قبل شراء التكنولوجيا.. دراسة تكشف ما يجب أن تسأل عنه المدن لحماية سكانها

المدن الذكية تحت الاختبار.. هل تخدم التكنولوجيا السكان أم مصالح الشركات؟

دراسة علمية تقترح آلية لتقييم التقنيات الجديدة وفق قيم المجتمع ومصالحه، مستشهدة بحظر التعرف على الوجوه في بورتلاند وحادث سيارة ذاتية القيادة في أريزونا.

مع تسارع توجه المدن نحو كاميرات المراقبة الذكية والتعرف على الوجوه والسيارات ذاتية القيادة، يبرز سؤال يتجاوز قدرة التكنولوجيا على أداء وظائفها: هل تحقق هذه الابتكارات منفعة حقيقية للسكان، أم تفرض مخاطر على الخصوصية والسلامة والعدالة الاجتماعية مقابل مكاسب اقتصادية للشركات؟

هذا السؤال هو محور دراسة علمية جديدة تقترح منهجًا يساعد الحكومات المحلية على تقييم التكنولوجيا وفق القيم التي يحددها المجتمع، بدلًا من الاكتفاء بقياس التكلفة المالية أو الكفاءة التقنية.

وتستند الدراسة إلى حالتين من الولايات المتحدة: قرار مدينة بورتلاند بولاية أوريغون حظر استخدام تقنيات التعرف على الوجوه في الأماكن العامة، وتجربة السيارات ذاتية القيادة في ولاية أريزونا، التي كشفت مخاطر السلامة بعد حادث مميت في عام 2018.

ونُشرت الدراسة في مجلة «Cities» العلمية، تحت عنوان «Public value mapping for emerging technologies».

التكنولوجيا الناجحة تجاريًا ليست بالضرورة ناجحة للمجتمع

يقترح الباحثون استخدام منهج يُعرف باسم «رسم خريطة القيمة العامة» (Public Value Mapping)، لمساعدة المدن على فهم تأثير التكنولوجيا في السكان والشركات والجهات الحكومية.

وتبدأ الفكرة من مراجعة الأهداف التي أعلنتها المدينة مسبقًا، سواء في خططها الاستراتيجية أو وثائقها الرسمية أو أولويات المجالس المحلية، ثم مقارنة كل خطوة في إدخال التكنولوجيا بهذه الأهداف.

ويقيّم المنهج نتيجتين منفصلتين: مدى استفادة الشركات التي تطور التكنولوجيا أو تبيعها، ومدى استفادة الجمهور منها.
وبذلك يمكن أن يحقق مشروع تقني مكاسب تجارية واضحة دون أن يحقق منفعة مماثلة للسكان، أو أن يحقق مكاسب للطرفين، أو أن يتسبب في خسائر لكليهما.

ويضع الباحثون أيضًا مستوى عدم اليقين في الاعتبار، لأن الآثار طويلة الأجل لبعض التقنيات الجديدة لا تزال غير معروفة.

واعتمد الفريق في تطبيق المنهج على وثائق التخطيط المحلي ومحاضر المجالس البلدية والتغطيات الإخبارية، إلى جانب مقابلات مع موظفين في المدينتين محل الدراسة.

وشارك في البحث ثاديوس ميلر، الأستاذ بمدرسة السياسة العامة بجامعة ماساتشوستس أمهيرست، وفراح نجار أريفالو من جامعة ولاية أريزونا، وديفون ماك أكلان من جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في السويد.

بورتلاند تختار الخصوصية وتمنع التعرف على الوجوه

بدأت مدينة بورتلاند عام 2018 في تطوير توجه مؤسسي لإدارة استخدام البيانات والتكنولوجيا من خلال مبادرة «Smart City PDX».

وفي مطلع عام 2020، تصاعدت الاعتراضات على استخدام كاميرات التعرف على الوجوه في متاجر «جاكسونز» المحلية، وسط مخاوف من انتهاك الخصوصية ومن تفاوت دقة هذه الأنظمة بين الفئات السكانية المختلفة.

وتشير المخاوف إلى أن بعض أنظمة التعرف على الوجوه قد ترتكب أخطاء بمعدلات متفاوتة تبعًا للعرق والجنس، وهو ما يثير تساؤلات بشأن استخدامها في قرارات حساسة مثل تحديد هوية المشتبه بهم.

