة عوامل:

انطلاقًا من هذا التحليل، يتبيّن أن المحكمة تستخدم مستويات مختلفة من الإثبات بحسب خطورة الفعل وأثره الدولي، لكنها تميل إلى معيار متوسط بين المدني والجنائي في القضايا البيئية.

من السوابق البيئية إلى المناخ

القضاء الدولي البيئي، الذي تطوّر منذ منتصف القرن العشرين، يقدّم قاعدة إرشادية مفيدة. ففي قضايا “مصانع اللب على نهر الأوروغواي” (2010)، وقضية الحيتان” (2014)، و“أنشطة نيكاراغوا” (2015)، اعتمدت المحكمة معيارًا وصفته بـ«الدليل الواضح والمقنع» (Clear and Convincing Evidence)، أي أن على الدولة المدعية أن تقدّم أدلة علمية وقانونية كافية لإقناع المحكمة بدرجة عالية من الاحتمال، دون أن تبلغ اليقين المطلق.

تغيير النظام وليس تغير المناخ

هذا المعيار الوسيط يوازن بين صعوبة إثبات الضرر البيئي والمناخي، وتعقيدات العلاقة السببية بين الأفعال والانبعاثات والنتائج البيئية، وهو ما عبّر عنه القاضي كريستوفر غرينوود حين قال إن “رفع معيار الإثبات في القضايا البيئية سيجعل من المستحيل على أي دولة أن تُثبت الضرر”.

 الالتزامات المناخية: طبيعة قانونية معقّدة

استنادًا إلى رأي المحكمة في يوليو 2025، يمكن القول إن التزامات الدول المناخية تنقسم إلى نوعين:

الأغلبية من هذه الالتزامات تنتمي إلى الفئة الثانية، وهي التزامات بالعناية الواجبة (Due Diligence)، أي أن الدولة مطالبة ببذل أقصى جهد ممكن، لا بتحقيق نتيجة مطلقة.
ولأن الإخلال غالبًا ما يكون بالإهمال لا بالفعل، ولأن الالتزامات ليست من قواعد jus cogens، فإنها – وفق التحليل المقارن لأحكام المحكمة – لا ترقى إلى مستوى “الاتهامات ذات الخطورة الاستثنائية”، وبالتالي فإن المعيار الأنسب للإثبات فيها هو «الإثبات الواضح والمقنع».

الدول النامية .. تغير المناخ

ما وراء الإثبات: العلم كأداة لا كحَكم

القضايا المناخية تختلف عن أي نوع آخر من النزاعات أمام المحكمة، لأنها تتطلب دمجًا دقيقًا بين الأدلة العلمية (النماذج المناخية، تقديرات الانبعاثات، العلاقة السببية) والإثبات القانوني (النية، الإهمال، الواجبات الدولية).
ولذلك، يشير فيصل إلى أن التحدي الأكبر مستقبلاً لن يكون فقط في تحديد معيار الإثبات، بل في كيفية تعامل المحكمة مع الأدلة العلمية التي لا تملك المحكمة خبرة تقنية كافية لتقييمها مباشرة، ما يستدعي تطوير آليات جديدة لتفسير الخبرة العلمية ضمن الإطار القانوني.

نحو عدالة مناخية لا “محاكمات مناخية”

في الختام، يرى الباحث أن على المحكمة أن توازن بين الصرامة القانونية وضرورات العدالة المناخية، وأن تتجنب تحويل قاعة العدل إلى ساحة للصراع السياسي أو القانوني بين الدول، فالقضايا المناخية ليست مجالًا للانتقام، بل اختبار لقدرة القانون الدولي على مواكبة أخطر تحديات القرن الحادي والعشرين.

تغير المناخ يدمر البنية التحتية

ويؤكد أن اعتماد معيار «الإثبات الواضح والمقنع» يمنح المحكمة مرونة كافية للفصل المنصف، دون إغفال الحاجة إلى مراجعة دقيقة لقضايا السببية، والتعويض، ومراجعة القرارات الوطنية في المراحل المستقبلية من التقاضي المناخي.

Exit mobile version