لم تعد قضايا البيئة ملفًا هامشيًا، بل أصبحت تمس مباشرة أمن الموارد ودعم الاقتصاد، وهو ما يفسّر تصاعد الجدل الإداري والسياسي حول الشكل المؤسسي الأنسب لإدارة هذا الملف: هل تكون وزارة البيئة مستقلة أم تُدمج ضمن وزارة أخرى؟
غير أن جوهر المسألة لا يتوقف عند الشكل المؤسسي بقدر ما يرتبط بامتلاك الجهة البيئية صلاحيات تنفيذية ورقابية تمكّنها من قيادة التحول من اقتصاد خطي يقوم على «الإنتاج ثم الاستهلاك ثم التخلص» إلى اقتصاد دائري يحافظ على قيمة الموارد عبر التقليل، وإعادة الاستخدام، والمعالجة، والتدوير.
يمثل هذا النقاش اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة تعارض المصالح، وتوحيد المعايير، وفرض الامتثال على مختلف القطاعات. فوزارة تُحرم من أدوات التنفيذ والرقابة ستظل في الغالب صوتًا استشاريًا، بينما تتطلب المرحلة جهة قادرة على توجيه السياسات وتنسيقها وقيادة الانتقال نحو نموذج يُبقي الموارد داخل الدورة الإنتاجية لأطول وقت ممكن، ويحدّ من الهدر.
من يضع المعايير؟ من يراقب؟
ينعكس اختيار وزارة مستقلة أو مدمجة على قوة القرار البيئي داخل الحكومة، وعلى القدرة على التنسيق مع الوزارات الاقتصادية والخدمية، وعلى وضوح المساءلة: من يضع المعايير؟ من يراقب؟ ومن يفرض العقوبات؟ كما يحدد حجم الموارد البشرية والمالية المخصصة للملف البيئي، ومدى حضوره في التخطيط الوطني والموازنات العامة.
تمنح الوزارة المستقلة البيئة وزنًا سياسيًا وتنظيميًا أعلى، وتقلل تضارب المصالح عندما لا تكون الجهة التي تشجع النمو الاقتصادي هي نفسها الجهة التي تراقب الأثر البيئي. كما تتيح بناء كوادر متخصصة في التشريعات والرقابة والقياس وإدارة النفايات والتنوع الحيوي وتغير المناخ. ومع ذلك، لا ينجح هذا الخيار إذا بقيت الوزارة استشارية؛ إذ يجب أن تمتلك أدوات إنفاذ وتنسيق فعّالة حتى لا تصبح معزولة عن مراكز القرار الاقتصادي.
وزارة بيئة مستقلة وقوية
في المقابل، قد يسهل دمج البيئة مع المياه أو المحليات أو الطاقة التنفيذ، لأن كثيرًا من أدوات التطبيق تقع في هذه القطاعات، مثل إدارة النفايات البلدية وتنظيم المياه وبعض ملفات الانبعاثات. غير أن هذا الدمج يحمل مخاطرة تراجع أولوية البيئة لصالح أهداف القطاع الأكبر، وقد يضعف دور الرقابة المستقلة. لذلك لا ينجح الدمج إلا إذا أُنشئت داخل الوزارة المدمجة وحدة أو جهاز رقابي بصلاحيات واضحة، وميزانية كافية، وحق فني ملزم في الاعتراض أو الإيقاف عند المخالفات الجسيمة.
في أغلب الحالات، يكون الخيار الأفضل هو وزارة بيئة مستقلة وقوية، لأن التحول إلى اقتصاد دائري يتطلب تغيير قواعد السوق والحوافز، وليس مجرد حملات توعوية أو أعمال تنظيف. ومع ذلك، وحتى مع الاستقلال، لا بد من آليات تنسيق إلزامية مع وزارات المالية والاقتصاد والصناعة والطاقة والمحليات، حتى لا تتحول البيئة إلى «ملف منفصل» بلا تأثير حقيقي على السياسات الاقتصادية.
صلاحيات وزارة البيئة المقترحة للتحول إلى اقتصاد دائري
تحتاج الوزارة إلى صلاحيات تنظيمية وتشريعية تمكّنها من وضع معايير تصميم المنتجات وقابليتها للمعالجة والتدوير، وتحديد نسب محتوى معاد تدويره في منتجات مختارة، ومنع أو تقييد بعض المواد أحادية الاستخدام تدريجيًا عند توفر بدائل. كما تحتاج إلى قيادة تطبيق «المسؤولية الممتدة للمنتِج»، بحيث يتحمل المنتجون والمستوردون كلفة جمع ومعالجة منتجاتهم بعد الاستعمال، خاصة في التغليف والبطاريات والإلكترونيات والإطارات والزيوت.
