كشف فريق دولي من علماء الفلك عن أدلة جديدة تشير إلى أن الكوكب العملاق “CoRoT-2 b” يمتلك خاصية فريدة وغير متوقعة، إذ يستغرق إتمام دورة كاملة حول محوره وقتًا أطول من الزمن الذي يحتاجه لإكمال دورة كاملة حول نجمه، في اكتشاف قد يغير فهم العلماء لطبيعة الكواكب العملاقة الحارة خارج المجموعة الشمسية.
ويُصنف CoRoT-2 b ضمن فئة الكواكب المعروفة باسم “المشتريات الحارة”، وهي عمالقة غازية ضخمة تدور على مسافات قريبة جدًا من نجومها، ما يجعل درجات حرارتها مرتفعة للغاية ويؤدي إلى سنوات قصيرة قد لا تتجاوز بضعة أيام أرضية.
كوكب يخالف التوقعات
على مدى سنوات، اعتقد العلماء أن معظم الكواكب المشتراوية الحارة تكون في حالة تعرف باسم “القفل المدي”، وهي الحالة التي تجعل الكوكب يدور حول نفسه بنفس المعدل الذي يدور به حول نجمه، بحيث يظل أحد وجهيه مواجهًا للنجم باستمرار، تمامًا كما يواجه القمر الأرض بالجانب نفسه دائمًا.
لكن كوكب CoRoT-2 b أثار حيرة الباحثين منذ عام 2018 عندما أظهرت الدراسات أن أكثر مناطقه حرارة تقع في موقع مخالف لما هو متوقع مقارنة بالكواكب المشابهة.
ففي الظروف الطبيعية، تؤدي الرياح القوية في الغلاف الجوي لهذه الكواكب إلى دفع البقعة الأكثر حرارة قليلًا باتجاه حركة الكوكب المدارية، إلا أن هذا الكوكب أظهر نمطًا مختلفًا تمامًا.
حل لغز فلكي معقد
قاد الدراسة الباحثة أورورا كيسيلي من معهد علوم الكواكب الخارجية التابع لوكالة NASA، بالتعاون مع فريق من العلماء الذين استخدموا بيانات طيفية جديدة جُمعت بواسطة Very Large Telescope التابع لـEuropean Southern Observatory.
واعتمد الباحثون على قياس سرعة دوران الكوكب وتحليل حركته بدقة عالية لاختبار عدة فرضيات طُرحت سابقًا لتفسير السلوك الغريب للكوكب.
وكانت الفرضيات تشمل احتمال وجود سحب كثيفة تحجب أجزاء من الغلاف الجوي، أو تأثيرات مغناطيسية تغير حركة الحرارة، أو أن الكوكب يدور حول نفسه بوتيرة أبطأ من المتوقع، وأظهرت النتائج أن الاحتمال الثالث هو الأقرب للصحة.
يوم أطول من سنة
أوضحت الحسابات أن الكوكب يحتاج إلى نحو ثلاثة أيام أرضية لإتمام دورة كاملة حول محوره، بينما يكمل دورة كاملة حول نجمه خلال نحو يوم ونصف فقط.
وبمعنى آخر، يدور CoRoT-2 b حول نجمه مرتين تقريبًا قبل أن ينهي دورة واحدة حول نفسه.
ويمثل هذا السلوك حالة نادرة للغاية بين الكواكب العملاقة الحارة، إذ كانت النماذج الفلكية تفترض أن القوى الجاذبية الهائلة الناتجة عن قرب هذه الكواكب من نجومها كافية لإجبارها على الدخول في حالة القفل المدي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
أهمية الاكتشاف
يرى العلماء أن أهمية هذه النتائج تتجاوز هذا الكوكب وحده، لأنها قد تساعد في فهم طبيعة الكواكب الخارجية الأخرى، خاصة تلك التي تدور حول النجوم القزمة الحمراء منخفضة الكتلة، والتي تعد أكثر أنواع النجوم انتشارًا في الكون.
وتقع المناطق القابلة للحياة حول هذه النجوم غالبًا داخل نطاق القفل المدي، لذلك فإن فهم كيفية دوران الكواكب يؤثر مباشرة في تقدير درجات الحرارة والرياح والظروف المناخية على أسطحها.
وتؤكد الباحثة أورورا كيسيلي أن طريقة دوران الكوكب تتحكم بشكل أساسي في كيفية توزيع الحرارة عبر سطحه وغلافه الجوي، وهو عامل رئيسي عند تقييم إمكانية وجود بيئات قابلة للحياة في عوالم أخرى.
تحدٍ للنظريات الحالية
إذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج، فإنها ستشكل تحديًا مباشرًا لافتراض ظل سائدًا لسنوات طويلة مفاده أن جميع الكواكب المشتراوية الحارة تصبح مقفلة مديًا في نهاية المطاف.
ويعتقد العلماء أن هناك عوامل إضافية قد تكون مسؤولة عن تباطؤ دوران CoRoT-2 b، مثل التفاعلات المعقدة مع نجمه المضيف أو العمليات الفيزيائية داخل الكوكب نفسه، إلا أن السبب الحقيقي لا يزال مجهولًا حتى الآن.
عصر جديد لدراسة الكواكب الخارجية
يؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يعكس التنوع الهائل للكواكب خارج المجموعة الشمسية، حيث جرى حتى الآن تأكيد وجود أكثر من خمسة آلاف كوكب خارجي، وكل اكتشاف جديد يكشف أن الكون أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد.
ويأمل العلماء أن تساعد المراصد المستقبلية، مثل Habitable Worlds Observatory وExtremely Large Telescope، في دراسة الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية بدقة غير مسبوقة، وقياس درجات الحرارة والرياح ومعدلات الدوران بصورة أفضل.
كما ستتيح هذه الأدوات البحث في كواكب أصغر وأكثر شبهًا بالأرض، ما قد يساعد على الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة العلمية: هل توجد عوالم أخرى صالحة للحياة في الكون؟
وقد عُرضت نتائج الدراسة خلال الاجتماع رقم 248 لـAmerican Astronomical Society Meeting 248، أحد أكبر المؤتمرات الفلكية المتخصصة في العالم.
