في أعماق سحيقة تحت أقدامنا، قد تكون نواة الأرض أقل صلابة مما افترضه العلماء لعقود.
فقد أظهرت نتائج مخبرية جديدة أن أعمق جزء في كوكبنا يمكن أن يتصرف كمادة صلبة، ولكن مع قدر من الحركة الدقيقة، ما يعيد تشكيل فهمنا لبنية الأرض الداخلية.
في تجربة عالية السرعة، أطلق باحثون في الصين مقذوفًا من سبيكة الحديد والكربون بسرعة بلغت 6.9 كيلومترات في الثانية، لمحاكاة الضغوط الهائلة السائدة في نواة الأرض.
نُشرت الدراسة في دورية National Science Review، ورصد العلماء استجابة المعدن تحت هذه الظروف القاسية وقياس خصائصه الفيزيائية
لطالما أشارت تسجيلات الزلازل إلى سلوك غير تقليدي للنواة الداخلية، حتى في النماذج التي تفترض أنها صلبة تمامًا.
في جامعة سيتشوان بمدينة تشنجدو، طوّر الباحثون اختبارًا معمليًا قادرًا على محاكاة ظروف نواة الأرض العميقة لفترات زمنية قصيرة.
وقاد الفيزيائي يوجون تشانج هذه الجهود، حيث ركزت أبحاثه على كيفية انتقال الاهتزازات في سبائك الحديد تحت درجات حرارة وضغوط شديدة.
ساعد هذا النهج الفريق على ربط سرعات الموجات الصوتية المقاسة في المختبر بالسلوك الغريب للموجات الزلزالية التي يرصدها علماء الزلازل في أعماق الأرض.
الموجات القصّية في نواة الأرض
يعتمد علماء الزلازل على توقيت الموجات الناتجة عن الزلازل العابرة لكوكب الأرض لاستنتاج ما إذا كانت الطبقات الداخلية صلبة أم سائلة.
فالموجات القصّية، وهي اهتزازات جانبية، لا تنتقل إلا عبر المواد الصلبة، وتختفي عند وصولها إلى طبقة سائلة.
ورغم أن هذه الموجات تعبر النواة الداخلية، فإن سرعتها أبطأ بشكل غير متوقع بالنسبة لمادة غنية بالحديد، ما يشير إلى انخفاض الصلابة ويطرح تساؤلات حول مفهوم «النواة الصلبة».
حالة فائقة الأيونية
في عام 2022، اقترحت نماذج حاسوبية أن سبائك الحديد في درجات حرارة النواة الداخلية قد تدخل حالة تُعرف بـ«الحالة فائقة الأيونية»، وهي طور تكون فيه الذرات الخفيفة متحركة داخل شبكة صلبة من الذرات الثقيلة.
وأظهرت الحسابات أن ذرات الكربون والأكسجين والهيدروجين يمكن أن تتحرك بسرعة داخل الحديد، ما يؤدي إلى خفض سرعة الموجات القصّية لتتوافق مع الرصد الزلزالي.
محاكاة نواة الأرض
لاختبار هذه الفرضية، ضغط الفريق سبيكة من الحديد والكربون إلى 140 جيجاباسكال، ورفع درجة حرارتها إلى نحو 2327 درجة مئوية، مستخدمين تقنية الصدم الديناميكي التي تضغط وتسخن المادة في نبضة واحدة.
وخلال فترات زمنية قصيرة للغاية، التقطت مجسات ليزرية وأجهزة استشعار سريعة بيانات عن الكثافة وسرعات الموجات قبل أن تعود العينة إلى حالتها الطبيعية.
داخل الشبكة البلورية
تحت هذه الظروف، بدأت ذرات الكربون في التحرك بحرية داخل الشبكة البلورية، بينما بقيت ذرات الحديد منتظمة في بنيتها، ويؤدي هذا السلوك إلى احتفاظ المادة بشكلها الصلب، لكنها تصبح أقل مقاومة للتشوه.
وقال تشانج: «هذه الحالة فائقة الأيونية تقلل بشكل كبير من صلابة السبيكة».
أرقام تتوافق مع علم الزلازل
قاس الباحثون أيضًا نسبة بواسون، التي تعكس استجابة المادة للتشوه الجانبي، وعند أقصى ضغط، بلغت النسبة نحو 0.43، مع انخفاض سرعة الموجات القصّية بنحو 23%.
وأكد تشانج: «للمرة الأولى، نُظهر تجريبيًا أن سبيكة الحديد والكربون في ظروف النواة الداخلية تتمتع بسرعة قصّ منخفضة بشكل ملحوظ».
حدود التجربة
في الواقع، تصل ضغوط نواة الأرض إلى 330–360 جيجاباسكال، ودرجات الحرارة إلى أكثر من 4700 درجة مئوية، وهي ظروف أشد قسوة مما تحقق في المختبر.
كما أن سرعة التجربة تعني أن الذرات لا تستقر تمامًا، ما يتطلب الحذر في تفسير النتائج.
ورغم ذلك، توضح التجربة أن انتشار الذرات الخفيفة يمكن أن يفسر ليونة النواة الداخلية دون الحاجة إلى افتراض أنها سائلة.
انعكاسات على المجال المغناطيسي
يعتمد المجال المغناطيسي للأرض على حركة المعادن في النواة الخارجية السائلة. وإذا كانت الذرات الخفيفة تتحرك داخل النواة الداخلية الصلبة، فقد يؤثر ذلك في تبادل الحرارة والعناصر، وفي تطور المجال المغناطيسي نفسه.
وتشير النتائج مجتمعة إلى أن نواة الأرض الداخلية صلبة، لكنها أكثر ليونة مما كان يُعتقد، بفعل حركة الذرات الخفيفة داخل الحديد.