وفي ديسمبر 2019، نشر المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا نتائج اختبار أظهرت وجود فروق بين أنظمة التعرف على الوجوه في معدلات المطابقة الخاطئة بين مجموعات سكانية مختلفة.

وفي سبتمبر 2020، أقر مجلس مدينة بورتلاند بالإجماع حظرًا على استخدام هذه التقنية من جانب الجهات الحكومية والشركات الخاصة في الأماكن العامة التي يشملها القرار، مثل المتاجر والمنشآت الرياضية.

وبحسب تحليل الباحثين، مثّل القرار مكسبًا واضحًا للقيمة العامة، مقابل خسارة للشركات والجهات التي كانت تراهن على توسيع استخدام التقنية.

لكن النقاش لم ينتهِ عند الحظر؛ ففي عام 2023، اتجهت المدينة إلى فرض مراجعات تتعلق بالخصوصية قبل شراء تقنيات المراقبة أو استخدامها.

وتوضح التجربة أن قرار إدخال التكنولوجيا لا يتعلق فقط بقدرتها على تحديد الوجوه، بل أيضًا بحدود استخدامها، واحتمالات إساءة توظيفها، والحقوق التي ينبغي حمايتها.

أريزونا تفتح الطرق أمام السيارات ذاتية القيادة

السيارات ذاتية القيادة

في المقابل، اتبعت ولاية أريزونا مسارًا أكثر انفتاحًا على التجارب التجارية للسيارات ذاتية القيادة.

ففي عام 2015، أصدر الحاكم آنذاك دوغ دوسي أمرًا يسمح للشركات باختبار هذه السيارات على الطرق العامة، ضمن توجه يستهدف دعم الابتكار وجذب الاستثمارات وخلق فرص اقتصادية.

لكن في 18 مارس 2018، صدمت سيارة اختبار تابعة لشركة أوبر إيلين هيرزبرج، وهي امرأة كانت تعبر الطريق سيرًا بجوار دراجتها في مدينة تيمبي، ما أدى إلى وفاتها.

وأصبح الحادث من أبرز الوقائع التي سلطت الضوء على مخاطر اختبار المركبات ذاتية القيادة في الطرق العامة، وعلى ضرورة تحديد مسؤوليات الشركات ومتطلبات السلامة والإشراف البشري.

وصنف الباحثون الحادث باعتباره خسارة للمجتمع وللصناعة في الوقت نفسه، إذ كشفت الواقعة مخاطر على السلامة وألحقت ضررًا بالثقة في التكنولوجيا.

وعلّقت أريزونا عمليات أوبر ذاتية القيادة في الولاية، لكن الباحثين أشاروا إلى أن تحديث التوجهات التنظيمية لم يعنِ بالضرورة وضع معايير سلامة جديدة ومخصصة لهذه المركبات.

لاحقًا، اتخذت مدن في المنطقة خطوات مختلفة لتقييم التكنولوجيا أو اختبارها في خدمات محددة.
وشملت هذه الخطوات تشكيل لجنة في تيمبي لدراسة توافق السيارات ذاتية القيادة مع الأهداف الاستراتيجية للمدينة، واستخدام موظفي مدينة تشاندلر خدمة «وايمو» في تنقلات العمل، إلى جانب تجربة هيئة النقل الإقليمية «فالي مترو» لهذه المركبات في بعض رحلات خدمة النقل المخصص لذوي الاحتياجات المتعلقة بالتنقل.

ويرى الباحثون أن هذه التجارب توضح كيف يمكن أن تتقاطع المنفعة العامة والمصلحة التجارية عندما تُستخدم التكنولوجيا ضمن أهداف واضحة، بدلًا من نشرها لمجرد أنها متاحة.

لكنهم يحذرون أيضًا من أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهم، وفق طريقة استخدامها وتخطيط المدن، في زيادة الازدحام المروري أو تشجيع التوسع العمراني، بدلًا من حل مشكلات التنقل.

