مجمع شمسي خفيف يوفر حرارة للمصانع دون حرق الغاز بأقل تكلفة

تقنية شمسية جديدة توفر حرارة صناعية تصل إلى 150 درجة مئوية.. هل تستبدل الغاز الطبيعي في المصانع؟

طوّر مهندس سويسري نظامًا شمسيًا خفيف الوزن يمكنه تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى حرارة صناعية تصل إلى 150 درجة مئوية، في خطوة تستهدف تقليل اعتماد المصانع على الغاز الطبيعي في عدد من العمليات اليومية، مثل بسترة الأغذية وتجفيف المواد وتنظيف المعدات وبعض العمليات الكيميائية.

وكشفت جامعة ETH Zurich السويسرية في 18 أغسطس 2026 عن نظام SolarHeat، الذي طوّره المهندس السويسري لوكا تومين، ويعتمد على تصميم يستخدم مواد عازلة منخفضة التكلفة، مع تقليل استخدام المعادن إلى الأجزاء التي تحتاج إليها فعليًا.

وتمكن النموذج الأولي المثبت على سطح أحد المباني من الوصول إلى درجة الحرارة المستهدفة، في اختبار أولي أثبت إمكانية تشغيل الفكرة عمليًا، بينما يستعد المشروع للانتقال إلى مرحلة التجارب التطبيقية على نطاق أكبر.

حرارة المصانع.. الحلقة المنسية في تحول الطاقة

غالبًا ما يتركز الحديث عن تحول قطاع الطاقة نحو المصادر النظيفة على الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات، لكن المصانع تحتاج إلى كميات كبيرة من الحرارة لتشغيل عملياتها اليومية، ولا تزال هذه الحرارة تعتمد في كثير من الحالات على حرق الوقود الأحفوري.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 75% من الطلب على الحرارة في الصناعات الأقل كثافة في استهلاك الطاقة يحدث عند درجات حرارة تقل عن 200 درجة مئوية، وهي درجة تقع ضمن نطاق يمكن لتقنيات الحرارة الشمسية التعامل معه.

وتشمل هذه الصناعات قطاعات مثل تصنيع الأغذية والمنسوجات وإنتاج بعض الآلات، حيث تحتاج العمليات إلى درجات حرارة متوسطة بدلًا من الحرارة شديدة الارتفاع المطلوبة في صناعات مثل الأسمنت والصلب.

وتتزايد أهمية هذه التكنولوجيا مع ارتفاع الطلب على الحرارة الصناعية عالميًا، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية زيادة الطلب على الحرارة الصناعية بنحو 14% بين عامي 2025 و2030، في حين لم تمثل المصادر المتجددة سوى نحو 12% من إمدادات الحرارة الصناعية في عام 2024.

رسم تخطيطي لمجمع الطاقة الشمسية الحرارية

كيف تعمل تقنية SolarHeat؟

تعتمد التقنية على توجيه أشعة الشمس بواسطة عناصر عاكسة نحو سطح مخصص لامتصاص الطاقة الشمسية وتحويلها إلى حرارة.

وبعد تسخين السطح الماص للطاقة، تنتقل الحرارة إلى الهواء أو الماء، ثم يمكن استخدام الوسط الساخن مباشرة في عمليات التصنيع.

ويختلف هذا النهج عن الألواح الشمسية التقليدية التي تحول ضوء الشمس أولًا إلى كهرباء، إذ تستهدف SolarHeat الحصول على الحرارة مباشرة من الطاقة الشمسية.

وقد يمثل ذلك ميزة في المصانع التي تحتاج إلى الحرارة نفسها بدلًا من الكهرباء، لأنه يتجنب خطوة تحويل إضافية قد لا تكون ضرورية في بعض التطبيقات.

لكن مدى جدوى النظام سيعتمد على عدة عوامل، من بينها كمية أشعة الشمس المتاحة، ومساحة الأسطح أو الأراضي اللازمة لتركيب المجمعات، وساعات تشغيل المصنع، وأسعار الوقود المحلية، ومدى الحاجة إلى أنظمة احتياطية.

تقليل المعادن لخفض التكلفة

المجمعات الحرارية الشمسية ليست تكنولوجيا جديدة، لكن فريق المشروع يرى أن ارتفاع تكلفة بعض التصميمات السابقة كان أحد العوائق أمام انتشارها في القطاع الصناعي.

وتقوم الفكرة الجديدة على تقليل كمية المعادن المستخدمة في هيكل المجمع، والاستعاضة عنها بدرجة أكبر بمواد عزل خفيفة ومتاحة على نطاق واسع.

ويهدف هذا التصميم إلى تحقيق الأداء الحراري المطلوب مع خفض تكلفة تصنيع المجمع وتركيبه.

وقال لوكا تومين إن هدفه هو تقديم الأداء نفسه بتكلفة أقل بصورة كبيرة مقارنة بالمجمعات السابقة.

وتكتسب التكلفة أهمية خاصة في القطاع الصناعي، إذ لا يكفي أن تحقق التكنولوجيا كفاءة مرتفعة في المختبر، وإنما يجب أن تكون قادرة على توفير الحرارة بتكلفة تنافسية طوال عمر النظام.

كما تحتاج المصانع إلى أنظمة يمكن الاعتماد عليها لفترات طويلة، مع انخفاض تكاليف الصيانة وعدم التسبب في توقف خطوط الإنتاج.

