قد يكون الهاتف ممتلئًا بالرسائل والتفاعلات، ومع ذلك يشعر صاحبه بالوحدة، وهو التناقض الذي سلطت عليه دراسة جديدة الضوء من خلال تحليل العلاقة بين الدعم العاطفي والوحدة لدى البالغين في الولايات المتحدة.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين أفادوا بوجود دعم عاطفي أقوى من أشخاص في حياتهم اليومية كانوا أقل ارتباطًا بالشعور بالوحدة بكثير مقارنة بمن اعتمدوا على الدعم الذي شعروا أنهم يتلقونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا تعني النتائج أن العلاقات عبر الإنترنت عديمة القيمة، لكنها تشير إلى أن الدعم العاطفي الذي يحصل عليه الإنسان من علاقاته الواقعية لا يؤدي الدور نفسه الذي تؤديه أشكال الدعم التي يشعر بأنه يتلقاها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ونُشرت الدراسة في Journal of General Internal Medicine.
الوحدة ليست مجرد البقاء وحيدًا
لا تعني الوحدة بالضرورة أن يكون الشخص بمفرده، إذ يمكن للإنسان أن يكون محاطًا بالآخرين، ومع ذلك يشعر بالعزلة أو الانفصال عنهم.
وأراد فريق البحث معرفة ما إذا كان الأشخاص يشعرون بوجود شخص يمكنهم التحدث إليه، والثقة به في الأمور الشخصية، والاعتماد عليه للحصول على الدعم العاطفي.
وقاد الدراسة جيثيكا كونيرو وزملاؤها في جامعة ولاية أوريجون، بينما يعمل بريان بريماك، الطبيب والباحث في الجامعة، على دراسة الآثار الصحية العامة لوسائل الإعلام والتكنولوجيا.
وقال بريماك إن النتائج لا تعني أن وسائل التواصل الاجتماعي ضارة بطبيعتها، لكنها تشير إلى ضرورة التفكير بعناية في طريقة استخدامها على المستوى الشخصي والمجتمعي.
الأسئلة نفسها عن الدعم الواقعي والرقمي
درس الباحثون 1512 شخصًا بالغًا في الولايات المتحدة، تراوحت أعمارهم بين 30 و70 عامًا، وشاركوا في استبيان إلكتروني خلال يوليو وأغسطس 2023.
وصاغ الباحثون أسئلة بسيطة ومتشابهة لقياس الدعم العاطفي.
سأل الجزء الأول من الاستبيان المشاركين عما إذا كان لديهم شخص في «الحياة الواقعية» يستمع إليهم، ويمكنهم البوح له بمشاعرهم الشخصية، ويجعلهم يشعرون بالتقدير.
ثم طُرحت الأسئلة نفسها تقريبًا، ولكن هذه المرة حول الأشخاص الذين يعرفهم المشاركون عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأتاح التشابه الكبير بين الأسئلة للباحثين مقارنة العلاقة بين كل نوع من أنواع الدعم والشعور بالوحدة.
نحو شخص واحد من كل أربعة شعر بالوحدة
قاس الباحثون الوحدة باستخدام أربعة أسئلة تتعلق بالأيام السبعة السابقة للاستبيان.
وسُئل المشاركون عما إذا كانوا قد شعروا بأنهم مستبعدون، أو معزولون، أو أن الآخرين لا يعرفونهم بصورة حقيقية، أو أنهم محاطون بأشخاص من دون أن يشعروا بوجود اتصال حقيقي معهم.
ووجد الباحثون أن نحو ربع المشاركين وصلوا إلى الحد الذي صنفهم ضمن فئة الأشخاص الذين يعانون من الوحدة وفق المقياس المستخدم في الدراسة.
بعد ذلك، قارن الفريق هذه النتائج بمستوى الدعم العاطفي الذي أفاد المشاركون بتلقيه.
كما أخذ التحليل في الاعتبار سبعة اختلافات ديموغرافية رئيسية بين المشاركين، بهدف معرفة ما إذا كانت العلاقة بين الدعم والوحدة تظل واضحة بعد مراعاة بعض الاختلافات في خصائص المشاركين.
فجوة كبيرة في تأثير الدعم الواقعي
بين المشاركين الذين صُنّفوا ضمن فئة الأشخاص الذين يعانون من الوحدة، كان 59% منهم ضمن مجموعة الدعم الواقعي المنخفض، بينما كان 10% فقط ضمن مجموعة الدعم الواقعي المرتفع.
وبعد أخذ الاختلافات الديموغرافية في الاعتبار، ارتبط انخفاض الدعم العاطفي في الحياة الواقعية باحتمالات أعلى بأكثر من ثماني مرات للشعور بالوحدة مقارنة بمستويات الدعم الواقعي المرتفعة.
وتشير هذه النسبة إلى نسبة الأرجحية وليس إلى أن الشخص لديه احتمال محدد أو مؤكد للإصابة بالوحدة.
كما ارتبط المستوى المتوسط من الدعم الواقعي باحتمالات أعلى للشعور بالوحدة مقارنة بالمستوى المرتفع، وازدادت قوة هذا الارتباط كلما انخفض مستوى الدعم العاطفي في الحياة الواقعية.
