هل يمكن للموسيقى أن تجعل الطعام أكثر حلاوة؟ تصوير الدماغ يكشف الإجابة

الموسيقى الحلوة تعزز الاستمتاع بالمذاق وتغيّر نشاط مناطق التذوق في الدماغ

قد لا يعتمد مذاق الطعام والشراب على مكوناتهما وحدها، بل يمكن للأصوات المحيطة بنا أن تؤثر أيضًا في الطريقة التي يعالج بها الدماغ النكهات ويستجيب لها.
فقد كشفت دراسة حديثة، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن الموسيقى تغيّر نشاط مناطق دماغية مرتبطة بالتذوق عند تناول سوائل حلوة أو حامضة، كما قد تجعل تجربة التذوق أكثر استمتاعًا بدرجة محدودة.

وتشير النتائج إلى أن العلاقة بين السمع والتذوق أكثر تعقيدًا من مجرد تأثير المزاج في تجربة تناول الطعام؛ إذ رصد الباحثون اختلافات في نشاط الدماغ عندما تزامنت النكهة مع موسيقى تتوافق معها، مقارنة بتناول السائل نفسه في صمت أو الاستماع إلى موسيقى مرتبطة بنكهة مختلفة.

وأُجريت الدراسة بقيادة جانيس وانغ، الأستاذة المشاركة في قسم علوم الأغذية بجامعة كوبنهاجن، بالتعاون مع باحثين من مركز الموسيقى والدماغ بجامعة آرهوس في الدنمارك. ونُشرت النتائج في مجلة Scientific Reports.

التتبيل الصوتي.. عندما تصبح الموسيقى جزءًا من تجربة التذوق

نشاط مناطق التذوق

يُطلق الباحثون على استخدام الأصوات للتأثير في إدراك مذاق الطعام أو الشراب مصطلح «التتبيل الصوتي» (Sonic Seasoning)، وهي فكرة تستند إلى ملاحظات سابقة عن ارتباط بعض الخصائص الموسيقية بنكهات محددة.

فغالبًا ما ترتبط النغمات العالية والناعمة والألحان المتناغمة في إدراك الناس بالحلاوة، بينما ترتبط الأصوات الحادة والنغمات المتنافرة بدرجة أكبر بالحموضة.

لكن السؤال الذي أراد فريق البحث الإجابة عنه لم يكن مجرد ما إذا كان الناس يصفون النكهات بصورة مختلفة عند الاستماع إلى الموسيقى، بل ما إذا كان هذا الارتباط يظهر أيضًا في نشاط الدماغ أثناء التذوق.

وللتحقق من ذلك، استخدم الباحثون تجربة مضبوطة تجمع بين تقديم مذاقات بسيطة وتشغيل مقطوعات موسيقية مصممة لتمثيل الحلاوة أو الحموضة، مع تسجيل استجابات الدماغ.

تصوير الدماغ أثناء تذوق الحلو والحامض

نشاط مناطق التذوق

شارك في التجربة 28 شابًا وشابة من الأصحاء، اكتملت بيانات التصوير الدماغي الخاصة بهم. واستخدم الباحثون سائلين بسيطين: ماءً ممزوجًا بالسكر لتمثيل المذاق الحلو، وماءً يحتوي على حمض الستريك لتمثيل المذاق الحامض.

واستلقت المجموعة داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي يرصد التغيرات في تدفق الدم المرتبطة بالنشاط العصبي. ووُضعت أنابيب دقيقة لتوصيل كميات صغيرة من السوائل إلى اللسان، فيما استمع المشاركون عبر سماعات عازلة للضوضاء إلى أحد مسارين موسيقيين؛ أحدهما ناعم ومتدفق، والآخر أكثر حدة وتنافرًا.

وفي بعض التجارب، توافق نوع الموسيقى مع مذاق السائل، مثل تشغيل الموسيقى المرتبطة بالحلاوة أثناء تذوق ماء السكر.
وفي تجارب أخرى، لم يتوافق الاثنان، فاستمع المشاركون إلى موسيقى الحموضة أثناء تذوق السائل الحلو، أو العكس.

