تخيل أن الجدار داخل منزلك لا يكتفي بتغطية الحائط أو تحسين مظهر الغرفة، بل يستطيع أيضًا إنتاج كميات صغيرة من الكهرباء من الرطوبة الموجودة في الهواء.
هذا هو المفهوم الذي يعمل عليه باحثون في جامعة بينجهامتون الأمريكية، حيث طوروا نوعًا جديدًا من ورق الجدران قادرًا على امتصاص جزيئات الماء من الهواء وتحويل هذه الرطوبة إلى تيار كهربائي بكميات صغيرة.
وتستهدف التقنية تشغيل الأجهزة الإلكترونية منخفضة استهلاك الطاقة، مثل أجهزة الاستشعار البيئية، ووحدات الاتصال اللاسلكي، وواجهات المباني الذكية، وغيرها من الأجهزة التي تعتمد عليها منظومة «إنترنت الأشياء».
قاد البحث البروفيسور سيونج هون «شون» تشوي، من قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسبات في كلية توماس جيه. واتسون للهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة بينجهامتون، بمشاركة طالب الدكتوراه جوانجيا «روجر» يوان، ويانج «ليكسي» جاو، ونُشرت الدراسة في دورية Advanced Energy Materials.
كيف يحول ورق الجدران الرطوبة إلى كهرباء؟
تعتمد التقنية على وحدات صغيرة تُعرف باسم مولدات الكهرباء الرطوبية (Moisture-Electric Generators – MEGs)، وهي أجهزة تمتص جزيئات الماء من الهواء.
عندما تمتص المادة الرطوبة، فإن ذلك يساعد على تفكك الأيونات وتحركها داخل المادة، ما يؤدي إلى تكوين تدرج في تركيز الأيونات، وينتج عن هذا الفصل بين الشحنات فرق جهد بين جانبي الجهاز، وهو ما يسمح بتوليد طاقة كهربائية.
ولا تستهدف هذه المولدات منافسة مصادر الكهرباء التقليدية عالية القدرة، وإنما تعمل كمصادر طاقة مخصصة للأجهزة التي تحتاج إلى كميات صغيرة من الكهرباء.
ومن بين التطبيقات المحتملة أجهزة الاستشعار البيئية، ووحدات الاتصال اللاسلكي، وواجهات المباني الذكية، وغيرها من الأجهزة التي تجمع البيانات ضمن منظومة «إنترنت الأشياء».
رطوبة المنازل مصدر أكثر استقرارًا
يرى الباحثون أن البيئة الداخلية للمباني قد توفر ميزة مهمة مقارنة بالاعتماد على رطوبة الهواء في الخارج.
وأوضح تشوي أن معظم أجهزة توليد الكهرباء من الرطوبة التي طُورت سابقًا صُممت للاستفادة من الرطوبة الخارجية، حيث تتوافر كميات كبيرة من الماء في الهواء، إلا أن إنتاجها للطاقة يظل محدودًا، كما أن البيئة الخارجية تتغير باستمرار بفعل أشعة الشمس والطقس.
في المقابل، تتراوح الرطوبة داخل المنازل عادة بين 30% و60%، وهي بيئة أكثر استقرارًا، كما أن الأنشطة اليومية للسكان، مثل التنفس والطهي والاستحمام، تضيف كميات أخرى من الرطوبة إلى الهواء.
ويقول الباحثون إن هذا الاستقرار النسبي يمكن أن يجعل الرطوبة الداخلية مصدرًا مناسبًا لتشغيل مولدات صغيرة للطاقة.
لكن تطوير تقنية يمكن استخدامها داخل المنازل لم يكن مجرد مسألة هندسية؛ إذ كان على الفريق أيضًا تصميمها بطريقة تتناسب مع الشكل الذي يتوقعه أصحاب المنازل من ورق الجدران.
تصميم قابل للطباعة والإنتاج على نطاق واسع
تعتمد أكثر تصميمات مولدات الكهرباء الرطوبية شيوعًا على هياكل رأسية أو أفقية تحتوي على توزيع غير متماثل لمواد تمتص الرطوبة أو مواد قابلة للتأين.
