تقرير علمي: تعويضات الكربون لم تحقق فوائد مناخية

باحثون: حلول المناخ القائمة على الطبيعة بحاجة لإصلاحات جذرية.. الكشف عن فشلها

هل فعلاً تنقذنا الأشجار؟ خارطة طريق جديدة لتحسين سياسات الكربون

ينتقل جزء كبير من تلوث الكربون الناتج عن النشاط البشري – وخاصة من احتراق الوقود الأحفوري – إلى محيطات الأرض ومناظرها الطبيعية من خلال عمليات طبيعية، أبرزها عملية التمثيل الضوئي، حيث تقوم النباتات بتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى كتلة حيوية.

ورغم الجهود المستمرة للاستفادة من هذه العمليات الطبيعية في التصدي لأزمة المناخ، من خلال ما يُعرف بـ”تعويضات الكربون”، فإن النتائج حتى الآن لم ترقَ إلى مستوى التطلعات.

إذ لم تُسفر هذه المبادرات — التي تشمل تعزيز الغابات والأراضي الرطبة والممارسات الزراعية — إلا عن نجاحات محدودة.

من “الاعتمادات” إلى “المساهمات”: نهج جديد

دراسة جديدة صادرة عن مركز “ويلكس لعلوم المناخ والسياسات” بجامعة يوتا، ونُشرت في مجلة Nature، تقترح نهجًا مختلفًا لتفعيل دور الطبيعة في مواجهة تغير المناخ، عبر خارطة طريق علمية لتحسين ما يُعرف بـ”الحلول المناخية القائمة على الطبيعة” (NbCS).

تركز الدراسة بشكل خاص على دور الغابات في امتصاص الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه في الأشجار المعمّرة والتربة.

ووفقًا للمؤلف الرئيسي للدراسة، الأستاذ ويليام أنديريج، خبير علم البيئة الحرجية، فإن “الحلول المناخية القائمة على الطبيعة هي تدخلات بشرية تستغل العمليات البيولوجية لامتصاص الكربون أو لوقف انبعاثاته”.

وتنقسم هذه التدخلات إلى فئتين رئيسيتين:

الانبعاثات المتجنبة، مثل وقف إزالة الغابات.

– مسارات إزالة الكربون، مثل مشاريع إعادة التحريج وزراعة الأشجار.

4 مشكلات جوهرية تعيق الفاعلية

حددت الدراسة أربعة جوانب رئيسية لم تؤدِّ فيها حلول NbCS دورها المنشود، واقترحت إصلاحات لتحسين فعاليتها وقابليتها للتوسع:

– التأثير المناخي الصافي: لا يكفي تخزين الكربون إذا تسببت المشاريع في تقليل “البياض” — أي قدرة السطح على عكس أشعة الشمس — مما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية وارتفاع درجات الحرارة، على سبيل المثال، زراعة أشجار داكنة اللون في مناطق تغطيها الثلوج قد ترفع حرارة الأرض أكثر مما تخفضها.

– الإضافية (Additionality) : ينبغي أن تُفضي المشاريع إلى نتائج لم تكن لتحدث لولاها، حماية غابة لم تكن مهددة أصلًا بالقطع لا تُعد فائدة مناخية حقيقية.

– تسرب الكربون (Leakage) : يحدث عندما تؤدي حماية منطقة معينة إلى انتقال النشاط المضر إلى منطقة أخرى، ما يُقلص من المكاسب البيئية.

الاستدامة الزمنية: ينبغي أن يدوم تخزين الكربون لعقود، وربما قرون، كي يكون فعّالًا في مواجهة تغير المناخ، لكن الجفاف، والعواصف، وحرائق الغابات، والحشرات، تمثل مخاطر متزايدة قد تجهض هذه المكاسب سريعًا.

مخاطر لا تحتسبها السياسات الحالية

تُظهر الدراسة، أن الأساليب المتبعة حاليًا لتقدير هذه المخاطر، مثل “مجموعات العازلة” التي تحتفظ بأرصدة احتياطية من الكربون، لا تزال ضعيفة وغير صارمة بما يكفي، وهو ما قد يعرض “مخزون الكربون” للخطر في المستقبل القريب.

ويحذّر أنديريج من أن تغير المناخ نفسه يُفاقم من المخاطر الطبيعية التي تُهدد الغابات: “علينا أن نعترف بحجم هذه المخاطر، وأن نُدمجها في تصميم السياسات والبرامج المناخية، وإلا سنخسر الكثير من مخزون الكربون الذي نعتمد عليه”.

الانتقال من المطالبة بالفضل إلى تحمّل المسؤولية

وفي خطوة لافتة، تدعو الدراسة إلى التحول من نظام “الاعتمادات” – الذي يمنح الشركات الفضل في تقليل الانبعاثات مقابل شراء تعويضات – إلى نظام “المساهمات”، الذي يُشجع الشركات على دعم جهود المناخ دون المطالبة بالفضل في تقليص الانبعاثات.

تقول ليبي بلانشارد، الباحثة المشاركة في الدراسة: “النظام الحالي يُضخم أثر بعض المشاريع، إذ تُحسب الفوائد المناخية دون مراعاة عوامل مؤثرة، مثل تغير البياض. لم تُدرج هذه العوامل حتى الآن في بروتوكولات احتساب الكربون، مما يقلل من دقة الحسابات”.

الخلاصة: نحتاج إلى جودة، لا كمية

ترى الدراسة أن الانتقال إلى نهج “المساهمات” أكثر دقة من الناحية العلمية، وأقدر على الصمود أمام التحديات القانونية، كما يُمكن أن يؤدي إلى تنفيذ مشاريع أكثر فاعلية وجودة في مواجهة أزمة المناخ.

باختصار، حماية الغابات وزراعة الأشجار وحدها لا تكفي ما لم تكن هذه الإجراءات محكومة بإطار علمي صارم، يأخذ في الاعتبار التأثير المناخي الصافي، والجدوى الحقيقية، والمخاطر، ومدى استدامة التخزين الكربوني على المدى الطويل.

Exit mobile version