اعتداءات متصاعدة خلال موسم الحصاد في الضفة الغربية.. وحاخام إسرائيلي يزعم أن قطف زيتون الفلسطينيين يثبت ملكية اليهود للأرض، وسط انتقادات داخل إسرائيل وتحذيرات من تصاعد العنف والتحريض.
تتصاعد الاعتداءات على المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، بين إطلاق النار على القاطفين، ومهاجمة المركبات والمنازل، وإحراق الممتلكات وسرقة المحاصيل، بالتزامن مع إصدار حاخام إسرائيلي بارز فتوى تجيز للمستوطنين الاستيلاء على الزيتون الفلسطيني، مستندًا إلى مزاعم دينية بشأن ملكية الأرض.
وتكشف الوقائع التي أوردتها وسائل إعلام فلسطينية عن اتساع نطاق الاعتداءات التي تستهدف المزارعين وأراضيهم، في وقت أثارت فيه فتوى الحاخام دوف ليؤر جدلًا داخل إسرائيل، بعدما اعتبر حاخامات وشخصيات سياسية أن الاستيلاء على محاصيل الفلسطينيين يمثل سرقة وانتهاكًا أخلاقيًا.
إطلاق نار وملاحقة للمزارعين في رام الله وسلفيت
في قرية دير جرير شرقي رام الله، هاجم مستوطنون مزارعين فلسطينيين في منطقة «الحرايق»، وأطلقوا الرصاص الحي لتخويفهم ومنعهم من استكمال قطف الزيتون، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».
وأفادت الوكالة بأن المزارعين أُجبروا على مغادرة أراضيهم، بينما وثّق مقطع مصور رشق مستوطنين مركبة أحد المزارعين بالحجارة.
كما حدث هجوم مستوطنين على قاطفي الزيتون في منطقة وادي الشاعر جنوب شرقي سلفيت، فيما تحدثت وسائل إعلام فلسطينية عن اقتحام قوات الاحتلال قرية المزرعة شرق رام الله.
وامتدت الاعتداءات إلى منطقة ماعين في مسافر يطا جنوب الخليل، حيث هاجم مستوطنون المنطقة ومنازل الفلسطينيين، واستولوا على قطيع من الأغنام، وفق التقارير الواردة.
وفي سياق الاعتداءات على الأراضي الزراعية، أظهرت صور متطوعين فلسطينيين وهم يحاولون إخماد النيران في أشجار زيتون أُضرمت فيها النار قرب قرية ترمسعيا شمال رام الله.
ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على تعريض المزارعين للخطر؛ إذ تهدد مصدر دخل يعتمد عليه كثير من الأسر الفلسطينية، وتلحق أضرارًا بأشجار تحتاج سنوات طويلة لتنمو وتنتج، فضلًا عن حرمان أصحاب الأراضي من الوصول إلى محاصيلهم.
فتوى دوف ليؤر.. تبرير ديني للاستيلاء على المحصول
في تطور أثار جدلًا واسعًا، أصدر الحاخام الإسرائيلي دوف ليؤر فتوى تجيز للمستوطنين قطف الزيتون من بساتين فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
وزعم ليؤر أن الفلسطينيين لا يملكون الأراضي التي يزرعونها، بحجة أنهم لم يشتروا الأرض من اليهود، واعتبر أن استمرار الفلسطينيين في زراعة أشجار الزيتون وجني ثمارها لا يمنحهم، وفق ادعائه، حق الملكية.
وتستند الفتوى، بحسب النصوص المنقولة عنها، إلى فكرة أن تعذر وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أشجارهم لأسباب أمنية قد يعني تخليهم عن الثمار، بما يسمح للمستوطنين بقطفها.
كما ذهب الحاخام إلى اعتبار الاستيلاء على الزيتون وسيلة لإثبات ملكية اليهود للأرض، مستندًا إلى ادعاءات تاريخية ودينية بشأن ملكية الأراضي في فلسطين.
وتكتسب هذه الفتوى خطورتها في ظل استمرار الاعتداءات الميدانية على المزارعين، إذ يمكن أن تُستخدم لتبرير الاستيلاء على المحاصيل، رغم أن الفتوى الدينية لا تحسم قانونيًا ملكية الأراضي ولا تمنح أصحابها المزعومين حق الاستيلاء على ممتلكات الآخرين.
رفض داخل إسرائيل: «الزيتون ملك أصحابه»
لم تحظَ هذه المواقف بإجماع داخل الأوساط الدينية الإسرائيلية؛ إذ نقلت تقارير عن حاخامات من مستوطنات غوش عتصيون جنوب غربي القدس موقفًا يعتبر قطف محاصيل الفلسطينيين سرقة محرمة وانتهاكًا أخلاقيًا، فضلًا عن أضراره السياسية والتربوية.
