قد لا تكون آثار وزن الجسم خلال سنوات المراهقة مرتبطة فقط بالمظهر أو اللياقة أو خطر الإصابة بالأمراض مستقبلًا، إذ تشير دراسة امتدت لأكثر من 40 عامًا إلى احتمال ارتباط ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) خلال هذه المرحلة بتسارع الشيخوخة البيولوجية في وقت لاحق من الحياة.
وحلل باحثون في فنلندا بيانات آلاف الأشخاص الذين تمت متابعتهم منذ الطفولة والمراهقة، ووجدوا أن الأشخاص الذين سجلوا مستويات أعلى من مؤشر كتلة الجسم خلال سنوات المراهقة كانوا أكثر ارتباطًا بعلامات الشيخوخة البيولوجية المتسارعة بعد عقود.
وكان هذا الارتباط أوضح لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لارتفاع مؤشر كتلة الجسم.
ونُشرت الدراسة في المجلة الدولية للسمنة (International Journal of Obesity).
لكن الباحثين يؤكدون ضمنيًا أن النتائج لا تعني أن ارتفاع وزن المراهق يحكم عليه بالشيخوخة الأسرع، وإنما تشير إلى علاقة إحصائية ضمن نمط صحي يمتد من الطفولة إلى مرحلة البلوغ.
العمر البيولوجي لا يساوي دائمًا العمر الزمني
قد يبلغ شخصان العمر نفسه، لكن أجسامهما لا تظهر بالضرورة الدرجة نفسها من التغيرات المرتبطة بالشيخوخة.
وهنا يأتي مفهوم الشيخوخة البيولوجية، الذي يحاول قياس الحالة الفسيولوجية للجسم مقارنة بالعمر الزمني.
ومن الطرق المستخدمة في هذا المجال تحليل مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)، وهي تغييرات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي ويمكن أن تؤثر في كيفية عمل الجينات.
ومع التقدم في العمر تتغير أنماط هذه العلامات، ما أتاح للباحثين تطوير ما يعرف باسم الساعات فوق الجينية (Epigenetic clocks)، وهي أدوات تستخدم تقديرات جزيئية لمحاولة تحديد العمر البيولوجي أو سرعة التقدم في العمر.
في الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون ساعتين من هذا النوع؛ إحداهما لتقدير ما إذا كان الشخص يبدو بيولوجيًا أكبر أو أصغر من عمره المتوقع، والأخرى لقياس وتيرة الشيخوخة نفسها.
متابعة نادرة بدأت منذ الطفولة
استندت الدراسة إلى بيانات دراسة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية لدى الشباب الفنلنديين (Cardiovascular Risk in Young Finns Study)، وهي دراسة طويلة الأمد بدأت عام 1980 وتابعت آلاف الأطفال والمراهقين على مدى عقود.
وشملت الدراسة الحالية 2045 شخصًا توفرت لديهم قياسات واحدة على الأقل للشيخوخة البيولوجية.
وكان لدى الباحثين أيضًا بيانات عن مؤشر كتلة الجسم للمشاركين منذ الطفولة وحتى مرحلة البلوغ، ما سمح لهم بمقارنة أنماط الوزن خلال سنوات المراهقة بعلامات الشيخوخة التي ظهرت بعد عقود.
وركز التحليل بصورة خاصة على مؤشر كتلة الجسم بين نحو 9 و18 عامًا، مع التمييز بين مستويين مختلفين: مستوى BMI الذي كان لدى الشخص خلال فترة المراهقة، وسرعة تغير هذا المؤشر خلال تلك السنوات.
وهنا ظهرت إحدى النتائج المهمة.
ارتفاع مستوى BMI أهم من سرعة زيادته
ارتفع مؤشر كتلة الجسم لدى المشاركين، في المتوسط، مع نموهم خلال فترة المراهقة، لكن الباحثين وجدوا أن ارتفاع مستوى BMI خلال سنوات المراهقة كان أكثر ارتباطًا بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية المتسارعة من سرعة زيادة BMI نفسها.
بعبارة أخرى، لم تكن الصورة الأساسية أن الزيادة السريعة في الوزن خلال المراهقة هي العامل الأوضح، وإنما الوجود المستمر عند مستوى أعلى نسبيًا من مؤشر كتلة الجسم خلال هذه المرحلة.
ولم يتوقف الباحثون عند الوزن، بل حاولوا معرفة الدور الذي يمكن أن تلعبه العوامل الوراثية.
الاستعداد الوراثي يضيف جزءًا من الصورة
بدل البحث عن جين واحد مسؤول عن زيادة الوزن، استخدم الفريق درجات وراثية متعددة تجمع معلومات من مئات المتغيرات الجينية المرتبطة بحجم الجسم.
وأظهرت النتائج أن الاستعداد الوراثي لارتفاع مؤشر كتلة الجسم ارتبط بدوره بتسارع الشيخوخة البيولوجية.
وقالت آني بيتكانن، الباحثة في مرحلة الدكتوراه بكلية علوم الرياضة والصحة في جامعة يوفاسكولا، إن النتائج تشير إلى ارتباط الاستعداد الوراثي لارتفاع BMI بتسارع الشيخوخة البيولوجية، وأن جزءًا من هذا الارتباط قد يفسره انعكاس الاستعداد الوراثي في صورة مؤشر كتلة جسم أعلى خلال المراهقة.
لكن حجم التأثير الوراثي كان محدودًا؛ إذ فسرت الدرجات الجينية جزءًا صغيرًا فقط من الاختلافات في مؤشر كتلة الجسم خلال المراهقة.