في أحد أجزاء الجهاز، تمتص المادة الرطوبة بصورة أكبر، بينما يعمل جزء آخر على تعزيز إطلاق الماء أو تبخره. وينتج عن هذا الاختلاف تدرج مستمر في الرطوبة وتركيز الأيونات، ما يساعد على فصل الشحنات وتوليد الكهرباء.
لكن توسيع هذا النوع من التصميمات ليغطي مساحات بحجم الجدران يمكن أن يؤدي إلى استغلال غير فعال للمساحة، فضلًا عن صعوبة الحفاظ على انتقال الرطوبة في اتجاه محدد عبر المساحات الكبيرة.
وللتغلب على هذه المشكلة، استفاد فريق جامعة بينجهامتون من أبحاث تشوي السابقة في مجال «إلكترونيات الورق» (Papertronics)، لتطوير تصميم جديد لمولدات الكهرباء الرطوبية يشبه في بنيته شريحة إلكترونية على لوحة دوائر.
ويحتوي التصميم على مناطق مختلفة تؤدي وظائف محددة؛ إذ يوجد الجليسرول عند حواف الورق لالتقاط الرطوبة من الهواء، بينما توجد في المنتصف بنية مرتفعة مصنوعة من بولي فينيل بيروليدون (PVP)، ومشكلة باستخدام طبقة من الشمع للتحكم في إطلاق الرطوبة وتبخرها.
ويوجه هذا التصميم حركة الرطوبة من منطقة الامتصاص باتجاه منطقة التبخر، بما يحافظ على تدرج أكثر انتظامًا ويساعد على استمرار توليد الطاقة.
ويأمل الباحثون في أن يكون التصميم قابلًا للطباعة بالكامل، بما يسمح بتصنيعه بكميات كبيرة وتوسيعه ليغطي مساحات أكبر.
أسلاك مخفية داخل ورق الجدران
كان إخفاء المكونات الكهربائية جزءًا أساسيًا من تصميم ورق الجدران الجديد، إذ لم يرغب الباحثون في أن يضطر أصحاب المنازل إلى التعامل مع شبكة من الأسلاك الظاهرة على الجدران.
لذلك، وضع الفريق جميع الأسلاك الخاصة بمولدات الكهرباء الرطوبية في الجزء الخلفي من ورق الجدران.
كما اختبر الباحثون توصيل المولدات على التوالي وعلى التوازي لمعرفة أي الطريقتين يمكن أن تنتج كمية أكبر من الطاقة، لكن النتائج كانت متقاربة بين النظامين.
وفي المرحلة الحالية، يرى تشوي أن مصفوفات مولدات الكهرباء الرطوبية يمكن استخدامها لتشغيل أجهزة صغيرة، مثل أجهزة الاستشعار البيئية أو لوحات المفاتيح اللاسلكية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من قدرتها على المساعدة في تنظيم مستويات الرطوبة داخل الغرفة.
كهرباء صغيرة وتنظيم للرطوبة
ولا تقتصر الفكرة، وفق الباحثين، على إنتاج الكهرباء من مصدر متوافر داخل المنزل، بل يمكن أن ترتبط أيضًا بإدارة الرطوبة واستهلاك الطاقة في المباني.
فعادةً ما تستهلك أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء (HVAC) قدرًا من الطاقة لإزالة الرطوبة من الهواء. ويرى الفريق أن دمج مولدات الرطوبة الكهربائية في الجدران قد يتيح الاستفادة من جزء من هذه الرطوبة، مع المساعدة في التحكم في مستوياتها داخل الغرفة، وفي الوقت نفسه إنتاج كمية صغيرة من الكهرباء.
وبذلك، يقدم ورق الجدران المقترح نموذجًا يجمع بين مواد البناء الداخلية وتوليد الطاقة منخفضة القدرة وإدارة الرطوبة، مع إمكانية استخدامه مستقبلًا في تشغيل شبكة من أجهزة الاستشعار والإلكترونيات الصغيرة داخل المباني الذكية.