دعم وسائل التواصل ارتبط بالوحدة بدرجة أضعف
وجد الباحثون أيضًا علاقة بين الدعم الذي يشعر الأشخاص أنهم يتلقونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوحدة، لكنها كانت أضعف بكثير من العلاقة المرتبطة بالدعم الواقعي.
وعند تحليل دعم وسائل التواصل الاجتماعي بصورة منفصلة، ارتبط انخفاض هذا النوع من الدعم بزيادة قدرها 45% في احتمالات الشعور بالوحدة مقارنة بمن أفادوا بمستويات مرتفعة من الدعم عبر وسائل التواصل.
لكن عندما وضع الباحثون نوعي الدعم، الواقعي والرقمي، في التحليل نفسه، ظل الدعم في الحياة الواقعية مرتبطًا بقوة بالوحدة، بينما لم تعد العلاقة الإجمالية بين الدعم عبر وسائل التواصل والوحدة واضحة.
وقالت كونيرو، وهي طبيبة وباحثة دراسات عليا قادت التحليل، إن النتائج تشير إلى أن الدعم العاطفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يمثل بديلًا عن الدعم الذي يحصل عليه الإنسان من علاقاته في الحياة الواقعية.
الدراسة لا تعتبر العلاقات الرقمية بلا قيمة
لا تقول الدراسة إن العلاقات عبر الإنترنت غير مفيدة، إذ ركز البحث على نوع محدد من الدعم، وهو الشعور بوجود شخص يستمع إلى الإنسان، ويتقبل مشاعره الشخصية، ويجعله يشعر بأنه موضع تقدير.
وقد تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي أدوارًا مختلفة عندما يحتاج الشخص إلى نصيحة أو معلومات أو مساعدة عملية.
كما لم تميز الدراسة بين الأنواع المختلفة للتفاعلات عبر الإنترنت، ولم تحدد ما إذا كان الأشخاص الذين يقدمون الدعم للمشاركين عبر الإنترنت هم أنفسهم الأشخاص الذين يقدمونه في حياتهم الواقعية.
فقد يكون الشخص نفسه صديقًا أو شقيقًا أو شريكًا عاطفيًا يقدم الدعم عبر العالمين الواقعي والرقمي.
كذلك، لم يقس الباحثون عدد الأصدقاء أو الرسائل أو المحادثات أو الساعات التي يقضيها الأشخاص في التفاعل مع الآخرين، وإنما اعتمدوا على تقييم المشاركين لشعورهم بمستوى الدعم الذي يتلقونه.
الدراسة لا تثبت أن وسائل التواصل تسبب الوحدة
تتمثل إحدى أهم قيود الدراسة في أن الوحدة والدعم العاطفي قيسا في الوقت نفسه، ولذلك لا يستطيع البحث تحديد أيهما يأتي أولًا.
فقد يؤدي انخفاض الدعم إلى زيادة الشعور بالوحدة، لكن الشعور بالوحدة نفسه قد يؤثر أيضًا في الطريقة التي ينظر بها الشخص إلى مستوى الدعم الذي يحصل عليه.
كما يمكن لعوامل أخرى في حياة الإنسان أن تؤثر في كل من الدعم العاطفي والشعور بالوحدة.
لذلك، لا تثبت النتائج أن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب الوحدة، كما لا تثبت أن زيادة الوقت الذي يقضيه الشخص وجهًا لوجه مع الآخرين ستؤدي تلقائيًا إلى التخلص من الشعور بالوحدة.
ويحتاج الباحثون إلى دراسات تتابع الأشخاص لفترات زمنية أطول لمعرفة اتجاه العلاقة بين الدعم والوحدة بصورة أفضل.
كما أن نتائج الدراسة مستمدة من بالغين أمريكيين تتراوح أعمارهم بين 30 و70 عامًا، ولذلك لا يمكن تعميمها تلقائيًا على المراهقين أو الشباب الأصغر سنًا أو الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 70 عامًا أو سكان الدول الأخرى.
لماذا يجب أن تشمل الدراسة البالغين؟
غالبًا ما يتركز النقاش حول وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية على المراهقين والشباب، لكن الباحثين يشيرون إلى أن البالغين يمثلون شريحة مهمة من مستخدمي هذه المنصات أيضًا.
وقال بريماك إن إحدى النقاط المهمة في هذه الدراسة هي التركيز على البالغين، وهي فئة حصلت على اهتمام أقل في هذا المجال مقارنة بالمراهقين والشباب.
وأضاف أن هذه الفجوة مهمة لأن البالغين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، بينما تظل الوحدة والاكتئاب من قضايا الصحة العامة المهمة طوال مراحل البلوغ.
وتشير النتائج إلى أن الشعور بالحصول على دعم من العلاقات الواقعية كان مرتبطًا بالوحدة بصورة أقوى بكثير من الشعور بالحصول على الدعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن الدراسة لا تحسم العلاقة السببية بين الأمرين، وإنما توضح أن الاتصال الرقمي لا يساوي بالضرورة الدعم العاطفي الذي يشعر به الإنسان داخل علاقاته في الحياة الواقعية.