ولا يفعل الاقتصاد الدائري دون تعديل الحوافز؛ لذا من الضروري أن تمتلك وزارة البيئة صلاحية اقتراح رسوم وتشريعات مالية بالتنسيق مع وزارة المالية، مثل رسوم الطمر، وأنظمة الاسترداد للعبوات، وحوافز ضريبية لاستثمارات التدوير والفرز والمعالجة، ورسوم على المواد الخام الجديدة في قطاعات محددة عند توفر بدائل معاد تدويرها. الهدف أن يصبح الطمر الخيار الأخير والأغلى، وأن تتحول إعادة الاستخدام والتدوير إلى خيارات مربحة ومنظمة.
تنظيم إدارة النفايات كسلسلة قيمة
بدل النظر إلى النفايات باعتبارها خدمة نظافة فقط، ينبغي تنظيمها كسلسلة قيمة اقتصادية تبدأ بتقليل التوليد، ثم الفرز من المصدر، ثم إعادة الاستخدام، فالتدوير واستخلاص الطاقة، وصولًا إلى الطمر الصحي كحل أخير. ويتطلب ذلك خططًا وطنية بأهداف زمنية واضحة، وترخيصًا ورقابة على مرافق الجمع والفرز والتدوير، ومعايير جودة للمواد المعاد تدويرها لضمان نجاح الأسواق وثقة الصناعة بالمخرجات.
البيانات والقياس
لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه. لذلك تحتاج الوزارة إلى صلاحيات إنشاء سجل وطني لتدفقات المواد والنفايات، وإلزام المنشآت الكبرى بتقارير دورية عن النفايات واستهلاك الموارد ونسب الاسترداد، وإطلاق أنظمة تتبع للمخلفات الخطرة والطبية والصناعية من مصدرها حتى معالجتها. وتشكل هذه البيانات أساسًا لتقييم الأداء وتحسين السياسات وكشف الممارسات غير القانونية.
الإنفاذ والرقابة والعقوبات
يرتبط نجاح الوزارة بقدرتها على التفتيش وضبط المخالفات وفرض غرامات تصاعدية، وإيقاف الأنشطة الخطرة عند الضرورة. كما يجب أن تمتلك أدوات قانونية لمنع الحرق المكشوف والإلقاء العشوائي والتخلص غير السليم من المخلفات الخطرة، مع إلزام المنشآت بخطط امتثال زمنية واضحة بدل الاكتفاء بالإنذارات المتكررة.
المشتريات الحكومية كرافعة للسوق
يمكن للحكومة أن تصنع سوقًا للمواد المعاد تدويرها عبر المشتريات الحكومية. لذلك يُقترح أن تضع وزارة البيئة، بالتعاون مع الجهات المعنية، معايير للمشتريات الخضراء، مثل نسب المحتوى المعاد تدويره في الورق ومواد البناء، وتفضيل الموردين الذين يقدمون خدمات الاسترجاع والإصلاح، وربط العقود بمؤشرات أداء تقلل الهدر وتدعم إعادة الاستخدام.
الحوكمة والتنسيق بين الوزارات
لضمان ألا يبقى الاقتصاد الدائري مشروعًا بيئيًا فقط، يُقترح إنشاء مجلس وطني للاقتصاد الدائري يضم وزارات المالية والاقتصاد والصناعة والطاقة والمحليات والبيئة. تكون وزارة البيئة القائد الفني والمنظم للمعايير والامتثال، بينما تتولى المالية أدوات الحوافز والرسوم، وتدعم الصناعة والتجارة التحول الصناعي، وتنفذ المحليات منظومات الجمع والفرز ضمن معايير وطنية موحدة.
في المحصلة، لا يتوقف نجاح إدارة الملف البيئي على اللافتة الإدارية بقدر ما يتوقف على «قوة التفويض». وزارة بيئة مستقلة قد تمنح الملف وزنًا سياسيًا وتقلل تضارب المصالح، ووزارة مدمجة قد تقرّب أدوات التنفيذ من القطاعات الخدمية؛ لكن أيًّا كان الشكل، فإنه يفقد معناه إذا بقيت البيئة بلا صلاحيات تنظيمية ورقابية ومالية تُترجم الأهداف إلى قواعد سوق ومعايير إلزامية ونتائج قابلة للقياس.
فالانتقال إلى اقتصاد دائري ليس مشروع نظافة أو حملات توعوية، بل إعادة تصميم لطريقة إنتاجنا واستهلاكنا وإدارة مواردنا، بما يقلل الهدر ويطيل عمر المنتجات، ويبني أسواقًا موثوقة للمواد المعاد تدويرها، ويجعل الطمر الخيار الأخير والأعلى كلفة. وعندما تُمنح وزارة البيئة هذه الصلاحيات، وتُربط أهدافها بالتخطيط الاقتصادي، تتحول الاستدامة من شعار إلى مسار تنموي وواقع ملموس.