مُجمِّع شمسي قيد الإنشاء

استخدامات متعددة داخل المصانع

يمكن استخدام الحرارة التي توفرها التقنية في مجموعة من العمليات الصناعية التي لا تحتاج إلى درجات حرارة شديدة الارتفاع.

ومن بين الاستخدامات المحتملة بسترة وتعقيم منتجات الألبان، وطهي الأغذية، وتنظيف المعدات، وتجفيف المواد، وصباغة المنسوجات، إلى جانب بعض مراحل التقطير في الصناعات الكيميائية والدوائية.

وتكتسب هذه التطبيقات أهمية لأنها عمليات متكررة داخل المصانع، ما يعني أن استبدال جزء من الحرارة التي تنتج حاليًا عن حرق الغاز بمصدر شمسي يمكن أن يؤدي إلى خفض استهلاك الوقود والانبعاثات على مدار العام.

وفي الاتحاد الأوروبي، تمثل الحرارة نحو 60% من احتياجات الطاقة الصناعية، بينما لا يزال الوقود الأحفوري يؤدي دورًا كبيرًا في توفير حرارة العمليات الصناعية.

وتشير تقديرات قطاع الطاقة الشمسية الحرارية في أوروبا إلى أن نحو 80% من حرارة العمليات الصناعية لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري، ما يوضح حجم السوق المحتمل أمام تقنيات الحرارة الشمسية.

نموذج أولي يصل إلى 150 درجة مئوية

جرى تركيب أول نموذج من SolarHeat على سطح أحد المباني الجامعية، وربطه بأجهزة لقياس الإشعاع الشمسي والأداء الحراري للنظام.

وتمكن النموذج من الوصول إلى درجة الحرارة المستهدفة البالغة 302 درجة فهرنهايت، أي نحو 150 درجة مئوية.

ويمثل الوصول إلى هذه الدرجة خطوة مهمة لإثبات إمكانية عمل التصميم، لكنه لا يعني بعد أن التكنولوجيا أصبحت جاهزة للاستخدام التجاري واسع النطاق.

وتتمثل الخطوة التالية في اختبار النظام في منشأة تجريبية، بهدف التأكد من قدرته على توفير حرارة مستقرة وموثوقة في ظروف التشغيل الصناعية الحقيقية.

هل يمكن للطاقة الشمسية أن تقلل استخدام الغاز الطبيعي؟

تفتح التقنية الباب أمام استبدال جزء من الغاز الطبيعي المستخدم في العمليات الصناعية، لكنها لا تعني إمكانية الاستغناء الكامل عن الوقود الأحفوري في جميع المصانع.

فالصناعات الثقيلة، مثل صناعة الصلب والأسمنت، تحتاج في كثير من عملياتها إلى درجات حرارة تتجاوز 500 درجة مئوية، وهي أعلى بكثير من نطاق SolarHeat المستهدف.

وتتركز فرصة النظام بصورة أكبر في الصناعات التي تحتاج إلى حرارة متوسطة.

ومن المتوقع أن تكون الأنظمة الهجينة أحد الحلول العملية، بحيث توفر الطاقة الشمسية الحرارة خلال ساعات سطوع الشمس، بينما يمكن استخدام التخزين الحراري للاحتفاظ بجزء من الطاقة لاستخدامه لاحقًا، مع الاعتماد على مضخات الحرارة أو الغلايات التقليدية كمصدر احتياطي عند الحاجة.

ويمكن لهذا النموذج أن يساعد المصانع على خفض استهلاك الغاز دون ربط استمرارية الإنتاج بالكامل بظروف الطقس.

المُجمِّع الشمسي في إعداد الاختبار

الاختبار الحقيقي.. تكلفة الحرارة

يمثل النموذج الأولي الناجح بداية الطريق، وليس نهايته.

فالاختبار الأهم أمام SolarHeat سيكون قدرتها على العمل لسنوات في ظروف التشغيل الفعلية، وتحمل أشعة الشمس والعوامل الجوية، والحفاظ على كفاءة مستقرة، فضلًا عن إمكانية تصنيعها بكميات كبيرة وتكلفة منخفضة.

كما سيكون من الضروري تحديد تكلفة إنتاج وحدة الحرارة مقارنة بالغاز الطبيعي وغيره من البدائل المتاحة.

ومن المقرر أن يعمل فريق المشروع على اختبار النظام في منشأة تجريبية وتطوير منتج جاهز للسوق خلال نحو عام، أي بحلول أغسطس 2027 تقريبًا.

وقد تستخدم التكنولوجيا في تطبيقات تحتاج إلى درجات حرارة قريبة من نطاقها، ومنها بعض مراحل التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء، إلا أن ذلك لا يعني حتى الآن وجود اتفاق تجاري محدد لاستخدام SolarHeat في هذه التطبيقات.

وفي النهاية، لن تُقاس أهمية النظام بمجرد قدرته على الوصول إلى 150 درجة مئوية، وإنما بقدرته على توفير حرارة صناعية نظيفة وموثوقة ومنخفضة التكلفة مقارنة بالغاز الطبيعي.

فأشعة الشمس مجانية، لكن تصنيع المجمعات وتركيبها وصيانتها وتوفير أنظمة التخزين والاحتياط لها تكاليف يجب أن تتحملها المصانع.

ولهذا سيكون نجاح SolarHeat مرهونًا بقدرتها على تحويل الحرارة الشمسية من فكرة هندسية واعدة إلى مصدر اقتصادي يمكن الاعتماد عليه في العمليات الصناعية اليومية.

Exit mobile version