موجات الحر تهدد مرضى القلب.. لماذا يجب الاستعداد قبل ارتفاع درجات الحرارة؟

من الجفاف إلى اضطراب ضربات القلب.. كيف تهدد الحرارة الشديدة مرضى القلب؟

مع اشتداد الحرارة بفعل تغير المناخ، يوصي تقرير طبي بإدماج الاستعداد لموجات الحر في الرعاية الدورية لمرضى القلب، ومراجعة احتياجاتهم من السوائل والأدوية والتبريد، ومتابعتهم حتى بعد انحسار الموجة الحارة.

لم تعد موجات الحر مجرد مصدر للإرهاق وعدم الراحة، بل أصبحت خطرًا صحيًا متزايدًا على الأشخاص المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية، إذ تفرض درجات الحرارة المرتفعة عبئًا إضافيًا على القلب، وقد تزيد احتمالات الإصابة بمضاعفات تستدعي دخول المستشفى، أو تؤدي إلى الوفاة.

وفي مواجهة هذا الخطر، يدعو تقرير أعده متخصصون في أمراض القلب وفسيولوجيا تنظيم حرارة الجسم إلى الاستعداد المبكر لحماية المرضى الأكثر عرضة للمضاعفات، بدلًا من الانتظار حتى وصول موجة الحر وظهور الأعراض التي تستدعي التدخل الطبي العاجل.

ويؤكد التقرير، أن الوقاية من آثار الحرارة الشديدة ينبغي أن تصبح جزءًا من الرعاية الدورية لمرضى القلب، بدءًا من تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، مرورًا بوضع خطط فردية للتعامل مع الحرارة ومراجعة الأدوية واحتياجات الترطيب، وصولًا إلى متابعة الحالة الصحية أثناء موجات الحر وبعد انتهائها.

وأعد التقرير خبراء نيابة عن ثماني مجموعات تابعة للجمعية الأوروبية لأمراض القلب، مستندين إلى الأدلة العلمية والدراسات السابقة بشأن سبل الحد من الوفيات وحالات دخول المستشفيات المرتبطة بالحرارة الشديدة لدى المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وهو تقرير إرشادي يجمع المعارف المتاحة ويحولها إلى توصيات عملية، وليس تجربة علمية جديدة.

ونُشر التقرير في دورية European Heart Journal، التابعة للمجال العلمي لأمراض القلب والأوعية الدموية.

موجات الحر تهدد مرضى القلب

وقالت جورجيا تشاسلينج، اختصاصية فسيولوجيا القلب والأوعية الدموية وتنظيم الحرارة بجامعة سيدني الأسترالية، وإحدى المشاركات في إعداد التقرير، إن الحرارة الشديدة لا تقتصر آثارها على الشعور بعدم الراحة، بل تفرض ضغطًا كبيرًا على الجهاز القلبي الوعائي وتزيد مخاطر المرض والوفاة، ما يستدعي إرشادات عملية تساعد العاملين في الرعاية الصحية على حماية المرضى.

لماذا تشكل الحرارة الشديدة عبئًا إضافيًا على القلب؟

عندما ترتفع درجة حرارة الجو، يحاول الجسم التخلص من الحرارة الزائدة للحفاظ على درجة حرارته الداخلية. ومن بين آلياته الأساسية زيادة تدفق الدم إلى الجلد، إلى جانب إفراز العرق الذي يساعد على تبريد الجسم عند تبخره.

وتتطلب هذه الاستجابة من القلب ضخ مزيد من الدم، وقد يضطر إلى العمل بمعدل أسرع للمساعدة في الحفاظ على ضغط الدم وتلبية احتياجات الجسم. ومع فقدان السوائل عن طريق التعرق، قد تتغير كمية الدم المتداولة وتوازن الأملاح والمعادن، ما يزيد صعوبة الحفاظ على استقرار الدورة الدموية.

وبالنسبة إلى الأشخاص الأصحاء، يستطيع الجسم غالبًا التعامل مع هذه التغيرات ضمن حدود معينة، لكن الوضع يختلف لدى المصابين بأمراض القلب، إذ قد تكون قدرة القلب على زيادة ضخ الدم أو تحمل التغيرات في ضغط الدم محدودة بالفعل.