وهذا يعني أن الجينات لم تكن العامل الوحيد الذي يحدد وزن المشاركين أو نمط شيخوختهم.
اختبار العلاقة باستخدام «التوزيع العشوائي المندلي»
استخدم الباحثون أيضًا تقنية تعرف باسم التوزيع العشوائي المندلي (Mendelian randomization)، وهي طريقة بحثية تستفيد من الاختلافات الجينية لمحاولة اختبار ما إذا كان عامل معين قد يكون له تأثير في عامل آخر، مع تقليل بعض مصادر الالتباس التي قد تنتج عن نمط الحياة والعوامل البيئية.
وعند استخدام أحد المؤشرات الجينية، دعمت النتائج احتمال وجود تأثير لمؤشر كتلة الجسم المرتفع خلال المراهقة في تسارع الشيخوخة البيولوجية.
وكانت الإشارة الأوضح مع ساعة DunedinPACE، وهي أداة فوق جينية تهدف إلى تقدير سرعة الشيخوخة من سنة إلى أخرى.
وخلص الباحثون إلى أن اجتماع الاستعداد الوراثي لارتفاع BMI مع ارتفاع BMI فعليًا خلال المراهقة قد يرتبط بتسارع الشيخوخة البيولوجية.
لكن هذه النتيجة لا تثبت أن ارتفاع الوزن في المراهقة وحده هو الذي يسبب الشيخوخة الأسرع، خصوصًا أن العلاقة أصبحت أكثر تعقيدًا عند إدخال وزن الجسم في مرحلة البلوغ ضمن التحليل.
وزن البالغين غيّر الصورة
عندما أخذ الباحثون مؤشر كتلة الجسم في مرحلة البلوغ في الحسبان، أصبح الارتباط بين الاستعداد الوراثي والشيخوخة عبر مؤشر كتلة الجسم في المراهقة أضعف، ولم يعد واضحًا من الناحية الإحصائية.
وهذه النتيجة مهمة؛ لأنها تشير إلى أن وزن المراهقة قد يكون جزءًا من مسار صحي طويل يمتد إلى مرحلة البلوغ، وليس بالضرورة عاملًا منفصلًا يعمل وحده.
فالأشخاص الذين لديهم BMI مرتفع في سنوات المراهقة قد يستمر لديهم ارتفاع المؤشر في مرحلة البلوغ، وبالتالي قد تتداخل تأثيرات مراحل الحياة المختلفة في الإشارة المرتبطة بالشيخوخة البيولوجية.
كما أن النتائج اختلفت بحسب ساعة الشيخوخة المستخدمة وبحسب الدرجة الجينية التي اعتمد عليها التحليل، وهو ما يفرض قدرًا من الحذر عند تفسير النتائج.
لماذا لا يكفي مؤشر كتلة الجسم وحده؟
يُعد BMI أداة بسيطة وواسعة الاستخدام، لكنه ليس مقياسًا مباشرًا لكمية الدهون في الجسم.
فهو يعتمد أساسًا على الطول والوزن، ولا يميز بصورة دقيقة بين الدهون والكتلة العضلية، كما لا يحدد مكان تراكم الدهون في الجسم.
لذلك لا يمكن اعتبار ارتفاع BMI وحده قياسًا كاملًا للصحة الأيضية أو تكوين الجسم.
وتوجد أيضًا قيود أخرى في الدراسة، فالمشاركون كانوا من ذوي الأصول الأوروبية في فنلندا، وبالتالي قد لا تنطبق النتائج بالضرورة بالطريقة نفسها على جميع السكان والمجموعات العرقية.
كما أن بعض التحليلات اللاحقة اعتمدت على أعداد أقل من المشاركين، ما يجعل بعض التقديرات أقل يقينًا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسات التي تمتد لأكثر من أربعة عقود تواجه بطبيعتها مشكلة فقدان بعض المشاركين أثناء المتابعة، وإذا كانت خصائص الأشخاص الذين غادروا الدراسة تختلف عن خصائص من استمروا فيها، فقد يؤثر ذلك في النتائج.
المراهقة جزء من قصة صحية أطول
تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تقدم «موعدًا بيولوجيًا» يحكم على المراهقين بمستقبل معين، وإنما تضيف دليلًا إلى فكرة أن أنماط الصحة والوزن التي تتشكل مبكرًا في الحياة قد تظل مرتبطة بحالة الجسم بعد عقود.
كما تكشف النتائج أن الاستعداد الوراثي ليس سوى جزء من الصورة؛ فالجينات قد تؤثر في احتمال ارتفاع مؤشر كتلة الجسم، لكن مسار الوزن عبر المراهقة والبلوغ يرتبط أيضًا بعوامل أخرى.
وأكدت بيتكانن أن نتائج الدراسة تسلط الضوء على أهمية الوقاية من زيادة الوزن والسمنة على امتداد مراحل الحياة.
ومع ذلك، تظل أسئلة مهمة مفتوحة حول السببية، والتوقيت الأكثر تأثيرًا، وكيف تختلف العلاقة بين الأفراد.
وبالتالي، فإن الرسالة العلمية الأكثر دقة ليست أن ارتفاع الوزن في المراهقة يؤدي حتمًا إلى شيخوخة أسرع، وإنما أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم خلال هذه المرحلة يرتبط ببعض مؤشرات الشيخوخة البيولوجية في وقت لاحق، ضمن مسار صحي وجيني يمتد عبر مراحل الحياة.
