يعتقد كثيرون أن الجسم لا يبدأ في مقاومة الفيروسات إلا بعد دخولها، لكن هذا الاعتقاد ليس دقيقًا بالكامل، إذ تعمل أنظمة دفاعية خفية في الجسم بشكل مستمر، وقد تكون أقوى مما كنا نتصور.
وكشف علماء من مؤسسة “فيسابيو” وعدة مراكز بحثية عن دور مهم لجزيء يُعرف باسم “ديرمسيدين”، وهو موجود بشكل طبيعي في الجسم ويرتبط عادة بالعرق.
وكان معروفًا سابقًا أن هذا الجزيء يمتلك خصائص مضادة للبكتيريا والفطريات، إلا أن الأبحاث الحديثة أظهرت أنه قادر أيضًا على مكافحة فيروس الإنفلونزا.
إيقاف الفيروس قبل أن يبدأ
يعتمد فيروس الإنفلونزا على بروتين يُعرف باسم “الهيماغلوتينين” للدخول إلى الخلايا البشرية، ومن دون هذه الخطوة لا يستطيع الفيروس البقاء أو الانتشار.
ويعمل “ديرمسيدين” على تعطيل هذه العملية بشكل مباشر، إذ يرتبط بالبروتين ويغير شكله، مما يفقد الفيروس قدرته على الاندماج مع الخلية، وبعبارة مبسطة، يتم إيقاف الفيروس عند “البوابة” قبل أن يتمكن من إحداث العدوى.
وأوضحت الدكتورة ماريا فيرير، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن هذا الجزيء أظهر نشاطًا مضادًا للفيروسات في التجارب المعملية والحية، ما يجعله عنصرًا واعدًا في منع العدوى.
استهداف سلالات متعددة من الإنفلونزا
تعتمد معظم الأدوية المضادة للفيروسات على استهداف بروتين آخر يُعرف بـ“النيورامينيداز”، لكن هذه الطريقة تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في قدرة الفيروسات على التطور ومقاومة العلاج.
في المقابل، يستهدف “ديرمسيدين” جزءًا من الفيروس يتميز بالثبات عبر سلالات مختلفة، وهو ما قد يجعله فعالًا ضد أنواع متعددة من فيروس الإنفلونزا.
آفاق أوسع لمكافحة الفيروسات
يشير الباحثون إلى أن هذا الاكتشاف قد يمتد ليشمل فيروسات تنفسية أخرى، مثل فيروس الحصبة وفيروسات نزلات البرد المرتبطة بعائلة كورونا.
وأوضح الدكتور أليكس ميرا أن الجسم يمتلك آليات طبيعية قادرة على الحد من العدوى، وهو ما يفتح الباب لتطوير أدوية أكثر فاعلية تعتمد على هذه الآليات.
وجوده في الأماكن الحساسة للعدوى
لم يقتصر وجود “ديرمسيدين” على العرق فقط، بل وُجد أيضًا في الأنف واللعاب والدموع، وهي المناطق التي تمثل نقاط دخول رئيسية للفيروسات إلى الجسم.
وهذا التوزيع يمنحه دورًا مهمًا كخط دفاع مبكر، حيث يمكنه التدخل قبل انتشار العدوى.
وأظهرت الدراسة أن مستويات هذا الجزيء تكون أعلى بما يصل إلى ستة أضعاف لدى الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض شبيهة بالإنفلونزا، مقارنة بغيرهم، ما يشير إلى دوره في الحماية الطبيعية.
استجابة الجسم أثناء العدوى
عند حدوث العدوى، ترتفع مستويات “ديرمسيدين”، ما يدل على أن الجسم يستخدمه بشكل نشط لمقاومة الفيروسات، وليس مجرد عنصر ثابت.
ويُعد هذا الجزيء جزءًا من جهاز المناعة الفطري، الذي يعمل بسرعة دون الحاجة إلى تعرض مسبق للفيروس.
نحو جيل جديد من العلاجات
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام نهج جديد في تطوير الأدوية، يعتمد على الاستفادة من دفاعات الجسم الطبيعية بدلًا من تصميم مركبات كيميائية من الصفر.
ويدرس الباحثون حاليًا إمكانية استخدام “ديرمسيدين” ليس فقط في منع الفيروسات، بل أيضًا في تنظيم الاستجابة المناعية، بما يقلل من الأضرار الناتجة عن الالتهابات.
وتؤكد هذه النتائج أن الجسم يمتلك أدوات فعالة لمكافحة العدوى، وأن العلم بدأ فقط في فهم كيفية توظيفها بشكل أفضل.
وقد نُشرت الدراسة في دورية علمية مرموقة، ما يعزز من أهميتها في تطوير استراتيجيات جديدة لمكافحة الفيروسات.