لذلك، يمكن أن تؤدي الحرارة الشديدة إلى تفاقم بعض الحالات القلبية، خاصة عندما تقترن بالجفاف أو الإجهاد البدني أو عدم القدرة على الوصول إلى مكان بارد.

وتزداد أهمية هذه المخاطر في ظل الاحترار العالمي، ويشير التقرير إلى أن عام 2024 كان الأشد حرارة على الإطلاق وفق البيانات التي استند إليها، كما تجاوز متوسط درجة الحرارة العالمية مستوى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال ذلك العام.

ومع تزايد تواتر موجات الحر وشدتها في مناطق عديدة، يرى الخبراء أن الاستعداد لمخاطر الحرارة يجب أن يصبح عنصرًا ثابتًا في خطط علاج أمراض القلب، لا إجراءً استثنائيًا يُتخذ عند وقوع الأزمة.

وقال فيليب مونز، أستاذ بجامعة لوفين في بلجيكا وأحد المشاركين في إعداد التقرير، إن الهدف هو جعل الاستعداد للحرارة الشديدة جزءًا من الرعاية الروتينية للقلب والأوعية الدموية، بدلًا من بدء التفكير في حماية المرضى بعد وصول موجة الحر بالفعل.

من الأكثر عرضة لمضاعفات الحرارة؟

يشدد التقرير على أهمية تحديد المرضى الأكثر هشاشة قبل حلول الطقس شديد الحرارة، لأن مستوى الخطر لا يتساوى بين جميع المصابين بأمراض القلب.

وتتأثر قابلية الإصابة بالمضاعفات بنوع المرض القلبي وشدته، والأدوية المستخدمة، واحتياجات الجسم من السوائل، والعمر والحالة الصحية العامة، فضلًا عن الظروف المعيشية ومدى توافر وسائل التبريد في المنزل.

كما قد تزيد العزلة الاجتماعية أو صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية من المخاطر، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم أو لا يستطيعون تبريد مساكنهم بصورة مناسبة.

ولهذا، يوصي التقرير، بأن يناقش الأطباء مع مرضاهم خططًا فردية للتعامل مع موجات الحر، تتضمن كيفية تقليل التعرض للحرارة، ومراقبة المؤشرات الصحية، والتعرف على العلامات التي تستدعي طلب المساعدة الطبية.

وتؤكد تشاسلينج، أن الاستعداد ينبغي أن يبدأ قبل تعرض المريض للخطر، من خلال تقييم ظروفه الصحية والمعيشية وتحديد احتياجاته الخاصة، بدلًا من الانتظار حتى وصوله إلى قسم الطوارئ أثناء موجة الحر.

قصور القلب واضطراب النبض وضغط الدم.. مخاطر تختلف باختلاف الحالة

لا تتعامل جميع أمراض القلب مع الحرارة الشديدة بالطريقة نفسها؛ لذلك يوصي التقرير بتكييف إجراءات الوقاية والمتابعة وفقًا لطبيعة الحالة المرضية.

قصور القلب: توازن السوائل ضرورة

بالنسبة إلى المصابين بقصور القلب، تصبح مراقبة السوائل ووزن الجسم واستخدام الأدوية أمرًا مهمًا خلال فترات الحرارة الشديدة.

ففقدان السوائل بالتعرق قد يؤدي إلى الجفاف، لكن زيادة السوائل بصورة غير مناسبة قد تمثل مشكلة أيضًا لبعض مرضى قصور القلب، الذين قد يحتاجون إلى قيود محددة على تناولها وفقًا لتقييم الطبيب.

ولهذا، لا توجد كمية واحدة من الماء تناسب جميع المرضى؛ إذ ينبغي تحديد احتياجات الترطيب وفقًا للحالة الصحية والأدوية المستخدمة، مع متابعة التغيرات في الوزن ومستويات الأملاح والمعادن في الجسم، المعروفة باسم الإلكتروليتات.

موجات الحر تهدد مرضى القلب

اضطرابات ضربات القلب: مراقبة السوائل والأملاح

قد تتسم اضطرابات النظم القلبي بتسارع ضربات القلب أو بطئها أو عدم انتظامها. ويوصي التقرير بمتابعة توازن السوائل والإلكتروليتات لدى هؤلاء المرضى، لأن اختلال هذا التوازن قد يزيد صعوبة الحفاظ على انتظام ضربات القلب لدى بعض الحالات.

