الإعلان الأخير عن الشراكة بين وكالة التجارة والتنمية الأمريكية وكينيا لتعزيز تصنيع أشباه الموصلات في الدولة الواقعة شرق أفريقيا هو خطوة طال انتظارها نحو إشراك القارة الأفريقية في سلاسل توريد أشباه الموصلات العالمية.
ويمثل هذا التطور لحظة محورية بالنسبة لكينيا والقارة الأفريقية، التي بدأت في وضع نفسها كلاعب أساسي في منظومة أشباه الموصلات العالمية، ولكن هذه ليست سوى الخطوة الأولى في لعبة أكبر كثيراً.
القارة الأفريقية ــ وخاصة شرق وغرب أفريقيا ــ التي تزخر بالموارد والنمو الاقتصادي، تقدم فرصاً للولايات المتحدة و”الغرب” لتأمين سلاسل التوريد الحيوية وتعزيز ما قد يصبح ساحة ديناميكية جديدة في المشهد العالمي لأشباه الموصلات.
ومن شأن القيام بذلك أيضاً أن يعزز الشراكات مع القارة في ظل مشهد جيوسياسي متزايد التعقيد.
أرضاً خصبة بشكل خاص للاستثمار والابتكار
وتوفر اقتصادات كينيا ونيجيريا ورواندا وغانا أرضاً خصبة بشكل خاص للاستثمار والابتكار والنمو في تصنيع أشباه الموصلات.
وقد تصبح هذه الدول مراكز أساسية في شبكة عالمية تتطلب المرونة والقدرة على التكيف مع تدفق مليارات الدولارات إلى أسواق أشباه الموصلات الوطنية، كما هو الحال في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين والاتحاد الأوروبي.
مع قيام الولايات المتحدة بتطوير قدرتها على تصنيع أشباه الموصلات محليا من خلال الاستثمارات المباشرة التاريخية في مشاريع عبر سلسلة التوريد ــ 327 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة ــ كان هناك أيضا التركيز على زيادة التنسيق مع الشركاء العالميين الودودين والحلفاء.
الجاهزية وميزة الموارد
ومن شأن هذا التعاون أن يساعد في تعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة ورأس المال، وحماية سلاسل التوريد من عدم الاستقرار، وتعزيز تبادل المعرفة والمعلومات لتعزيز الابتكار وتطوير تكنولوجيات أشباه الموصلات.
وتتوقع التقارير أن تتضخم صناعة أشباه الموصلات إلى تريليون دولار بحلول نهاية العقد، ومع نمو هذا القطاع، فإن الديناميكية الرئيسية فيه هي أن الشركات تعطي الأولوية لتأمين وتعزيز سلاسل التوريد الخاصة بها، فقد أظهرت هذه الأنواع من الاستثمارات في الهند وكوستاريكا والمكسيك، على سبيل المثال، أنه من الممكن إنشاء حلقة تغذية مرتدة حيث تزداد القدرة التصنيعية وتتطور القوى العاملة ويتم تحفيز الابتكار والاستثمارات المستمرة.
أفريقيا هي أيضاً من الدول التي قد تستفيد من هذه المكاسب، ففي الأمد القريب، قد لا تتمكن أفريقيا من تصنيع أشباه الموصلات ولكنها قد تتمكن من المشاركة في أنشطة سلسلة التوريد مثل الاختبار ومراقبة الجودة والبرمجة.
وتوفر منظومة الشركات الناشئة المتنامية، بما في ذلك الحاضنات والمسرعات ومساحات العمل المشترك، شبكة من الشركات في المراحل المبكرة والموظفين المحتملين لهذه الأدوار.
استثمارات المغتربون الأفارقة
وبالإضافة إلى ذلك، يستثمر المغتربون الأفارقة في هذه المشاريع، ومن الأمثلة على ذلك شركة Chiplab التي أسسها أولدا فاديران، والتي تدرب مصممي الشرائح الدقيقة، وشركة eFabless التي أسسها محمد قاسم، والتي تعمل على تبسيط تصميم الشرائح.
وتشير التقديرات إلى أن أفريقيا تحتوي على ثلث المعادن الأساسية اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات، ولا يمكن إنتاج أجهزة الكمبيوتر الكمومية بدون هذه المعادن. فالسكانديوم والإتريوم واللانثانوم والسيريوم كلها عناصر تستخدم في أشباه الموصلات وهي ضرورية لكل مرحلة من مراحل إنتاج الرقائق، من المواد الخام إلى التصميم والتصنيع.
وتُستخدم هذه المعادن الحيوية في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، وأجهزة الكمبيوتر، والاتصالات، والطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، وأنظمة الدفاع.
وهناك فرصة مباشرة لإنشاء نظام بيئي متكامل قادر على الاكتفاء الذاتي، مما يقلل الاعتماد على مصادر أخرى قائمة ولكنها متقلبة، وتشكل هذه المعادن وإنتاج أشباه الموصلات التي توفرها اللبنات الأساسية للتكنولوجيا الحديثة، والواقع أن وفرة هذه الموارد في أفريقيا تمنحها ميزة استراتيجية.
القدرة على تحقيق النمو والتقدم
في المقابل، تتمتع البلدان الأفريقية بالقدرة على تحقيق النمو والتقدم، وتشجيع القيمة المضافة المحلية من خلال، على سبيل المثال، فرض القيود على الصادرات وإعطاء الأولوية للبحث والتطوير داخل حدودها، وهو ما يمكن أن يحافظ على المواهب المحلية ويوفر فرص العمل في سوق صعبة لخريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
رفضت نيجيريا اقتراح شركة تسلا لاستخراج الليثيوم لأن الشركة لم تكن راغبة في إنشاء منشأة تصنيع هناك.
