لماذا أبني مكتبي من قشّ القمح؟ تجربة عملية في البناء منخفض الكربون

من الحظيرة المتهالكة إلى مكتب مستدام.. حكاية بناء بالقش

مسؤول تقييم الاستدامة في مركز جرانثام لمستقبل مستدام بجامعة شيفيلد، ستيوارت ووكر الباحث مشارك في تقييم الاستدامة، انتقل إلى منزل كان فيه حديقة بها مخزن قديم، كانت أخشابه متعفنة، وأرضيته قد اختفت منذ زمن داخل التربة، ولم يكن له باب، كما سقطت نافذته، واستوطنت فيه كائنات مختلفة، فقرر إعادة بنائه باستخدام مادة استُخدمت في أنحاء العالم لمئات السنين، لكنها أقل شيوعًا في المباني الحديثة: بالات القشّ.

وبعد عام، أصبح «مخزن العمل» على وشك الاكتمال، أرد هذا المسئول التأكد من أن يكون مكتبه في الحديقة منخفض الكربون المتجسد إلى أدنى حد ممكن (وهو مصطلح يُستخدم لوصف كمية الكربون الكامنة في المواد المستخدمة لصنع منتج ما)، إضافة إلى انخفاض استهلاك الطاقة بعد تشغيله.

وهذا يعني أن المكتب يجب أن يكون معزولًا جيدًا لتجنب استهلاك كميات كبيرة من الطاقة للتدفئة، وأن يُشيَّد باستخدام مواد منخفضة المحتوى الكربوني.

القشّ مادة عزل ممتازة

بناء بالقش

وبفضل بنيته، يُعدّ القشّ مادة عزل ممتازة، كما أنه رخيص الثمن، وسهل الاستخدام، ونظرًا إلى أن القشّ يمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أثناء نموه، فإن المباني المشيّدة به تعمل كمخازن للكربون.

وعند استخدامه في البناء، يظل الكربون مخزنًا طوال عمر المبنى، ويمكن حتى إعادته إلى التربة في نهاية دورة حياته.

كانت أول مشاركة فعلية للباحث ستيوارت ووكر له في البناء بالقشّ من خلال تصميم غرفة تبريد منخفضة الكربون في كينيا، بالتعاون مع خبراء كفاءة الطاقة من «Energy Saving Trust» و«Solar Cooling Engineering»، ومعماريين من سويسرا وكينيا.

وتُعد غرفة التبريد بديلًا سهل البناء ومنخفض التكلفة للثلاجات الكبيرة، إذ تتيح للمزارعين في البلدان النامية تخزين منتجاتهم في الأسواق، ما يحسّن دخولهم ويقلل فاقد الغذاء.

هياكل القشّ توفر عزلًا جيدًا دون الأثر البيئي

بناء بالقش

وتعمل غرفة التبريد هذه حاليًا في سوق هوما باي على ضفاف بحيرة فيكتوريا في كينيا، وهي مزودة بأساسات خالية من الأسمنت، وألواح شمسية وبطاريات، ونظام لتخزين المياه، ووحدات تبريد منخفضة الاستهلاك، وهيكل خشبي، وجدران من بالات القشّ.

وقد أظهر المشروع، أن هياكل القشّ توفر عزلًا جيدًا من دون الأثر البيئي المرتبط باستخدام البوليسترين الممدد.

لقد استُخدم الباحث ستيوارت ووكر، مواد طبيعية مثل الطين والتراب وروث الحيوانات، إضافة إلى المواد الليفية مثل القشّ، في بناء المنازل لقرون طويلة.

تاريخ البناء ببالات القشّ

استُخدم القشّ في صورة بالات في البناء منذ القرن التاسع عشر، وبعد اختراع آلة كبس القشّ الميكانيكية في الولايات المتحدة، استُخدمت بالات القشّ لبناء منازل في المناطق التي كان يصعب فيها العثور على الخشب أو الحجر.

ولا تزال بعض هذه المباني الأولى قائمة حتى اليوم، غير أن معظم منازل بالات القشّ في الولايات المتحدة شُيّدت منذ سبعينيات القرن الماضي.

وتوفر هذه المباني منازل دافئة ومريحة، وكانت مصدر إلهام لموجة جديدة من البنّائين في المملكة المتحدة خلال تسعينيات القرن العشرين.

يعمل القشّ بكفاءة في المباني المكوّنة من طابق أو طابقين، لكنه يتطلب تصميمًا دقيقًا لمنع تسرب المياه إليه، وإذا حُميت الجدران من رذاذ المطر في الأسفل، وزُوّد المبنى بسقف بارز في الأعلى، فإن المياه لا تمثل مشكلة حقيقية.

أما فيما يتعلق بالحريق، فهو يحتاج إلى الأكسجين ووقود للاشتعال، وبما أن بالات القشّ مضغوطة بإحكام، فهي مقاومة للحريق.

معايير عالية جدًا للعزل الحراري وكفاءة الطاقة

وقد استوفت مباني القشّ جميع متطلبات السلامة من الحرائق ولوائح التخطيط والبناء، بل حققت أيضًا معيار «Passive House» الذي يضع معايير عالية جدًا للعزل الحراري وكفاءة الطاقة.

يتميز مكتب ستيوارت ووكر، الجديد في الحديقة بجدران يبلغ سُمكها 40 سنتيمترًا ونوافذ مزدوجة الزجاج.

وقد كُسى واجهته الخارجية بخشب مُعاد استخدامه، جاء بعضه من المخزن الأصلي، كما أن السقف والنوافذ والأبواب وعزل الأرضية كلها مواد مستعملة سابقًا، وتتمثل الخطوة الأخيرة في تكسية الجدران من الداخل.

ولهذا الغرض، اعتمد المسئول ممارسة تقليدية أخرى في البناء، وهي استخدام «الكوب» (Cob)، وهو خليط من الطين والماء والرمل والقشّ المفروم.

وبعد استخراج الطين من الحديقةا وخلطه، قامت بتطبيقه يدويًا في عملية فوضوية للغاية لكنها مُرضية بشكل كبير.

المباني تخلق علاقة خاصة بين البنّاء والمكان

ويعلم أن انبعاثات غازات الدفيئة طوال دورة حياة هذا المكتب ستكون أقل بنحو 20 طنًا مقارنة بما لو استخدمت عزلًا من الرغوة الممددة وألواح الجبس.

ويتحدث سكان منازل القشّ عن أن الشكل غير المنتظم والمواد الطبيعية لهذه المباني يتركان أثرًا نفسيًا إيجابيًا عليهم، ويشيرون إلى أن مثل هذه المباني تخلق علاقة خاصة بين البنّاء والمكان بفضل استخدام المواد الطبيعية.

ويُعرف هذا المفهوم باسم «التصميم البيوفيلي» (التصميم المحب للطبيعة)، ورغم صعوبة قياسه كمّيًا، فإنني أتطلع إلى اختبار شعوري عند الجلوس داخل هذا المكتب.

Exit mobile version