كما ينبغي الانتباه إلى ظهور الخفقان أو الدوار أو أي تغيرات غير معتادة في الحالة الصحية خلال الطقس الحار.

ارتفاع ضغط الدم: الانتباه إلى تغير القراءات والدوار

بالنسبة إلى المصابين بارتفاع ضغط الدم، تكتسب مراقبة ضغط الدم في المنزل أهمية خاصة خلال فترات الحر، وفقًا للتقرير.
ويشمل الاهتمام الوقائي الانتباه إلى انخفاض ضغط الدم المرتبط بالحرارة وما قد يصاحبه من دوار أو سقوط، خاصة لدى الأشخاص الذين يستخدمون أدوية تؤثر في ضغط الدم أو توازن السوائل.

ويؤكد الخبراء أن التعامل مع هذه المخاطر ينبغي أن يكون فرديًا، لأن تأثير الحرارة قد يختلف باختلاف المرض والأدوية والظروف الصحية الأخرى.

الأدوية والترطيب والتبريد.. خطة الوقاية قبل موجة الحر

يمتد الاستعداد الذي يوصي به التقرير إلى مراجعة الأدوية واحتياجات السوائل ووسائل التبريد قبل بدء موجات الحر، مع وضع خطة واضحة لمراقبة الحالة الصحية خلال الأيام شديدة الحرارة.

ولا يعني ذلك أن على المرضى إيقاف أدويتهم أو تغيير جرعاتها تلقائيًا عند ارتفاع درجات الحرارة. بل ينبغي أن يناقشوا مع الطبيب ما إذا كانت حالتهم أو أدويتهم تستلزم أي تعديلات محددة، وأن يلتزموا بالتعليمات الطبية بشأن تناول السوائل ومراقبة ضغط الدم والنبض.

ويحذر التقرير من تغيير أدوية القلب أو إيقافها من دون استشارة طبية، لأن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم المرض الذي وُصفت الأدوية للسيطرة عليه.

وتشمل إجراءات الوقاية أيضًا تقليل التعرض للحرارة قدر الإمكان، والاستفادة من الأماكن المبردة، وتجنب الإجهاد البدني خلال أشد ساعات اليوم حرارة، ومتابعة أي تغيرات غير معتادة في الأعراض.

كما ينبغي تكييف برامج إعادة التأهيل القلبي والأنشطة البدنية مع الظروف الجوية، بحيث لا يتحول النشاط المفيد لصحة القلب إلى مصدر إجهاد إضافي أثناء موجات الحر.

موجات الحر

الدوار والارتباك وضيق التنفس.. علامات تستدعي الانتباه

يدعو التقرير المرضى وأفراد أسرهم إلى التعرف على الأعراض التي قد تشير إلى تدهور الحالة الصحية خلال الطقس شديد الحرارة، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد إرهاق عابر.

وتشمل العلامات التي تستدعي التقييم الطبي الدوار، والارتباك، وتفاقم ضيق التنفس، والشعور بالخفقان أو اضطراب ضربات القلب.
وقد يشير ظهور هذه الأعراض إلى مشكلة تحتاج إلى تدخل طبي، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من أمراض القلب والأوعية الدموية، وإذا كانت الأعراض شديدة أو مفاجئة، فينبغي طلب المساعدة الطبية العاجلة.

ويؤكد الخبراء أن توعية المرضى وأسرهم بهذه العلامات جزء أساسي من الاستعداد المبكر، إلى جانب الاتفاق مسبقًا على كيفية التواصل مع الطبيب أو الوصول إلى الرعاية الصحية عند الحاجة.

المستشفيات وخدمات الرعاية المنزلية أمام اختبار الحرارة

لا تقتصر آثار موجات الحر على المرضى وحدهم، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية التي تواجه ارتفاعًا في الطلب على أقسام الطوارئ والمستشفيات وعيادات الرعاية الأولية والخدمات المنزلية والاجتماعية.

ويحذر التقرير من أن موجات الحر قد تضغط على قدرة هذه الجهات على تقديم الخدمات، ما يجعل إعداد خطط عمل مسبقة ضرورة للاستجابة للزيادة المحتملة في أعداد المرضى.

وتشمل التوصيات وضع خطط للتعامل مع الطوارئ المرتبطة بالحرارة، وضمان قدرة البنية التحتية الصحية على العمل أثناء الموجات الحارة، وتوفير سعة إضافية لاستيعاب الحالات التي تتجاوز الأعداد المعتادة.

