الحديد المذاب يكشف سر تدهور محللات الهيدروجين الأخضر عند انقطاع الكهرباء

شوائب دقيقة تهدد استقرار الهيدروجين الأخضر عند تشغيله بالطاقة المتجددة

حدد باحثون بقيادة عالم الكيمياء بول كيمبلر من جامعة أوريجون عاملًا رئيسيًا وراء تدهور محللات المياه القلوية المستخدمة في إنتاج الهيدروجين الأخضر عند انقطاع التيار الكهربائي ثم عودته، في اكتشاف قد يفتح الطريق أمام معالجة واحدة من أبرز التحديات الهندسية التي تواجه إنتاج الهيدروجين المعتمد على الطاقة المتجددة.

وكشفت الدراسة أن آثارًا ضئيلة من الحديد المذاب داخل النظام تتحكم بدرجة كبيرة في تدهور أداء المحللات الكهربائية خلال عمليات التحول المفاجئ بين التشغيل والتوقف.

وقد يوفر هذا الاكتشاف مسارًا جديدًا لزيادة قدرة هذه الأجهزة على تحمل الطبيعة المتقطعة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وبالتالي دعم التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر منخفض التكلفة.

ومن المقرر نشر الدراسة في مجلة Chem Catalysis في 9 سبتمبر.

كيف تنتج المحللات الكهربائية الهيدروجين؟

تعتمد محللات المياه القلوية على استخدام الكهرباء لفصل جزيئات الماء إلى الهيدروجين والأكسجين.

وتُعد هذه التقنية حاليًا من أقل تقنيات إنتاج الهيدروجين من الكهرباء تكلفة، ما يجعلها خيارًا مهمًا لتوسيع إنتاج الهيدروجين الأخضر.

لكنها تواجه مشكلة أساسية عندما يكون مصدر الكهرباء متقطعًا.

فعند تشغيل المحلل الكهربائي بالطاقة القادمة من الشمس أو الرياح، يمكن أن تتغير إمدادات الكهرباء بشكل متكرر نتيجة تغير شدة الإشعاع الشمسي أو سرعة الرياح، ما يعني أن الجهاز قد يتعرض لعمليات تشغيل وإيقاف متكررة أو تغيرات سريعة في مستوى الطاقة.

وتؤدي هذه التحولات إلى تدهور أداء المحللات الكهربائية، وهي مشكلة ظلت آليتها الدقيقة غير واضحة بشكل كامل.

الحديد المذاب وراء تدهور الأداء

توصل فريق جامعة أوريجون إلى أن الحديد المذاب الموجود بكميات ضئيلة داخل النظام يمثل عاملًا حاسمًا في هذه المشكلة.

وأظهرت النتائج أن وجود هذه الشوائب يرتبط بتدهور أداء المحلل الكهربائي خلال فترات تغير الطاقة، ما يوفر تفسيرًا لسبب حساسية المحللات القلوية لعمليات التشغيل والإيقاف المتكررة.

ويعني تحديد هذا العامل أن الباحثين أصبح لديهم هدف واضح يمكن التعامل معه بدل محاولة تفسير التدهور الناتج عن انقطاع الكهرباء واستعادتها باعتباره مشكلة عامة في تصميم المحلل الكهربائي.

مشكلة الطاقة المتقطعة

تمثل الطبيعة المتقطعة لمصادر الطاقة المتجددة تحديًا مهمًا أمام إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع.

فعلى عكس محطات توليد الكهرباء التقليدية التي يمكنها توفير إمدادات أكثر استقرارًا، تتغير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مدار اليوم وبحسب الظروف الجوية.

وبالتالي، فإن القدرة على تشغيل المحللات الكهربائية بكفاءة في ظل تغيرات الإمداد الكهربائي تعد عنصرًا أساسيًا لربط إنتاج الهيدروجين مباشرة بمصادر الطاقة المتجددة.

ويرى الباحثون أن ضعف قدرة المحللات الحالية على تحمل هذه التغيرات يمثل عنق زجاجة هندسيًا أمام التوسع في إنتاج هيدروجين أخضر منخفض التكلفة.

الحل قد يكون في “هندسة الشوائب”

المثير في الدراسة أن الحل المقترح لا يتمثل بالضرورة في التخلص من جميع الشوائب الموجودة داخل النظام.

فبعد تحديد الحديد المذاب باعتباره عاملًا رئيسيًا في تدهور الأداء، يرى الباحثون إمكانية اتباع نهج مختلف يقوم على تنقية النظام أولًا، ثم إعادة إدخال كمية محددة ومضبوطة من الحديد أو ربما عنصر آخر مناسب.

وبدل اعتبار الشوائب مجرد ملوثات يجب التخلص منها بالكامل، يمكن التحكم فيها واستخدامها بطريقة مدروسة لتحسين أداء المحلل الكهربائي.

ويُعرف هذا التوجه بفكرة هندسة الشوائب، وقد يمثل تحولًا في طريقة التعامل مع المواد الموجودة داخل أنظمة إنتاج الهيدروجين.

لماذا يمكن أن يكون الاكتشاف مهمًا؟

إذا أثبتت الدراسات اللاحقة نجاح هذا النهج، فقد يساعد التحكم الدقيق في مستويات الحديد أو عناصر أخرى على جعل المحللات الكهربائية أكثر قدرة على تحمل التقلبات المتكررة في إمدادات الكهرباء.

وهذا من شأنه أن يعزز إمكانية تشغيل المحللات بصورة مباشرة باستخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بدل الحاجة إلى الاعتماد على مصادر كهرباء أكثر استقرارًا أو حلول إضافية للتعامل مع تقلبات الطاقة.

كما يمكن أن يساعد تحسين قدرة المحللات على تحمل التشغيل المتقطع في خفض أحد العوائق التقنية أمام التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر بأسعار أكثر تنافسية.

خطوة نحو هيدروجين أخضر أكثر مرونة

يمثل الهيدروجين المنتج باستخدام الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة أحد الخيارات المطروحة لخفض الانبعاثات في قطاعات يصعب إزالة الكربون منها، لكن انخفاض التكلفة وزيادة موثوقية تقنيات إنتاجه يظلان من التحديات الأساسية.

وتقدم الدراسة الجديدة تفسيرًا محددًا لأحد جوانب المشكلة، من خلال ربط تدهور المحللات القلوية أثناء تغيرات الطاقة بآثار الحديد المذاب.

ولا يزال النهج المقترح بحاجة إلى مزيد من الاختبارات قبل التأكد من إمكانية تطبيقه على نطاق صناعي، لكن تحديد العامل المسؤول عن جزء من تدهور الأداء قد يساعد الباحثين والمهندسين على تطوير محللات كهربائية أكثر توافقًا مع الطبيعة المتغيرة للطاقة الشمسية والرياح.

وبذلك، قد تتحول الشائبة التي كانت تُنظر إليها باعتبارها مشكلة إلى جزء من الحل، إذا أمكن التحكم في تركيزها وتوظيف تأثيرها بطريقة دقيقة داخل أنظمة إنتاج الهيدروجين الأخضر.

Exit mobile version