وشملت التجربة أيضًا جولات للتذوق من دون موسيقى، وأخرى للاستماع إلى الموسيقى من دون تقديم أي مذاق، ما أتاح مقارنة استجابة الدماغ لكل مؤثر على حدة وعند اجتماعهما.

الموسيقى المتوافقة تزيد نشاط مناطق التذوق

نشاط مناطق التذوق

أظهرت عمليات المسح الدماغي أن تذوق السائل أثناء تشغيل موسيقى متوافقة مع مذاقه ارتبط بزيادة النشاط في منطقة دماغية تشارك في معالجة التذوق، مقارنة بتذوق السائل نفسه في صمت.
كما سجل الباحثون نشاطًا أكبر في مناطق مرتبطة بالإحساس الجسدي والحركة.

وقد يكون جزء من هذا النشاط مرتبطًا بالحركات الصغيرة التي تحدث داخل الفم أثناء التذوق والبلع، فيما اقترح الباحثون أن الروابط بين معالجة الصوت والحركة قد تسهم أيضًا في هذه الاستجابة.

وعند تذوق ماء السكر، ارتبط تشغيل الموسيقى المتوافقة مع الحلاوة بزيادة النشاط في منطقة أمامية من الدماغ لها صلة بالجوانب العاطفية لتجربة النكهة.
ويفتح ذلك احتمال أن تؤثر الموسيقى في الاستمتاع بالطعام، لكن نشاط الدماغ وحده لا يكفي لإثبات مقدار الإعجاب بالمذاق أو تفسيره بصورة مباشرة.

وقالت وانغ إن النتائج تدعم فكرة أن النكهة ليست مجرد خاصية ثابتة في الطعام، بل تجربة يصنعها الدماغ من خلال معالجة الإشارات الحسية المختلفة.

كما أظهرت التجربة أن الموسيقى وحدها يمكن أن تنشط بعض المناطق التي تتفاعل أثناء التذوق، ومع ذلك، لا يعني تداخل المناطق النشطة أن الخلايا العصبية نفسها تعالج الصوت والمذاق؛ إذ يمكن لمجموعات مختلفة من الخلايا داخل المنطقة الواحدة أن تستجيب لكل منهما على نحو مستقل.

تأثير أوضح مع المذاق الحلو

لمعرفة ما إذا كان اختلاف النشاط الدماغي ناتجًا عن مجرد الجمع بين الصوت والتذوق، قارن الباحثون استجابة المشاركين للسائل نفسه تحت المسارين الموسيقيين المختلفين.

وأنتج ماء السكر نشاطًا أكبر في مناطق سمعية وفي قشرة التذوق عندما صاحبت التذوقَ الموسيقى المرتبطة بالحلاوة، مقارنة بالموسيقى المرتبطة بالحموضة، وبما أن السائل لم يتغير، فإن الاختلاف المسجل ارتبط بتغيير الموسيقى المصاحبة.

لكن النتيجة لم تتكرر بالطريقة نفسها مع حمض الستريك؛ إذ لم يُحدث تبديل الموسيقى المصاحبة للمذاق الحامض فرقًا يمكن رصده في النمط ذاته.

وهذا يعني أن الدراسة لا تدعم قاعدة عامة مفادها أن لكل مذاق موسيقى خاصة تزيد دائمًا من استجابة الدماغ له، وبدلًا من ذلك، تشير النتائج إلى أن اجتماع الصوت والتذوق يفسر جانبًا من النشاط الإضافي، مع ظهور تأثير أكثر وضوحًا للموسيقى المتوافقة مع الحلاوة في بعض المناطق الدماغية.

هل تجعل الموسيقى الطعام أكثر حلاوة؟

بعد انتهاء التصوير، شارك المتطوعون في جلسة تذوق شملت خمسة مخاليط تتدرج من ماء السكر الخالص إلى حمض الستريك الخالص، وقيّموا مدى استمتاعهم بكل منها.