كما يدعو التقرير إلى تعزيز دور فرق الرعاية المنزلية في الوصول إلى المرضى الأكثر عرضة للخطر، ومتابعة احتياجاتهم من التبريد والسوائل، والتأكد من تخزين الأدوية في ظروف مناسبة وفقًا للتعليمات الخاصة بكل دواء.

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة لدى المرضى الذين يعيشون بمفردهم أو يواجهون صعوبة في تبريد منازلهم أو الوصول إلى الخدمات الصحية. وفي هذه الحالات، تصبح الزيارات الاستباقية والتواصل المنتظم وسيلتين لتقليل احتمالات تأخر اكتشاف المضاعفات.

ويتطلب ذلك تنسيقًا بين المستشفيات وخدمات الطوارئ وأجهزة الصحة العامة والسلطات المحلية، بحيث لا تقتصر الاستجابة على علاج الحالات بعد تدهورها، بل تشمل الوصول المبكر إلى الفئات الأكثر احتياجًا للحماية.

موجات الحر

ماذا يحدث بعد انتهاء موجة الحر؟

لا تنتهي الحاجة إلى الرعاية الوقائية بمجرد انخفاض درجات الحرارة؛ إذ يوصي التقرير باستمرار متابعة المرضى بعد انحسار موجات الحر، ضمن مسار رعاية يمتد إلى ما قبل الحدث وأثناءه وبعده.

وتشمل هذه المتابعة تقييم أي تدهور طرأ على الحالة القلبية، ومراجعة الأعراض والتغيرات الصحية التي ظهرت خلال الفترة الحارة، وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى متابعة إضافية وفقًا للتقييم الطبي.

كما يشير التقرير إلى أن برامج إعادة التأهيل القلبي والنشاط البدني يجب أن تراعي ظروف الحرارة، وأن تظل المتابعة جزءًا من الخطة العلاجية الشاملة.

ويعكس هذا النهج تحولًا من الاستجابة الطارئة إلى إدارة المخاطر مسبقًا، بحيث تصبح موجات الحر عاملًا يؤخذ في الحسبان عند التخطيط للرعاية، مثلما تؤخذ في الاعتبار بقية العوامل التي قد تؤثر في استقرار حالة المريض.

فجوات علمية تحتاج إلى مزيد من البحث

رغم تراكم الأدلة على مخاطر الحرارة الشديدة، لا تزال هناك أسئلة علمية بشأن أسباب اختلاف استجابة المرضى لها، ولماذا يتعرض بعض المصابين بأمراض القلب لمضاعفات أكبر من غيرهم.

وتبرز فجوة أخرى تتعلق بتأثير الحرارة في الأدوية القلبية الشائعة. فجزء كبير من الأبحاث المتاحة حول العلاقة بين الحرارة والأدوية أُجري على متطوعين أصحاء، غالبًا من الشباب، بينما يستخدم هذه الأدوية في الواقع مرضى أكبر سنًا وأكثر هشاشة، وقد يعانون أمراضًا متعددة في الوقت نفسه.

ولهذا، يدعو الباحثون إلى دراسات تشمل المرضى الذين يتناولون هذه الأدوية بصورة يومية، من أجل فهم تأثير الحرارة في استجاباتهم الفسيولوجية، وتحسين الإرشادات الطبية المتعلقة بالوقاية والعلاج خلال موجات الحر.

موجات الحر

الاستعداد المبكر جزء من علاج القلب

تتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في أن كثيرًا من المخاطر المرتبطة بالحرارة الشديدة يمكن الحد منها من خلال التخطيط المسبق، وتحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر، ووضع إرشادات فردية للترطيب والتبريد ومراقبة الأعراض، إلى جانب تجهيز المؤسسات الصحية للتعامل مع زيادة الطلب على خدماتها.

ومع استمرار الاحترار العالمي واشتداد موجات الحر، لم يعد الاستعداد للحرارة مسألة موسمية منفصلة عن الرعاية الطبية، بل أصبح عنصرًا ينبغي دمجه في إدارة أمراض القلب، بما يساعد على حماية المرضى وتقليل المضاعفات التي يمكن الوقاية منها.

↑
Exit mobile version