من الهواء إلى الطعام.. كيف ترسم البيئة خريطة صحتك دون أن تشعر؟

صحتك اليومية تتأثر بـ”شبكة معقدة” من التعرضات البيئية.. أساور ذكية تكشف السر

إن الخروج في نزهة قصيرة قد يضع الإنسان أمام مجموعة واسعة من العوامل التي تؤثر في صحته؛ من أشعة الشمس التي تلامس الوجه، إلى عوادم السيارات، وحتى الضوضاء المحيطة، وكل شكل من أشكال التعرض يحمل احتمالًا للتأثير في الصحة الجسدية.

ويشير الباحثون إلى أن تتبع هذه “الشبكة الواسعة من التعرضات” وفهم العوامل التي تتحكم فيها، مثل الغذاء، وطريقة تناوله، ومكان السكن، ووسائل التنقل، يمكن أن يوفر فهمًا أعمق للصحة الشخصية، ويساعد في اتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن المخاطر اليومية، ويُطلق على هذا المجال العلمي اسم “علم التعرض” أو Exposomics .

تقول عالمة السموم أليسون كلارك من جامعة ولاية أوريغون: إن “الإكسپوسوم هو مجموع كل ما يتعرض له الإنسان طوال حياته، بدءًا من المرحلة الجنينية وحتى نهاية العمر، بما في ذلك طرق التعرض مثل الاستنشاق أو تناول الطعام”.

ويشبه هذا المجال علم الجينوم من حيث الهدف، إذ يسعى لفهم التفاعل بين الجينات والبيئة. وفي هذا السياق، يتعاون باحثون من مختبر “باسيفيك نورث ويست” الوطني مع جامعة ولاية أوريغون لتطوير هذا العلم الناشئ.

 

الأساور الذكية بدل المحطات الثابتة

تقليديًا، كانت دراسات التلوث تعتمد على محطات قياس ثابتة خارجية، لكنها لا تعكس التعرضات الشخصية بدقة، ولا توضح توقيت التعرض أو مدته أو ما إذا كان داخل المنزل.

أما النهج الجديد فيعتمد على أساور سيليكون يرتديها المشاركون، تمتص المواد الكيميائية مثل الفثالات ومثبطات اللهب، ليتم تحليلها لاحقًا في المختبر.

وتوضح الباحثة كيم أندرسون أن الفجوة بين القياسات الثابتة والتعرض الحقيقي للأفراد كبيرة، لأن الناس يقضون وقتًا أطول داخل المنازل ويتنقلون باستمرار.

ما الذي يحدد مستوى التعرض؟

ركزت أحدث الدراسات على مركبات “الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات” (PAHs)، وهي مواد تنتج عن احتراق المواد العضوية مثل عوادم السيارات أو حرائق الغابات، وقد ترتبط ببعض المخاطر الصحية مثل السرطان وأمراض القلب.

وشملت التحليلات أكثر من 23 ألف نقطة بيانات، مع دراسة عوامل متعددة مثل العمر، ونوع الأرضيات في المنازل، والفصول المناخية، وطبيعة العمل.

وأظهرت النتائج، أن مستويات التعرض تختلف بشكل كبير بين الأفراد، بل وتختلف لدى الشخص نفسه عبر الزمن، حيث كانت الشتاء والصيف الأكثر تسجيلًا للملوثات، بينما جاء الربيع في أدنى المستويات.

عوامل منزلية وموسمية مؤثرة

أشارت الدراسة إلى أن استخدام المواقد الخشبية في الشتاء، والدخان الناتج عن حرائق الغابات في الصيف، يرفعان مستويات التعرض. كما ارتبط استخدام المعدات الثقيلة والتدخين داخل المنازل بزيادة الملوثات.

ومن اللافت أن نوع الأرضيات، سواء كانت سجادًا أو خشبًا، كان له تأثير ملحوظ، ربما بسبب احتجاز الملوثات وإعادة إطلاقها لاحقًا.

كما لعب العمر دورًا مهمًا، حيث تختلف أنماط الحياة بين الفئات العمرية، ما يؤثر في مستويات التعرض اليومية.

علم جديد لفهم صحة الإنسان

يرى الباحثون أن علم التعرض لا يزال في مراحله الأولى، لكنه يكشف عن حقيقة مهمة: التعرض البيئي ليس ثابتًا، بل متغير ومعقد.

وتؤكد الباحثة كاترينا واترز أن فهم هذه التغيرات يتطلب قياسات متكررة ونماذج تحليل متقدمة، تساعد في تحديد العوامل الأكثر تأثيرًا على الصحة.

Exit mobile version