كما أوردت التقارير موقفًا لمنظمة «تساهر الحاخامية» يؤكد أن مصادرة الممتلكات من اختصاص الدولة، وأن الزيتون يظل ملكًا لصاحبه ما دامت ملكيته معترفًا بها.
وفي الجانب السياسي، انتقد عضو الكنيست جلعاد كاريف، من حزب الديمقراطيين، فتوى ليؤر، معتبرًا أنها تفتح الباب أمام مزيد من الانحدار الأخلاقي والعنف والعنصرية.
وتعهد كاريف، وفق ما نقلته التقارير، بالدعوة إلى التحقيق في التحريض على ارتكاب جرائم وعلى العنصرية، في موقف يعكس اتساع الجدل الإسرائيلي بشأن دور الخطاب الديني المتشدد في التعامل مع الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ويبرز هذا الخلاف أن القضية لا تقتصر على نزاع حول محصول زراعي، بل تمتد إلى استخدام ادعاءات دينية وتاريخية لتبرير الاستيلاء على الممتلكات، في مقابل مواقف تعتبر أخذ المحاصيل من أصحابها اعتداءً لا يمكن تبريره.
1401 انتهاكًا في أسبوع واحد
وفي سياق أوسع، وثّق مركز معلومات فلسطين «معطى» 1401 انتهاكًا ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون في الضفة الغربية المحتلة خلال الفترة من 9 إلى 15 أكتوبر، وفق التقرير الذي أوردته المادة الصحفية.
وبحسب التقرير، أسفرت الاعتداءات خلال هذه الفترة عن استشهاد فلسطيني وإصابة 86 آخرين، مع تسجيل 153 حالة اعتقال واحتجاز، و181 اعتداءً نفذه مستوطنون، و206 اقتحامات لمناطق وبلدات فلسطينية.
كما رصد المركز 356 حالة إغلاق، و189 حالة تضييق على الحواجز العسكرية، و75 مداهمة لمنازل، و69 حالة مصادرة ممتلكات، و52 عملية هدم وتدمير لممتلكات فلسطينية.
وتضمن التقرير كذلك 16 حادثة إطلاق نار، و7 حالات اعتداء وضرب، و4 اعتداءات استهدفت طواقم طبية وصحفية، وحالتين من الاعتداء على مؤسسات تعليمية، وحالتين لإحراق ممتلكات ومقدسات.
وتشير هذه الأرقام إلى تعدد أشكال الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، من الاعتداءات المباشرة إلى القيود على الحركة ومصادرة الممتلكات وهدم المنشآت، وهي ممارسات تؤثر في الحياة اليومية ومصادر الرزق وإمكانية الوصول إلى الأراضي الزراعية.
موسم الزيتون.. معركة على الأرض والرزق
يمثل موسم قطف الزيتون محطة اقتصادية واجتماعية مهمة للعائلات الفلسطينية، لكنه يتحول في مناطق من الضفة الغربية إلى فترة تتكرر خلالها الاعتداءات على المزارعين، ومنعهم من الوصول إلى حقولهم، وتخريب الأشجار وسرقة المحاصيل.
وتزيد خطورة هذه الاعتداءات عندما تتزامن مع تهديدات ميدانية وخطاب يبرر الاستيلاء على المحصول؛ فالمزارع الذي يُمنع من الوصول إلى أرضه قد يخسر محصول الموسم، بينما يمكن أن تتراكم الأضرار إذا تعرضت الأشجار نفسها للحرق أو الاقتلاع.
وتتهم مؤسسات حقوقية السلطات الإسرائيلية بالتقاعس عن منع اعتداءات المستوطنين ومحاسبة مرتكبيها، فيما تتواصل المطالبات بتوفير الحماية للمزارعين وضمان وصولهم إلى أراضيهم.
وبموجب القانون الدولي، تُعد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية، وفق الموقف الذي أكدته الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية. ولا تمنح الادعاءات الدينية أو التاريخية أفرادًا حق الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين.
اعتداءات متصاعدة خلال موسم الحصاد في الضفة الغربية
وبينما يواصل المزارعون الفلسطينيون التمسك بأراضيهم وموسم زيتونهم، تكشف الاعتداءات والفتاوى المثيرة للجدل عن معركة تتجاوز الثمار نفسها، لتطال حق أصحاب الأرض في الوصول إلى ممتلكاتهم وحمايتها والعيش من خيراتها.
