تواجه الحكومات والشركات على حد سواء تحديًا مستمرًا يتمثل في كيفية تخصيص موارد مالية محدودة للاستثمار في تقنيات الطاقة النظيفة القادرة على إحداث تأثير حقيقي في المناخ والاقتصاد والمجتمع.
وتظل هذه القرارات بطبيعتها محفوفة بعدم اليقين، إلا أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن الاعتماد على أدوات تنبؤية قائمة على البيانات يمكن أن يساعد في توقع أي التقنيات ستكون الأكثر نجاحًا وتأثيرًا على المدى الطويل.
وتتناول مقالة تحليلية نُشرت في دورية «نيتشر إنرجي» في 24 نوفمبر، دور هذه الأدوات التنبؤية، إلى جانب المجالات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتطوير.
قادت الدراسة الأستاذة جيسيكا ترانسيك، أستاذة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وشارك فيها 13 باحثًا من مؤسسات أكاديمية حول العالم، يجمعهم اهتمام مشترك بفهم أفضل السبل لاستخدام البيانات والنماذج في دعم القرارات التي تؤثر على مسار تطور التكنولوجيا.
وتوضح ترانسيك أن فريق البحث يركز على تحليل مجموعة واسعة من التقنيات المتطورة بدلًا من التركيز على تقنية واحدة بعينها، بهدف تحديد أيها يمتلك القدرة الأكبر على تحقيق نتائج ملموسة. وتستهدف الدراسة صناع القرار في الحكومات والشركات، إلى جانب الباحثين.
وتشير الدراسة إلى أن الشركات باتت تمتلك اليوم نفوذًا لا يقل عن نفوذ الحكومات في اتخاذ قرارات الاستثمار في محافظ التكنولوجيا، رغم أن السياسات الحكومية لا تزال قادرة على توجيه السوق من خلال إرسال إشارات واضحة للمستثمرين.
واعتمد الباحثون على تحليل ثلاث مراحل رئيسية: الأولى تتعلق بتوقع التغيرات التكنولوجية المرجح أن تلعب دورًا مهمًا في السنوات المقبلة، والثانية بدراسة تأثير هذه التغيرات المحتملة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، أما الثالثة فتركز على كيفية دمج هذه الرؤى في عمليات صنع القرار الفعلية.
وتنقسم أدوات التنبؤ عادة إلى نماذج قائمة على البيانات، أو أخرى تعتمد على خبراء، أو مزيج من الاثنين. وتوفر هذه الأدوات تقديرات لمسارات تطور التقنيات، إلى جانب قياس مستويات عدم اليقين المرتبطة بها.
ثم تُستخدم مجموعة متنوعة من النماذج التي تغطي أنظمة الطاقة والنقل والكهرباء، إضافة إلى نماذج تقييم شاملة تدرس تأثير التكنولوجيا على البيئة والاقتصاد.
وتؤكد ترانسيك أن التعامل مع عدم اليقين يُعد عنصرًا محوريًا في جميع مراحل التنبؤ، مشيرة إلى أن النجاح لا يكمن في تقديم «إجابة صحيحة واحدة»، بل في إشراك أصحاب القرار في تصميم الدراسات والتفاعل مع نتائج النمذجة.
كما شددت على أن دور الباحثين يقتصر على توفير المعلومات لدعم عمليات صنع القرار، دون الانحياز إلى مخرجات بعينها، خاصة عند المفاضلة بين اعتبارات اقتصادية وبيئية وعدالة اجتماعية.
وترى أن إتاحة هذه المعلومات للجمهور لا تقل أهمية عن إتاحتها لصناع القرار، لما لذلك من دور في تعزيز وعي المجتمع بقدرته على التأثير في مسار تطور التكنولوجيا.
وسلطت الدراسة الضوء على أولويات بحثية مستقبلية، من بينها تبسيط النماذج والتحقق من دقتها، وتحسين جمع البيانات، لا سيما في المجالات التي تعاني نقصًا في البيانات المتعلقة بأداء التقنيات وتطورها الفعلي.
ورغم وفرة البيانات في العصر الحالي، فإن الوصول إلى بيانات تمثيلية دقيقة لا يزال تحديًا.
وتختتم ترانسيك بالإشارة إلى أن التحديات المناخية العالمية وضيق الوقت والموارد المالية يجعل من الضروري استخدام المعرفة المتاحة والبيانات والخبرات بشكل أكثر فاعلية، بما يمكّن المجتمعات من توجيه استثماراتها التكنولوجية بوعي أكبر وتحقيق فوائد عامة أوسع.