لماذا تحتاج المدن إلى تقييم أوسع من حساب التكلفة والعائد؟

غالبًا ما تواجه الحكومات المحلية ضغوطًا لتبني أنظمة جديدة، سواء من شركات التكنولوجيا أو من الجهات التي ترغب في توسيع أدوات المراقبة وإنفاذ القانون.

لكن بعض البلديات لا تمتلك الموارد أو الخبرات الكافية لتقييم التأثيرات المحتملة لهذه التقنيات في جميع القيم التي تهم السكان.

فالتعرف على الوجوه، على سبيل المثال، لا يقتصر على الاستخدامات الأمنية؛ إذ يدخل في تطبيقات تشمل فتح الهواتف والتحقق من الهوية واعتماد المدفوعات وإجراءات الحدود.

ولذلك، فإن تقييمه يتطلب النظر إلى الدقة التقنية، والخصوصية، والتمييز المحتمل، وطرق تخزين البيانات، والجهات التي تستطيع الوصول إليها، وآليات المساءلة عند وقوع الأخطاء.

ويؤكد الباحثون أن خريطة القيمة العامة ليست أداة تمنح المدينة إجابة آلية بنعم أو لا، كما أنها لا تحل محل تحليل التكلفة والعائد. بل يمكن استخدامها إلى جانبه لتوسيع النقاش قبل اتخاذ قرار الشراء أو النشر.

ويمكن، بحسب الدراسة، إدخال هذه الآلية في جلسات التشاور العام التي تعقدها المدن بالفعل، بما يتيح للسكان والموظفين والمسؤولين تحديد القيم التي ينبغي أن توجه القرارات التقنية.

حدود الدراسة وما الذي لم تحسمه؟

رغم أهمية المنهج المقترح، فإن الدراسة تستند إلى حالتين أمريكيتين فقط، كما أن الباحثين قيّموا التجربتين بأثر رجعي، وليس أثناء اتخاذ القرارين.

ويقر الفريق بأن بعض التصنيفات تنطوي على قدر من التقدير الشخصي، وأن الاعتماد على الوثائق الحكومية لتحديد قيم المجتمع قد لا يعكس دائمًا اختلاف وجهات نظر السكان أو الفئات الأقل تمثيلًا.

كذلك، لم يختبر الباحثون المنهج بعد في قرار تتخذه مدينة بصورة مباشرة أثناء تطور الأحداث، ولم تشمل الدراسة كاميرات «فلوك» لقراءة لوحات السيارات، رغم أنها أصبحت محورًا لجدل عام حول الخصوصية في الولايات المتحدة.

ويعتزم الباحثون تطبيق المنهج مستقبلًا بالتعاون مع السكان خلال مراحل اتخاذ القرار، مع إضافة مقاييس أكثر موضوعية كلما أمكن، لمعرفة ما إذا كانت هذه الآلية تغير بالفعل قرارات شراء التكنولوجيا أو طريقة تنظيم استخدامها.

من المدينة الذكية إلى المدينة المسؤولة

المدينة الذكية

تطرح الدراسة رسالة تتجاوز المثالين الأمريكيين: التحول الرقمي لا يصبح ناجحًا لمجرد إدخال مزيد من الكاميرات أو الأنظمة الآلية أو المركبات الذكية.

فالمدينة تحتاج قبل اعتماد أي تقنية إلى تحديد المشكلة التي تريد حلها، والمنفعة التي تنتظرها، والمخاطر التي قد يتحملها السكان، والضمانات اللازمة لحماية الحقوق، وكيفية قياس النتائج بعد التطبيق.

وبالنسبة إلى المدن التي تسعى إلى الاستدامة، يضيف هذا المنهج بُعدًا مهمًا إلى التخطيط الحضري؛ إذ لا تكفي الكفاءة الاقتصادية أو سرعة الخدمة وحدهما للحكم على نجاح الابتكار، بل ينبغي أيضًا مراعاة العدالة الاجتماعية والسلامة والخصوصية والمساءلة.

الخلاصة: المدينة الذكية ليست بالضرورة المدينة التي تستخدم أكبر عدد من التقنيات، بل المدينة التي تستطيع إثبات أن التكنولوجيا تخدم أهدافًا عامة واضحة، وأن فوائدها تفوق مخاطرها، وأن السكان يشاركون في تحديد شروط استخدامها.

↑
Exit mobile version