وأظهرت التقييمات أن المشاركين ربطوا بصورة عامة بين السوائل الأكثر حلاوة والموسيقى المخصصة للحلاوة، وبين السوائل الأكثر حموضة والموسيقى المخصصة للحموضة.

كما ارتفع متوسط تقييم الاستمتاع بالمذاق من 4.15 نقاط في غياب الموسيقى إلى 4.44 نقاط عند تشغيل الموسيقى الحلوة، على مقياس من تسع نقاط، ورغم أن الفارق محدود، أفاد الباحثون بأنه من غير المرجح أن يكون ناتجًا عن المصادفة وحدها.

لكن النتائج اختلفت بحسب مجموعة المشاركين وطريقة القياس. ففي مجموعة المشاركين الـ28 الذين اكتملت بيانات تصوير أدمغتهم، لم تُظهر الموسيقى تغيرًا واضحًا في تقدير شدة الحلاوة أو الحموضة.
أما في جلسة التذوق التي شارك فيها 48 شخصًا، فقد جعلت الموسيقى الحلوة المشروبات تبدو أكثر حلاوة.

ويرجح الباحثون أن صغر مجموعة التصوير الدماغي قد يكون أحد أسباب عدم ظهور تأثير إدراكي واضح فيها، إلا أن النتائج لا تثبت أن الموسيقى تزيد الحلاوة في جميع الحالات أو لدى جميع الأشخاص.

ما حدود النتائج؟ وهل يمكن استخدامها لتحسين التغذية؟

رغم ما تكشفه الدراسة عن التفاعل بين السمع والتذوق، فإن هناك قيودًا ينبغي أخذها في الاعتبار، فقد اقتصرت التجارب على شباب أصحاء من أصحاب اليد اليمنى، ولم تختبر اختلاف الاستجابات تبعًا للثقافة أو التدريب الموسيقي أو التفضيلات الشخصية.

كذلك، استخدم الباحثون محاليل بسيطة بدلًا من وجبات حقيقية تحتوي على روائح وقوام ومكونات متعددة، كما أُجريت تجارب الجمع بين الموسيقى والتذوق دائمًا قبل المراحل الأخرى، ما يترك احتمال تأثير حداثة التجربة في بعض الاستجابات.

ولا يستطيع التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي تحديد ما إذا كانت الخلايا العصبية نفسها تستجيب للصوت والمذاق معًا، كما أن ارتفاع النشاط الدماغي لا يعني بالضرورة أن المذاق أصبح أقوى أو أكثر استساغة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفتح المجال أمام تطبيقات في المطاعم وتصميم تجارب تناول الطعام، وربما في مساعدة بعض الأشخاص الذين تراجعت قدرتهم على التذوق.
وأشارت ألبرته باجسجارد سيبرغ، الباحثة الأولى في الدراسة وباحثة ما بعد الدكتوراه بجامعة كوبنهاجن، إلى أن الموسيقى قد تساعد مستقبلًا في تحسين تجربة تناول الطعام لدى أشخاص معرضين لخطر سوء التغذية.

لكن الدراسة لم تختبر ما إذا كان تشغيل الموسيقى يدفع الأشخاص إلى تناول كميات أكبر من الطعام أو يحسن حالتهم الغذائية بالفعل.
ويتطلب إثبات هذه الفوائد إجراء دراسات أوسع تشمل فئات متنوعة من المشاركين ووجبات حقيقية، بدلًا من الاقتصار على السوائل البسيطة.

وتوضح النتائج في مجملها أن تجربة النكهة لا تتشكل من إشارات اللسان وحدها، بل تتأثر أيضًا بالمعلومات الحسية المحيطة، ومع ذلك، لا تزال الاستفادة من هذه الظاهرة لتحسين التغذية أو تغيير مذاق الأطعمة عمليًا احتمالًا يحتاج إلى مزيد من الاختبار العلمي.

↑
Exit mobile version