البحث العالمي عن كنوز الأرض الخفية.. العناصر النادرة في قلب صراع الجبابرة
من باطن الأرض إلى قمم السياسة: خريطة السيطرة على الثروات المعدنية
العناصر النادرة ليست نادرة؟ رحلة عبر الزمن لفهم أغلى موارد العصر الحديث
العناصر الأرضية النادرة موجودة في كل مكان — في شاشة هاتفك الذكي، وجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفى، وفي بطارية السيارة الكهربائية، وحتى في تكرير النفط والغاز، إنها عنصر أساسي في الحياة العصرية.
مع تصاعد التوترات العالمية، يتزايد التنافس على الوصول إلى هذه المعادن.
وتُظهر عناوين الأخبار الأخيرة حجم المخاطر: أوقفت الصين صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، ووُقعت اتفاقية مؤخرًا لضمان وصول الولايات المتحدة إلى الموارد المعدنية في أوكرانيا.
وعلى الرغم من اسمها، فإن العناصر الأرضية النادرة ليست نادرة في الواقع؛ ما يجعلها نادرة هو وجودها بتركيزات عالية تسمح باستخراجها اقتصاديًا.
تنتشر هذه الرواسب بشكل غير متساوٍ حول العالم، وغالبًا ما تكون مدفونة في أعماق الأرض، مما يحدد من يتحكم في إنتاجها وسلسلة التوريد العالمية.
يسعى علماء جامعة تافتس إلى فهم أفضل لكيفية وسبب وجود المعادن الأرضية النادرة حيث هي.
ويكشف بحثهم كيف ساهمت حركة القارات على مدى مليارات السنين في تكوين هذه الرواسب القيّمة وإخفائها.
القارات العظمى شكلت رواسب نادرة
لشرح كيف بدأت هذه الدراما المعدنية، علينا العودة بالزمن إلى الوراء.
فسطح الأرض في حركة دائمة؛ وعلى مدى ملايين السنين، تتحرك كتل أرضية هائلة، تصطدم وتتفتت، محدثة تغييرًا في شكل الكوكب.

تقول جيل فانتونجيرين، أستاذة ورئيسة قسم علوم الأرض والمناخ: “معظمنا يعرف قارة بانجيا — القارة العظمى التي تشكلت منذ حوالي 300 مليون عام، والتي انفصلت عنها القارات السبع الحالية لتتخذ ترتيبها الحالي”.
لكن بانجيا ليست سوى أحدث القارات العظمى. على مر تاريخ الأرض، كانت هناك خمس دورات قارية كبرى على الأقل — فترات تلتقي فيها القارات ثم تتباعد مجددًا.
ويُعتقد أن هذه الدورة تحدث كل 500 مليون سنة تقريبًا.
أين تبدأ المعادن
مع تباعد القارات، تشكّلت شقوق — أماكن انفصلت فيها صفائح الأرض التكتونية عن بعضها.
أصبحت هذه المناطق المتصدعة موطنًا للصهارة الغنية بالعناصر الأرضية النادرة.
تقول فانتونجيرين: “عندما تتباعد الصخور، ينخفض ضغطها، مما يؤدي إلى ذوبانها، يشبه الأمر فتح زجاجة صودا؛ ترتفع الفقاعات إلى السطح”.
وتضيف، “تحتوي هذه الصهارة المبكرة على أعلى تركيز من العناصر الأرضية النادرة والعناصر غير المتوافقة، التي تدخل لاحقًا إلى القشرة الأرضية، إما عن طريق الانفجارات البركانية أو بالتصلب في العمق”.
بردت بعض هذه الصهارة الغنية بالمعادن وبقيت قرب السطح، بينما جُرفت أخرى إلى طبقة الوشاح، أو بقيت مدفونة على أعماق لا تسمح بتعدينها بالتقنيات الحالية.