توافر المواد الخام محليًا يقلل بشكل كبير من مخاطر سلسلة التوريد وتكاليفها بالنسبة للمنتجين، بما في ذلك الوقود ورسوم الاستيراد/ التصدير والأحداث الجيوسياسية غير المتوقعة أو الكوارث الطبيعية وقضايا الموردين.
وبالتالي، ينبغي النظر إلى أفريقيا باعتبارها جزءًا لا غنى عنه من سلسلة توريد أشباه الموصلات.
ولكن القيمة التي تقدمها أفريقيا تمتد إلى ما هو أبعد من استخراج الموارد، ذلك أن سكانها الشباب المتمرسين في استخدام التكنولوجيا يوفرون أرضاً خصبة للإبداع والتصميم.
ومن الممكن أن تؤدي إمكانية التعاون بين مراكز البحوث في نيروبي بكينيا أو لاجوس بنيجيريا والشركات الغربية الراسخة إلى مزيد من التقدم في تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية.
مركز للابتكار وتصنيع أشباه الموصلات
الجمع الفريد للقدرات في أفريقيا، من استخراج المواد الخام إلى إنتاج التكنولوجيا المتطورة، يقدم فرصة واعدة للتعاون العالمي وتطوير نظام بيئي شامل لأشباه الموصلات.
الاستثمارات الكبيرة في التعليم والبنية الأساسية والتكنولوجيا تعمل على تحويل أفريقيا إلى مركز للابتكار والتميز في التصنيع. كما أن جهود رواندا وإثيوبيا في بناء المتنزهات التكنولوجية ومراكز الابتكار تلهم جيلاً جديدًا من المهندسين والتقنيين.
كينيا زعيمة جديدة في سوق التكنولوجيا
في السنوات الأخيرة، برزت كينيا كزعيمة جديدة في أفريقيا في سوق التكنولوجيا من خلال أن تصبح مركزًا للابتكار والتطوير التكنولوجي في القارة.
ساهمت الابتكارات في الدفع عبر الهاتف المحمول، والاستثمارات في الشركات الناشئة، وتحسينات البنية التحتية التكنولوجية، والدعم الحكومي في صعودها إلى الصدارة.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف سلسلة قيمة أشباه الموصلات في الأسواق الراسخة، فإن الأسعار التنافسية في أفريقيا والبراعة والابتكار غير المستغلين يقدمان حلاً واعداً.
فالقارة، المعروفة بمناظرها الطبيعية الخلابة والحياة البرية فيها، قد تصبح قريباً بمثابة سافانا السيليكون لتصميم أشباه الموصلات واختبارها، مما يقلل من الاعتماد على الصين في المواد الحيوية.
الفوائد الاقتصادية المترتبة على الاستثمار في أفريقيا واضحة، ولكن التأثيرات الاجتماعية والتنموية عميقة بنفس القدر.
ومن خلال احتضان إمكانات أفريقيا، تستطيع الولايات المتحدة والغرب المساعدة في تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، وخلق فرص العمل، وتحفيز التقدم التكنولوجي الذي يعود بالنفع على العالم.
قانون الرقائق الإلكترونية الأوروبي
ويوفر قانون الرقائق الإلكترونية الأوروبي الصادر عن الاتحاد الأوروبي وقانون الرقائق الإلكترونية والعلوم الأمريكي فرصاً للدول الديمقراطية للتعاون في تعزيز صناعة أشباه الموصلات بما يصل إلى 500 مليون دولار من أموال البرامج.
وبوسع البلدان الأفريقية أن تستخدم هذه المبادرات لإنشاء تشريعاتها وأطر عملها وشبكات الموردين الخاصة بها لدعم القيمة المضافة في عمليات المعالجة وتصميم الرقائق ومراقبة الجودة والوظائف الخلفية وإنتاج ذاكرة الفلاش أو البطاريات الكهربائية.
ومن شأن تنفيذ مثل هذه السياسات أن يقلل من الحاجة إلى تصدير المواد الحيوية إلى الصين.
بناء شراكة قوية مع أفريقيا
تمثل الشراكة بين كينيا والولايات المتحدة بداية واعدة لتحالف محتمل، كما تسلط الضوء على الفرص الوفيرة التي تقدمها أفريقيا لصناعة أشباه الموصلات.
ومع تزايد الطلب العالمي على أشباه الموصلات، يتعين على الدول الغربية أن تنظر إلى أفريقيا كشريك قيم في إنشاء نظام بيئي وسلسلة توريد أشباه الموصلات قوية ومتنوعة ومرنة.
ويتطلب تحقيق هذا الدعم مشاركة استراتيجية من جانب صناع السياسات الأفارقة والقطاع الخاص والشتات الأفريقي لدمج القارة بشكل كامل في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية وتخفيف مخاطر سلسلة التوريد.
التعاون والاستفادة من نقاط القوة الفريدة التي تتمتع بها كل منطقة من شأنه أن يساعد في تحقيق التقدم التكنولوجي.
لقد حان الوقت لكي تتألق أفريقيا في مجال أشباه الموصلات وتحظى باهتمام المجتمع العالمي.