سباق للسيطرة على الموارد
اليوم، عدد الرواسب المجدية اقتصاديًا محدود. وتسيطر الصين على السوق، حيث يأتي ما يقرب من 70% من الإنتاج العالمي من منجم بايان أوبو.
في المقابل، لدى الولايات المتحدة عملية أصغر في ماونتن باس بكاليفورنيا، كما تمتلك بعض الدول الأخرى رواسب متفرقة.
في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، أغرقت الصين السوق بالمعادن الأرضية النادرة، مما أدى إلى انخفاض الأسعار وإغلاق منتجين عالميين آخرين، وهي خطوة أعادت تشكيل الاعتماد العالمي.
استجابة لذلك، اتخذت الحكومة الأمريكية خطوات لإعادة تأهيل إمداداتها المحلية، من خلال استثمارات ضمن قانون البنية التحتية والوظائف لعام 2021 وبدعم من وزارة الدفاع، بهدف استئناف العمليات الكاملة في منجم ماونتن باس — وهي عملية قد تستغرق نحو عقدٍ من الزمن.
كما يُعقد الأمل على رواسب أوكرانيا المعدنية لتوفير بدائل جديدة، رغم أن إمكاناتها لا تزال غير واضحة.
تقول فانتونجيرين: “لطالما كانت الحدود السياسية والرغبة في الوصول إلى الموارد المعدنية مصدرًا للصراعات الاقتصادية والعسكرية عبر التاريخ.
ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع مع التحول العالمي نحو الطاقة الخضراء وزيادة الاعتماد على العناصر الأرضية النادرة”.
البحث عن الرواسب المعدنية
يتتبع عمل فانتونجيرين مسار هذه الرواسب من المصدر إلى السطح، وقد قادها هذا العمل من سفينة قرب القارة القطبية الجنوبية، إلى مناجم البلاتين في جنوب أفريقيا، وجبال المغرب، وصولًا إلى اكتشاف الليثيوم في ولاية مين.
تقول: “إنه مجال دراسة شيق، يعود ذلك جزئيًا إلى وقوعه عند تقاطع العلوم والاقتصاد والسياسة”. وفي حرم جامعة تافتس، يتخذ هذا التقاطع طابعًا بصريًا واضحًا.

قبو المعادن السري في تافتس
تقع مجموعة بارنوم المعدنية في قبو قاعة لين، وتُقدم لمحة عن كنوز الأرض.
تضم آلاف العينات المعدنية، بعضها جمعه بارنوم بنفسه — وهو من أوائل الداعمين لجامعة تافتس وجامع بارز للتاريخ الطبيعي في القرن التاسع عشر.
في ذلك الوقت، كان من الشائع أن يمتلك الأفراد البارزون مجموعاتهم الخاصة من الحيوانات والنباتات والمعادن. وكان بي تي بارنوم من أبرز جامعي التحف، وقد تبرع بهذه المجموعة إلى تافتس، لتصبح جزءًا من إرث الجامعة.
بعد أن دمر حريق متحف بارنوم عام 1975، نُقلت المجموعة إلى قاعة لين، وهي الآن على وشك الانتقال إلى قاعة بيكون، المقر الجديد لقسم علوم الأرض والمناخ.
تأمل فانتونجيرين أن يكون هذا الموقع الجديد أكثر من مجرد مخزن، بل مساحة تحفّز الفضول والاكتشاف — ليس فقط للعلماء، بل للجمهور عمومًا.
وتضيف: “رؤيتي غير المتوقعة هي إنشاء معرض للمعادن يضم عرضًا دائمًا بالإضافة إلى معارض مؤقتة كل فصل دراسي، تُسلط الضوء على المعادن المهمة للتكنولوجيا، أو المتصلة بأبحاث الجامعة أو الأحداث العالمية”، “أود أن أُعيد تجسيد رؤية بارنوم في جلب جمال الطبيعة وتقديره إلى الحرم الجامعي”





